بعيداً عن تبني نظرية المؤامرة، تتولى الفضائيات العربية، وتشاركها عدة مواقع إلكترونية، النهوض بقطاع جديد للاستثمار، وهو استثمار يقوم على هدم أركان الأسرة العربية «بيزنس الطلاق».
حيث دأبت هذه الفضائيات والمواقع الفضائية على توفير اتصالات مدفوعة الأجر تتلقى شكاوى الزوجات المعذبات بحجة أنها تقدم النصائح القويمة لهن لعلاج سوء العلاقة بين الزوجات وزوجاتهم، إلا أن القائمين على هذا الأمر لا يجدون دوماً بديلاً عن النصح بالطلاق. خاصة وأنه في هذه الحالة يروجون لأنفسهم تجارة أخرى وهى قضايا الطلاق، حتى أن أحد المواقع الإلكترونية أعلن عن تلقى 24 ألف شكوى من زوجات يطلبن المشورة القانونية، وهو ما دفع الموقع إلى تشكيل لجنة قانونية لتولي قضايا هؤلاء النساء. والعديد من شركات الدعاية اقتحمت بيزنس الطلاق وخصصت أرقاماً تليفونية خدمة صوتية لتلقي مشاكل الزوجات وتقديم المشورات القانونية مقابل جنيه لدقيقة الاتصال.
بينما خصصت بعض القنوات الفضائية برامج يتلقى فيها الضيوف اتصالات المشاهدين عبر أرقام تحسب فيها الدقيقة بـ 5. 1 جنيه لتقديم نفس الخدمة الطلاق السريع. هذه الظاهرة لاقت استحساناً وتأييداً من جانب جمعيات حقوق المرأة باعتبارها تكشف حجم المعاناة التي تواجهها المرأة العربية في طلب الطلاق، لكن على الجانب الآخر حذرت هيئات اجتماعية من التأثير السلبي لتلك الموجة على الأسر التي تعانى من العديد من الضغوط التي تدفع إلى الطلاق خاصة الطلاق المبكر للزوجين خلال السنوات الأولى للزواج، وتتنوع تلك الضغوط ما بين الضغوط الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، وقد شهد عام 2006 وحده 64 ألف حالة طلاق في مصر وحدها حسب إحصائية صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
التأثير النفسي بما تعرضه القنوات الفضائية وأجهزة الإعلام من برامج وانعكاسه على زيادة معدلات الطلاق كان موضوع دراسة صادرة عن مركز دراسات المرأة، أعدتها الباحثة عيشة مصطفى وكشفت أن 80% من حالات الطلاق سببها مشاهدة 48 مسلسلا تليفزيونيا و15 فيلما عربيا عرضت على الشاشة في الفترة من عام 1995 وحتى 2002.
وأكدت الدراسة أن الأعمال الدرامية ساهمت في زيادة معدلات الخيانة الزوجية بنسبة 5. 33% أدت إلى زيادة معدلات الطلاق، وأشارت إلى أن 5. 89% من عينة الدراسة من الرجال أكدوا على مساهمة تلك المسلسلات في تحريض الزوجات على التمرد على الحياة الزوجية.
في حين أن دراسة أخرى صادرة عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية اتهمت مطربات، مثل: نانسي عجرم وروبي وهيفاء وهبي وماريا وغيرهن بأنهم ساهمن في زيادة حالات الطلاق ودفع الأزواج إلى التمرد على زوجاتهم.
مؤامرة
د. سهير عبدالعزيز ومدير المركز الدولي للدراسات الأسرة والتنمية تقول: هناك مؤامرة غربية وراء انتشار المكاتب والمواقع الإلكترونية وخدمات الاتصال التي تقدم نصائح لكيفية الطلاق السريع في الدول العربية بهدف ضرب قيم التماسك التي تدفع المجتمع للأمام، وهى القيم الأسرية العريقة المتأصلة في المجتمع المصري منذ آلاف السنين في الوقت الذي نجد الغرب قد حرم منها وتفككت الأسر اجتماعياً ودمرت نفسياً.
وتضيف: كذلك كان تفكير الغرب في كيفية القضاء على التماسك الاجتماعي داخل الأسرة العربية، فانتشرت مواقع الإنترنت المشبوهة وبرامج الفضائيات التي تحرض على الطلاق، ولا هدف لها سوى ضرب قيم المجتمع الإيجابية السائدة في الوقت الذي تسعى فيه أميركا إلى محاولة إعادة القيم الدينية والاجتماعية
والتي أكدت الدراسات والأبحاث أهميتها من أجل كيان قوى بعد أن عانى المجتمع الأميركي سنوات طويلة من حالة التفكك الأسرى. وتشير د. سهير إلى أن مصر رغم صدور مجموعة كبيرة من القوانين الجديدة، التي تهدف بالدرجة الأولى إلى حماية المرأة وكيان الأسرة نجد أنها في معظمها تتوسع في منح المرأة رخصة الطلاق دون وضع آليات جدية لرأب الصدع
الذي قد يظهر داخل الأسرة وتذليل المشاكل والصعاب من أجل الوصول إلى صيغة ناجحة للحياة الأسرية، فالطلاق يجب أن يكون آخر الحلول وليس أولها، لأنه أبغض الحلال عند الله، فكيف يكون أفضل الحلول عند البعض في مواجهة المشاكل الأسرية.
