(نحن نفضل أن نعود إلى أيام الصحراء والجمال...على أن يتم التحكم بنا... أما القمح فنحن مستمرون في زراعته) مقولة للملك الراحل فيصل بن عبد العزيز (رحمه الله) لوزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر إبان الحظر النفطي الذي فُرض من قبل السعودية والإمارات أثناء العدوان على مصر عام 1973، وتأتي أهمية هذه المقولة اليوم لنستذكر التجربة السعودية في زراعة القمح التقليدية المستدامة.

ولما للزراعة من حيث الأهمية في حياة الإنسان، لأنها مصدر الغذاء، ولا حياة بدونها، وان الاكتفاء الذاتي في مجالي الزراعة والثروة الحيوانية يعتبران الدعامة الرئيسية لضمان الاستقلاليين الاقتصادي والسياسي إلى حد كبير، ولذلك نرى شعوب العالم تسعى جاهدة لإيصال زراعتها وثروتها الحيوانية لأعلى المستويات مستفيدة من التقدم التقني الحاصل،

واليوم يحذرنا البنك الدولي بتقريره الصادر بتاريخ 19 أكتوبر، تحت عنوان: «زراعة من أجل تنمية 2008» من أن إمدادات الأغذية العالمية تواجه ضغوطاً جراء اتساع نطاق الطلب على الغذاء والأعلاف، والوقود الأخضر، وتزايد أسعار الطاقة، وازدياد قلة الأراضي الزراعية وشحة الموارد المائية، بالإضافة إلى الآثار الناجمة عن ظاهرة تغيّر المناخ،

وشدد على انه ينبغي أن يزداد إنتاج الحبوب بحوالي 50% وإنتاج اللحوم بحوالي 85% في الفترة من 2008 ـ 2030، مؤكدا في الوقت ذاته، أن ما يضيف إلى هذا الواقع الطلب المتزايد على الخامات الرئيسية اللازمة لإنتاج أنواع الوقود الأخضر، وهو ما أدى فعلاً إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية على الصعيد العالمي). وهذا ما تم فعلا قبل أشهر من ارتفاع لأسعار الحبوب عالميا بنسبة 20%.

ومن المفارقات الاقتصادية أن بعض البلدان العربية التي حباها الله بمياه عذبة وتربة خصبة كانت سببا في ارتفاع أسعار القمح في السوق العالمية بسبب الطلب الحاد عليه، تماما كما تسببت الصين في المساهمة في ارتفاع أسعار النفط في السوق العالمية وذلك بسبب طلباتها القياسية.

لكن الفارق أن البلدان العربية تستورد القمح لتحوله إلى خبز بينما تستورد الصين النفط لتحوله إلى صناعات ومنتجات زراعية، ومنها القمح الذي تنتج منه سنويا أكثر من مئة مليون طن مستغلة ما تستورده من النفط لتطوير تقنيات زراعة القمح التي جعلتها في المركز الأول عالميا.

لقد كان في انتهاج بعض البلدان العربية في ستينات القرن الماضي أنظمة اقتصادية بعيدة عن الواقع العربي أحد الأسباب الرئيسة في التردي الاقتصادي، فالتجأت إلى الصناعة وأهملت الزراعة فعم الفشل لكليهما مما أوعزت هذه البلدان فشل الصناعة إلى عدم وجود المقومات الرئيسة لها،

ولكن ما الأسباب التي جعلت سلة الغذاء العربي تتراجع والمقومات الزراعية جميعها متوفرة؟ وهذا ما يذكرني بما قرأته عن تاريخ العراق عندما دخل الجنرال (مود) بجيوشه المحتلة العراق عام 1917 شاهد جمع من الناس يصلون في وقت ليس ضمن الأوقات الخمسة المفروضة، فسألهم لماذا يصلون في هذا الوقت؟ فوضحوا له بأنها صلاة الاستسقاء. فقال متعجبا:عندكم دجلة والفرات وتطلبون من الله المطر!

وباعتقادي وعلى الرغم من التفاوت في الدعم الحكومي للمزارع العربي إلا أن الاتكالية والتقاعس في الأداء لدى المزارع العربي تبقى الهاجس الذي يؤرق المسؤولين قياسا بالأداء الذي يتمتع به المزارع الآسيوي وحتى الأفريقي، وكم هو بحاجة إلى إرشاد وتوجيه؟

وتبقى الزراعة أساسا لتحقيق النمو وتقليص الفقر في العديد من البلدان، بالرغم مما تمتلكه من موارد نفطية أو معدنية أو سياحية تتمتع بها، وأمام هذه التحولات والتقلبات والأزمات، يجدر بالوطن العربي أن يتساءل بجدية وإيجابية عن مدى إمكانية تأثره بما يحدث على الساحة الاقتصادية العالمية، وعن إمكانية التنمية العربية على حماية شعوبها من تدهور أوضاعها الزراعية،

ومن بين التحديات الخطيرة التي تواجهها الدول العربية داخليا ما هو مرتبط بانخفاض الموارد المائية وسرعة زيادة السكان، وعدم إشباع الحاجات الأساسية لغالبية السكان واستفحال آفة البطالة والفقر، لذا فإن إعداد استراتيجيات التنمية الزراعية العربية المستدامة للعقود القادمة ضرورة حتمية تقع على عاتق الوزارات والمنظمات ذات العلاقة،

كما أن توظيف الفوائض المالية في مجال الاستثمارات الزراعية وتنميتها قادرة على المساهمة في تحقيق التكامل الزراعي العربي وتعزيز القدرة التنافسية للمنتجات الزراعية في النفاذ للأسواق العالمية.

كاتب ومحلل اقتصادي

Kutaiba@eim.ae