قالت صحيفة نيويورك تايمز إن نيويورك، التي اعتادت أن تكون عاصمة المال والبورصات في العالم لم تعد كذلك الآن، ولم تعد بورصة نيويورك أيضا محور حركة المال والتجارة والتعاملات كما كان الوضع من قبل.

وتضيف الصحيفة الأميركية أن اكبر تجمعات صناديق الاستثمار والمعاشات والتحوطية توجد الآن في فالي فورج في لوس انجلوس وبوسطن، وتنتشر مراكز إدارة الأموال والتجارة في أنحاء العالم.

ومنذ نهاية الحرب الباردة (بين أميركا والاتحاد السوفييتي السابق) تكونت مراكز مالية وتجارية كبيرة وكثيفة خارج أميركا ومثال ذلك حسابات أثرياء الروس في سويسرا، وخزائن شانغهاي التي تمتلئ بأموال أقطاب الصناعة الصينية، وخزائن المال التي تسيطر عليها سنغافورة وروسيا ودبي وقطر والسعودية التي قد تصل الأموال فيها إلى 2.5 تريليون دولار إجمالاً وفق تقديرات ستيفن جين الخبير الاقتصادي في مؤسسة مورجان ستانلي.

وغالبية هذه الأموال تستثمر في الداخل، وقال فليكس روهاتين المصرفي المخضرم الذي شارك في إنقاذ نيويورك من الأزمة المالية في السبعينات إن دولاً مثل الصين لديها كميات هائلة من رأس المال الآن، وبالطبع تريد هذه الدول جزءاً من توزيع وتسويق هذه الأموال، ويقول إن الصين تطلق الإصدارات العامة لشركات حكومية في البورصات المحلية كوسيلة لبناء أسواق المال الصينية، والإصدار البالغ قيمته 7.7 مليارات دولار عن بنك التعمير الصيني في شانغهاي الشهر الماضي هو أبلغ مثال على ذلك.

ويمثل هذا النمو انتصاراً لكل شيء يؤيده وول ستريت ـــ شارع المال في نيويورك، وتتمثل في قدرة المال على السعي إلى عائدات من خارج الحدود وتزايد التكامل في الاقتصاد العالمي وانتصار نشاط السوق في المناطق التي كانت مغلقة من قبل. وهذا أمر طيب للصناديق الاستثمارية في نيويورك أيضاً لأن شركات تجارة الأسهم الخاصة والصناديق التحوطية تستطيع الآن جمع الأموال من مصادر جديدة، غير أن اندماج الثروة أطلق غضباً بين النخبة المالية في نيويورك.

فقد أعلنت لجنة تنظيم أسواق المال مؤخراً عن نيتها وقف التراجع الواضح في القدرة التنافسية المالية لأميركا وخرجت بتقرير يشمل عدة تحذيرات وقالت في هذا التقرير هناك أدلة على أن أميركا تفقد ريادتها وتصدرها وقدرتها التنافسية أمام أسواق المال والبورصات الأجنبية.

وأصدر مايكل بلومبرج محافظ نيويورك وعضو مجلس الشيوخ تشارلز شومر عن نيويورك، تقريراً أيضاً لتحليل الوضع. وقال التقرير الذي أعدته شركة مكنزي أن نيويورك تواجه منافسة من دبي وهونج كونج وطوكيو إلى جانب لندن أيضاً.

وهذه الاتجاهات التي ركزت عليها هذه التقارير تقلق أميركا وصناعة الخدمات المالية في نيويورك التي كانت على مدى التاريخ الوطن الطبيعي لها.

وقالت لجنة تنظيم أسواق المال أن نصيب أميركا من الإصدارات العامة في العالم تراجع من 50% عام 2000 إلى 5% عام 2005.

وحتى وقت قريب لم يكن مديرو بنك التعمير الصيني يروا أي بديل لمدينة نيويورك لإصدارهم. فقد كانت نيويورك هي الوحيدة التي تتوفر فيها البنوك الضامنة ذات الخبرة والأسواق ذات الشفافية والثقة وتجمعات المال العميقة، التي تستطيع أن تطرح مثل هذا الإصدار، غير أن الوضع الآن لم يعد كذلك.

فقد مثلت بورصة نيويورك عام 2001 نصف قيمة الأسهم في البورصات العالمية، لكن قيمة أسهم الشركات في بورصة نيويورك تمثل الآن 37% فقط من القيمة السوقية لأسهم بورصات العالم. وفي عام 2005، كانت تسع من أكبر 10 إصدارات أسهم في العالم، خارج الولايات المتحدة. وأكبر إصدار في العالم بقيمة 19.9 مليار دولار لبنك الصين الصناعي التجاري، كان في هونج كونج عام 2006.

وفي مجال البنوك الاستثمارية، قال تقرير مؤسسة مكثري إن العائدات في أوروبا حالياً تعادل نظيرتها في أميركا من هذه البنوك. ولا تمثل هذه البيانات والمعلومات انتقالاً لمركز القوة المالية من مكان لآخر، بل تغير في نمط توزيع القوة المالية. فقد أصبح الاقتصاد العالمي خلال العقد الحالي متعدد المراكز المالية.

وقال روبرت روبين وزير الخزانة الأميركي السابق هناك مراكز قوة مالية عديدة في العالم الآن. وأميركا هي أكبر اقتصاد في العالم، لكن من جانب آخر تخلق لندن بيئة تبدو فعالة بنفس القدر من حيث الأمان والقوة مقارنة بمركز المال في أميركا »نيويورك« ومن الواضح أن هونغ كونغ وسنغافورة في طريقهما لتكوين مراكز مالية بنفس القوة.

والصينيون يستثمرون في شنغهاي لخلق مراكز أخرى. وتحاول المؤسسات المالية الكبري في نيويورك أن تصبح أكثر عالمية وأقل اعتماداً على الأسواق المالية الداخلية. وأصبحت بورصة نيويورك، رمز المال في وول ستريت، مساهمة عامة خلال السنوات القليلة الماضية، وعينت مديراً تنفيذياً جزئياً.

واندمجت مع يورنيكست التي تملك بورصات مشتقات في لندن وبورصات مالية في باريس وبروكسل وامستردام. وتحصل نيويورك ريورنكست على 44% من عائداتها و 62% من دخل العمليات من خارج أميركا. وأخفقت بورصة ناسداك ثاني أكبر بورصة في نيويورك، في شراء بورصة لندن، لكنها تأخذ نسبة من أسهم او إم إكس التي تدير بورصات في شمال في أوروبا بالاشتراك مع دبي.

ومع تحول تعاملات البورصة إلى النظام الالكتروني وزيادة الانتشار العالمي، ليس من المتوقع أن تتحول نيويورك ريورنكست إلى بورصة الكترونية فقط بنسبة 100% لكنها من المتوقع أن تبيع لأقطاب الصلب في روسيا، وبارونات التعهيد في الهند مثلاً، لكنها لن تكون الوحيدة التي تفعل ذلك.

ترجمة : أشرف رفيق