أول من استعمل مصطلح ثقافة ليقابل به لفظة culture في العصر الحديث هو سلامة موسى، وهو مصلح من طلائع النهضة المصرية عرف عنه اهتمامه الواسع بالثقافة، واقتناعه الراسخ بالفكر كضامن للتقدم والرخاء، تتلمذ على يديه نجيب محفوظ الذي يؤثر عنه قوله له «عندك موهبة كبيرة، ولكن مقالاتك سيئة» الأمر الذي دفع نجيب محفوظ إلى العناية في انتقاء مواضيعه.

ويستخدم مصطلح الثقافة وفق المفهوم الغربي للإشارة إلى ثقافة المجتمعات الإنسانية،وهي طريقة حياة تميّز كل مجموعة بشرية عن مجموعة أخرى. والثقافة يتم تعليمها ونقلها من جيل إلى آخر؛ ويقصد بذلك مجموعة من الأشياء المرتبطة بنخبة ذلك المجتمع أو المتأصلة بين أفراد ذلك المجتمع، فهي نماذج من سلوك الناس ومعيشتهم داخل مجتمعاتهم حيث يتعلمون ويبتكرون ويشاركون بعضهم في الأنشطة الاجتماعية والثقافية والعمرانية.

والثقافة ضرورية لنقل المجتمع من درجة دنيا إلى أعلى منها وهي ضرورية لإحداث تغيير إيجابي في سلوك خاطئ، لهذا فإننا يجب أن نقوم بتدعيم الثقافة لنؤثر على التجارة والاقتصاد، كذلك نحن بحاجة لتدعيم ثقافة المجتمع لنعالج مشكلة مثل مشكلة الزحام، العملية ليست سهلة وقد تحتاج إلى تعاقب جيل أو جيلين حتى نحدث تغييرا معينا حتى نحصل على نتائج ملموسة في ذلك السلوك الخاطئ.

كل الظواهر الاجتماعية، هي عبارة عن سلوكيات فردية متكررة، فظواهر التعامل الخاطئ مع الطريق هي عبارة عن سلوكيات لأفراد لديهم دوافع نفسية واجتماعية وثقافية تجعلهم أشخاصا سيئين في تعاملهم مع المركبات أو المشاة أو الناس في الشوارع أو الطريق. لو كانت سلوكيات الأفراد إيجابية لوجدت مجتمعا متطورا، فالأفراد هم أساس المشكلة، وسلوكياتهم هي التي يجب التركيز عليها بشكل خاص لإصلاح المجتمع.

وإذا أراد المجتمع أن يطور نفسه، يحتاج أن يبحث عن السلوكيات الخاطئة ليصححها، السلوكيات التي تنتج التخلف، ويصححها من خلال المدرسة والبيت والإعلام وغيره، ولكن كل من يريد أن يشارك في عملية التصحيح (المدرسون، الآباء والأمهات، المثقفون..الخ) يلزمهم أن يبحثوا عن هذه السلوكيات ويتعلموا كيف يغيرونها كقناعات لدى الأشخاص، قناعات لا ترتبط بخوفهم من المجتمع أو بدرجة التزامهم الديني أو ببحثهم عن الرضا الذاتي. أحد أسهل الأساليب لتغيير السلوكيات هو «العلم».

أن تعلم الأرقام والنتائج والمعلومات المؤكدة هو الذي يجعلك تقتنع، وهذا ما يجعل أنصار «الشفافية الإعلامية» يطالبون بنشر كل شيء في الإعلام ليس للتحريض عليه، بل حتى يفهم الناس ماذا يمكن أن تكون نتائج الفساد. لذلك فإن أخطر مصيبة على المجتمع هو الجهل، الجهل بأنواعه. الجاهل هو كتلة من التخلف وبالتالي من السلوكيات الخاطئة.

ويعجبني في الغربيين ـ حيث درجة الضغط الاجتماعي حوالي الصفر، ودرجة الوازع الديني محدودة جدا أيضا عند نسبة عالية منهم ـ أن لديهم وازعا عميقا ليفعلوا ما يفعلوا. هم صادقون لأنهم يؤمنون بعمق بأهمية وجود الصدق بين الناس، وجميل أن يعيش الإنسان في مجتمع يسيطر عليه الصدق.

لو كانت القوانين والأنظمة كافية لعلاج المشكلات، لكان من زمن طويل لدينا طرق يقود الناس فيها بتحضر رائع، وموظفون مخلصون في أعمالهم، ومجتمع خال من الخطيئة، لأن القوانين في أي دولة عربية تحاول معالجة كل هذا. لكن القوانين لا قيمة لها أحيانا.

مجتمع مثل دبي مزيج من الأعراق والجنسيات والثقافات المختلفة ونجد أن الفئة الغالبة فيه هي الكادحة ونحن نعاني من الكثير من السلوكيات الخاطئة التي تؤثر على نمط الحياة الاقتصادية فما السبيل إلى ذلك؟ نحن بحاجة لممارسات متكررة ولدعم مستمر لتلك السلوكيات وخاصة من الشخصيات التي نعتبرها قدوة لنا أو لتلك الفئة المستهدفة،

ولعل التراث الإسلامي قدم لنا ما يساعدنا على ذلك فالرسول صلى الله عليه وسلم لتزكية المهارات الاجتماعية والتواصل الاجتماعي الذي يدعم التوافق الاجتماعي والصحة النفسية.. أنه صلى الله عليه وسلم كان يبدأ من لقيه بالسلام وبوجه بشوش.. وكان إذا لقي أحداً من الصحابة بدأه بالمصافحة.. وكان يؤثر الداخل عليه بالوسادة التي تحته..

وكان يعطى كل من جلس إليه نصيباً من وجهة.. أي من النظر إليه والاهتمام به.. نحن لسنا بحاجة لحملات توعية وتوزيع منشورات بكافة اللغات ونكتفي بذلك وإنما بحاجة لأن يتبنى مجموعة من أفراد المجتمع سلوك خاطئ ويتم إتباع السلوك الصحيح المراد تبنيه وبهذه الطريقة

فإننا سنساعد بشكل إيجابي على تغيير سلوك خاطئ معين تكون لدى المجتمع. وفي نهاية المطاف فإن ثقافة المجتمع يجب أن يتم مراقبتها باستمرار وأن يتم دعمها باستمرار لإحداث التغييرات الإيجابية المطلوبة متى ما استشعرنا أي انحراف غير مرغوب فيه.

نقطة وأول السطر...

خذ الأشخاص الذين يعملون معي واترك لي مصانعي وسترى أن العشب قد نبت في أرضية المصنع، وخذ مني مصانعي واترك لي موظفي وسترى كيف أننا سنحصل عاجلاً على مصنع جديد وأفضل حالاً من القديم.

الوكيل المساعد لدائرة البلديات والزراعة بالعين وعضو مجلس الخدمة المدنية لإمارة أبوظبي

dr.jamal@cd.gov.ae