الحب والحرب نقيضان، لكنهما يتجاوران بما يشي بعدم قدرة الواحد منهما على إلغاء الآخر.. قدرهما أن يظلا إلى جانب بعضهما بعضاً. في الأول الكثير من محتويات الثاني، والعكس صحيح أيضاً.
في مجاز ما يتضمن كل اسم من الاسمين، محتويات وإشارات تكبر عن الصفة المحددة، فقد تشكلا مع بدايات الوعي الإنساني، وأصبحا توأمي الحياة، بلا قدرة على الانفصال. في مرآة إياهما، شيء من وجه الآخر. هذا ما تحيلنا إليه كتابة المؤلفة ريم حنا، في مسلسلها «رسائل الحب والحرب»، الذي اختتمت آخر حلقاته قبل خمسة أيام.
كتبت ريم حنا فوق مساحة أحداث وقعت، ما بين ثمانينات القرن الماضي ومطلع الألفية الثالثة، شاملة الأحداث السياسية الكبيرة التي أصابت لبنان وسوريا، والقضية الفلسطينية، وسلطت الضوء على الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982، وما نتج عنه على المستوى الاجتماعي، من تفريق بين «الأشقاء»، وتفرق بين الأهل والأبناء، و«رفاق» النضال.
ووزعت حنا عناصر تأليفها الدرامي على مساحة واسعة محكمة الربط وقوية المتون، حتى بدا الاتساع كلوحة واحدة، فيها النافر والضامر، حيث العناصر الدرامية المذكورة تؤدي دورها وليس وظيفتها في هرمونية تحيا في سيمفونية، وتجتمع في جملة «موسيقية» واحدة.
وهذا يفسر قدرة المؤلفة على رسم ملامح شخصيات وتركيزها بأحجامها داخل البناء الدرامي الغني بواقعيته ومتخيله في آن. أحياناً، كانت بعض الشخصيات تفر من البناء الدرامي «المحكم»، أي صرحت بما لم ترسمه المؤلفة ريم حنا لها.
وأقصد المبالغة التعبيرية لإحدى شخصيات العمل الرئيسية (جلال) أو «ممدوح عدنان»، مع أن قصي خولي الذي أدى الدور أجاد في التمثيل مؤكداً موهبة ومعرفة يمتلكهما. الانفصام في اسمه، لم يكن مبرراً درامياً بالكامل. لكنه أيضاً لم يخدش العمل. الشاب المصدوم بسرقة زوجته منه لجمالها، من قبل رجل سلطة، يتحول إلى فيلسوف متخصص بأفكار الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو.
أسهبت ريم حنا هنا حد التخمة التي تقتل، بينما تصرفت الشخصية أقل بكثير من صفاتها.. والكلام والحوارات للفيلسوف الوافد بدت سطحية، تحمل عاطفية مملة أكثر من تعقل مضيء. لعل ما ينطبق على هذه الشخصية يصيب في طريقه أيضاً، مستوى بضع حلقات في نهاية المسلسل. لكن الحلقة الأخيرة فيها هبوط، وأكثر من عثرة.
وأفلتت المؤلفة من يديها ما قدمته من فائض درامي. واستعاضت عنه بخطابيات سياسية منبرية، لا طائل منها. وكان يمكن للعمل ان لا يصل إلى نقطة أضاعت جهداً واضحاً.. على الأقل لم يتطلب السرد الدرامي أكثر من 15 حلقة على الأكثر.. لكن هذه مصيبة الإنتاجات المرتبطة بعدد أيام الصيام في الشهر الفضيل.
مخرج «رسائل الحب والحرب» باسل الخطيب معلم في صنعته، ولو لم يحصل في تاريخه المهني على شهرة واسعة يستحقها، يصور للشاشة الصغيرة بأساليب الشاشة الكبيرة.. لقطات معبرة، المشهد قوي وذكي.. المونتاج تصنعه عين الكاميرا، وليس آلة «التقطيع».
بالطبع أصيب عمله ببطء وإطالة للأسباب ذاتها التي دعت كاتبة السيناريو أن تطيل حلقات عملها، لكن هذا لا يلغي إبداعاً حقيقياً في الإخراج، إذ عرف الخطيب تماماً أن «البطولة» موزعة بالتساوي على جميع العناصر الأساسية للعمل. أقصد النص والتمثيل والاخراج.. الثلاثة معاً هم أبطال العمل.
سلاف فواخرجي حضرت بشخصية «نيسان»، بكامل عدتها، وملأت الكادر بما هو مطلوب منها.. شقيق مؤلفة السيناريو رامي حنا في شخصية المدمن على الكحول حلق في فضاء الدراما.. والأجمل الكبيرة وصاحبة الوزن في العمل ثناء دبسي في شخصية الجدة، سلوم حداد بشخصية «الضابط» الحاد الطباع مقنع وممثل كبير بحق. صباح الجزائري وسليم صبري بحجم دوريهما الصغيرين كانا كبيرين.
ولا يمكن تناسي دور حسن عويتي الممثل العتيق في شخصية الوالد الودود. وكذلك تاج حيدر وأمل خلف.. مع أن الثانية بدا دورها منفوخا بلا سبب درامي فعلي. لا شك ان ريم حنا وباسل الخطيب قدما هذا العام عملاً كبيراً، قد يكون من أهم ما انتج في الدراما العربية في السنوات الخمس الأخيرة، بغض النظر عن عثرات طالت العمل ولم تصبه بمقتل.
دبي ـ حسين قطايا
