عادة ما توصف الدولة التي تمتلك أكبر حجم لفوائض رؤوس الأموال، والقوة الاقتصادية والعسكرية، بأنها دولة النواة وتكون هي أقوى دولة، وبمقدار ما يعتري الضعف قوة هذه الدولة أو تتنازعها في القيادة دولة أو دول أخرى تتعرض المنظومة للاضطرابات والأزمات، وهذا هو الحاصل الآن.

فقد تعرضت دولة النواة، وهي الولايات المتحدة الأمريكية، لضعف نسبي واضح في العقود الثلاثة الأخيرة على قدرتها في قيادة المنظومة لأسباب متعددة منها: تحول الولايات المتحدة إلى دولة مدينة صافية ابتداءً من عام 1985.

تراجع الوزن النسبي للاقتصاد الأمريكي في الاقتصاد العالمي نتيجة ظهور الاتحاد الأوروبي واليابان والصين والهند كقوى اقتصادية منافسة. تقلب قيمة الدولار الأميركي وعدم استقرار سعر صرفه بعد أن أصبحت عملات أخرى تتنافس معه على دور العملة العالمية وعملة الاحتياط الدولية، بالإضافة إلى تكاليف الحرب على العراق وأفغانستان، وبرأيي الشخصي سوف يبقى الدولار الأميركي يترنح ما دامت فيالقه العسكرية تتجحفل خارج القارة الأميركية.

لقد شهدت الفترة الممتدة من عام 1982 وحتى عام 2000 أعظم توسع اقتصادي في تاريخ الولايات المتحدة، ولكن مع تحقق هذه النجاحات الكبيرة ظهرت بعض الإخفاقات. حيث تعاني الولايات المتحدة الآن عجزا ضخما في الحساب الجاري وصل إلى أعلى مستوياته التاريخية يقدر بنحو 800 مليار دولار،

ويعد الحساب الجاري المقياس الأوسع لمدى تدفق رؤوس الأموال والتجارة خارج الولايات المتحدة والذي يشمل: التجارة والاستثمارات والعمالة الوافدة والحوالات باتجاه واحد مثل المساعدات الخارجية، وهذا هو القرين المقابل لرأس المال المتدفق للاستثمار فيها،

وتعادل نسبة العجز هذه أكثر من 6% من الناتج المحلي الإجمالي، ويكاد يصل إلى مستوى لا يمكن الاستمرار في تغطيته لكونه يزيد على مجمل حجم الدّين الأميركي الأجنبي إلى مستوى مفرط، وهو مستوى يرى كثير من الخبراء الاقتصاديين أنه مرتفع للغاية،

وهذا التدهور في الحساب الجاري أحد الأسباب الرئيسة لفقدان الدولار الأمريكي الكثير من قيمته وقوته، لذلك شجع المستثمرين على توجيه أموالهم لسوق النفط بدلا من أصول أخرى، مما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط.

كما أن أزمة الثقة في الأسواق المالية العالمية الناجمة عن مشكلة الرهن العقاري الأميركية ليست عنا ببعيد، إضافة إلى تحول تحركات أسعار الفائدة الأميركية بسرعة من الارتفاع إلى الانخفاض السريع لمعالجة هذه المشكلة وتداعياتها على الاقتصاد الأميركي.

في هذا الصدد يقول باري إتشينغرين، المحاضر في جامعة كاليفورنيا: إن سيطرة أي عملة على العالم يتطلب أيضا ثقة المستهلكين في قيمة تلك العملة، ويضيف إذا استمر عجز الحساب الجاري مرتفعاً لفترة من الزمن، فإن الدول الأخرى ستصبح غير راغبة في حفظ احتياطاتها النقدية بالدولار.

ومن ثم فستنخفض قيمة الدولار، الأمر الذي سيؤدي بدوره إلى ضغوط تضخمية مما سيزيد من نفور الدول عن العملة الأميركية. فهذه هي الدائرة الخبيثة التي قد تفقد الدولار عرشه، ولن يجدي وقتها رفع أسعار الفائدة لجذب المستثمرين.

وسرعان ما يترتب على ذلك خلل اقتصادي واضطراب في المعاملات، لهذا كان الاستقرار النقدي، أي الحفاظ على الأدوار التي تؤديها النقود في الحياة الاقتصادية، من أهم معالم السياسات الاقتصادية الرشيدة والإطار السليم للمحافظة على ثقة الجمهور في عملة بلدهم.

باحث اقتصادي

Kutaiba@emirates.net.ae