وتؤكد د. سهير أن هناك العديد من الأمراض الاجتماعية بدأت تتسلل للمجتمع دفعت البعض إلى استثمارها من خلال مواقع الإنترنت والقنوات الفضائية لتقديم الحلول السريعة للطلاق، في حين أن الحفاظ على كيان الأسرة يجب أن يكون من أولويات أي حكومة
وضمن برامجها الإصلاحية فقبل تحديث الطرق والخدمات ويجب الحفاظ على كيان المجتمع وإعادة القيم الإيجابية الغائبة وتوعية المقبلين على الزواج بواجباته حتى لا يصبح الزواج مكتوباً على ورقة طلاق.
بيزنس
ويرى د.صلاح الفوال الخبير الاجتماعي أن تأثير مثل هذه المواقع ضعيف ولن يصل بأي حال من الأحوال إلى هذه الأرقام المعلنة التي تشير إلى ارتفاع نسبة الطلاق بشكل لا يصدقه عاقل. ويشدد د.صلاح على أن هذه المواقع يديرها مجموعة من المحامين الذين يسعون إلى الربح والشهرة فقط وليس معنى ذلك هو الاستغناء عن الإنترنت كوسيلة جيدة
ومؤثرة في إيجاب المعلومات التي أصبحت متاحة للجميع أو العمل على منعها، ولابد أن نتعامل معها في الإطار وعدم تحميلها مسئولية التحريض على انهيار الأسرة المصرية التي تعانى من مشاكل اقتصادية طاحنة تتصدر أهم أسباب الطلاق.
مرفوض شرعاً
يقول د.محمد رأفت عثمان الأستاذ بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر: الشريعة الإسلامية تحدد أسباب شرعية الطلاق وإنما هو أمر متروك للزوج كحق من حقوقه وفى حالة خيانة الزوجة لزوجها يحسن له طلاقها وبالنسبة للزوجة،
فقد حدد الشرع شروطاً لطالبها الطلاق وهى في حالة إذا كان الزوج مقصراً في الإنفاق عليها أو يلحق بها ضرراً نفسياً وبدنياً وهنا من حقها اللجوء للقضاء بطلب التفريق وهذا ما يراه بعض الفقهاء في حين يرى البعض الآخر أنه ليس من حقها الطلاق ولكن للقضاء الحق في الحكم على الزوج بعقوبات لإضراره بزوجته.
ويضيف: ان قدرة المرأة المادية وتوفر الثراء لها لا يعد حقا لها في طلبها للطلاق مشيراً إلى اتجاه بعض الجمعيات النسائية، التي تخصصت في تشجيع النساء على الطلاق عبر عرض خدماتها على النت فهذا سلوك مرفوض لأن المطلوب الإصلاح بين الزوجين، كما هو الأمر العام للإصلاح بين الناس وليس التشجيع على الانفصال.
ويوضح أنه لذلك أمر الله عز وجل بالإصلاح بين الزوجين في حالة الخلاف لقوله تعالى: (فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما)، وبالتالي فالإصلاح مطلوب وعلى ذلك هذه الجمعيات التي تحض الزوجات على طلب الطلاق وتوفير الخدمات ولها أن تقع في أمر محرم شرعاً لأنها تفعل ما يؤدي إلى هدم الأسر وتفريق العائلات وتشريد الأولاد.
حق الطلاق
أما د. فيروز عمر استشاري الطب النفسي بمركز إشراق للدراسات النفسية والتربوية فترى أن مثل هذه المواقع الإلكترونية تبحث عن الحل للعلاقات الاجتماعية والأسرية الموجودة من خلال جراحة البتر دون تفكير أو سعي لأي وسيلة إصلاح دون البحث عن علاج دوائي.
وتضيف: ان الغريب أن هناك 29 موقعا إلكترونيا تعمل بنفس الأسلوب والتوجه بالتركيز على تعريف المرأة بحقها في الطلاق وكيفية الحصول عليه دون أن نجد موقعاً واحداً يعرف المرأة بواجباتها وإلزامها بطاعة زوجها وأن تكون خير شريك ورفيق له من أجل حياة اجتماعية هادئة.
وهنا يكمن الخطر، كما تؤكد أن هذه المواقع هدفها الوحيد هو تمكين المرأة واستقوائها بحيث تصبح ذات قوة مسيطرة تسعى إلى تغيير أفكارها ومعتقداتها الاجتماعية وتخلص د.فيروز إلى أن التصدي الأمثل لمثل هذه المواقع التي تشكل خطراً على حياتنا هو أن نسعى إلى ظهور مواقع إلكترونية مضادة تحارب هذا الفكر وتناصر المرأة وتجعل منها امرأة قوية بالإيمان والفكر السليم بعيداً عن الحروب والصراعات مع الرجل.


