مع قرب انعقاد القمة الخليجية السنوية، من الطبيعي أن يتجدد الحديث عن أهمية قيام القمة الخليجية باتخاذ مزيد من الخطوات لتحقيق التكامل الاقتصادي الخليجي، وهو ما يقود بصورة تلقائية للحديث عن تذليل الصعوبات أمام العمل الخليجي المشترك بكافة أشكاله وحرية تنقل الأموال والأفراد والاستثمارات.

كذلك أهمية المشروعات المشتركة بين دول مجلس التعاون الخليجي، وضرورة السعي إلى توسيع رقعة هذه المشروعات أفقياً وعمودياً بما يخلق قاعدة مادية عريضة لقيام وتطور الأشكال الأخرى للتعاون، حيث إن هذه المشروعات تمثل مدخلاً لتحقيق الكثير من طموحات مواطني دول المجلس في العديد من المجالات.

فالحديث عن تحرير التبادل التجاري بين أقطار مجلس التعاون الخليجي لا يمكن تجسيده حقيقة إلا من خلال زيادة وتطوير الطاقة الإنتاجية لهذه الأقطار كما ونوعا بحيث تصبح قادرة على تلبية المزيد من احتياجات السوق الواسعة وتوفير السلع التي تلائم اتجاهات الاستهلاك وأنماطه المختلفة.

ومن هنا فإن المشروعات المشتركة تمثل صيغة تنسيقية في المجال الإنتاجي لزيادة الاعتمادات المتبادلة بين اقتصادات دول المجلس التعاون مما يخلق حاجة موضوعية للتنسيق والتكامل فيما بينها. كما أن تلك الاعتمادات سوف تقلص من حجم انكشاف الاقتصادات الخليجية على العالم الخارجي وبالتالي تقليصا للآثار السلبية لهذه الظاهرة مثل تقلبات أسعار الواردات والصرف ومعدلات التضخم.

والأهم من ذلك أن صيغة المشروعات المشتركة سوف تمكن من إقامة وحدات إنتاجية كبيرة والاستفادة من الموفورات الداخلية وخلق التشابك بين القطاعات الإنتاجية على المستويين القطري والإقليمي وهو الأمر الذي سيمكن من زيادة القدرة الاستيعابية سواء فيما يخص الموارد المالية أو البشرية أو المادية الأخرى واستثمارها بشكل أكفأ وأكثر فاعلية لتنفيذ برامج التنمية طويلة الأمد.

كذلك عند الحديث عن المواطنة الاقتصادية وتحرير انتقال عناصر الإنتاج والاستثمار بين أقطار مجلس التعاون الخليجي تبرز المشاريع المشتركة كصيغة فاعلة لتأخير واستيعاب تحركات عناصر الإنتاج الخليجية من بلد إلى آخر والأهم من ذلك إضفاء طابع «التخصيص الكفء» على تلك التحركات، بمعنى تحركها نحو الاستخدامات ذات الجدوى الأكبر من وجهة النظر الاقتصادية.

إن تحرير الانتقال المشترك لعناصر الإنتاج يعتبر هدفا استراتيجيا لدول مجلس التعاون فيما إذا أرادت أن تخطو خطوات رئيسية نحو التكامل فيما بينها. وعلاوة على ذلك فإن المشروعات المشتركة تعتبر الصيغة الأكثر عملية وقابلية للتطبيق للتنسيق الصناعي والإنتاجي الخليجي.

فالتنسيق لوضع خطط تصنيعية خليجية مشتركة، وإقامة أنماط صناعية خليجية متنامية هو أمر بالغ الفائدة ولكن تكتنفه العديد من الصعوبات العملية خصوصا مع زيادة التوجه لتوسيع دور الرأسمال الخاص في إقامة المشروعات الصناعية وعدم تبلور أو قيام مجالس وآليات عليا للتنسيق الصناعي الخليجي.

لذلك فإن صيغة المشروعات المشتركة تعد مدخلا عملياً للسير في طريق التنسيق الصناعي بين دول المجلس. يضاف إلى ذلك أن المشروعات المشتركة هي أقل صيغ التنسيق إثارة للصعوبات والحساسيات الإقليمية وأبعدها مساسا بالسيادة القطرية وبالتالي فهي الأكثر قبولا لدى الحكومات والأفراد.

ويمكننا ان نضيف إلى قائمة هذه المزايا التقليدية العديدة للمشروعات المشتركة مزايا أخرى تبرز من خلال التطورات الاقتصادية المستجدة في دول مجلس التعاون. ان صيغة المشروعات المشتركة تعتبر إطارا فاعلا لاستيعاب المشروعات التي تحول ملكيتها من القطاع العام إلى القطاع الخاص.

فالمشروعات في دول المجلس سوف يفتح القسم الأعظم منها أمام تملك مواطني دول المجلس مما يخلق واقعا لقيام مزيد من المشروعات المشتركة يستوجب من ثم ضرورة دراسة سبل إنجاح مثل هذه المشروعات وإيجاد المستلزمات الضرورية لتحقيق ذلك.

إن برامج الخصخصة في دول المجلس ستجد نفسها وجها لوجه أمام الحاجة لإشراك مواطني دول المجلس في إنجاحها. كما أن بعضها قد يرى حاجة للمرور بفترة انتقالية حيث تكون الملكية مشاركة بين القطاعين العام والخاص ولا شك أن تنفيذ ذلك من خلال تبني صيغة المشروعات المشتركة على المستوى الخليجي سوف يخلق تعاونا مثمرا بين الحكومات الخليجية ومواطنيها.

ومن بين التأثيرات المهمة للنظام الدولي الجديد هو إضعاف أنماط التعامل التجاري المعمول به، وخير دليل على هذا الأحداث المالية في منطقة جنوب شرق آسيا والتي أكدت مدى عرضة الإدارة الاقتصادية والمالية الوطنية وكذلك الأنظمة المصرفية إلى التأثيرات الخارجية.

كذلك فمن خصائص النظام الدولي دخول مؤسسات ومجموعات غير مصرفية في الأسواق المالية وتطور أنظمة المدفوعات الالكترونية، وهذا من شأنه ان يفرض ضغوطا على الأنظمة الرقابية وأنظمة المدفوعات والتسويات الدولية وكذلك على مقدرة السلطات النقدية على احتواء الصدمات الاقتصادية والمالية داخل حدودها الجغرافية والحيلولة دون امتدادها عبر الحدود.

وكما برهنت الأحداث الماضية والحالية، فإن النظام الدولي بكل ما يحمل من خصائص سيؤدي على الأرجح إلى زيادة دور آلية السوق وبالتالي فرض اعتبارات وتأثيرات السوق على الأحداث والتطورات الاقتصادية والمالية بصورة اكبر من تأثير الحكومات. وفي هذه الأحوال فمن المتوقع زيادة درجة انتقال التأثيرات المالية عبر الحدود.

وفي ظل هذه المعطيات والمتغيرات وما يصاحبها من حالة عدم اليقين، يتطلب الأمر من الحكومات ومؤسسات رجال الأعمال والبنوك الخليجية تركيز الأنظار والمساعي على جهودها فاسحة المجال أمام المبادرات الجماعية المشتركة التي تقوم على أساس المزايا النسبية.

لذلك، فإن ميزة أخرى تبرزها التطورات الاقتصادية المستجدة لأهمية المشروعات المشتركة وهي اعتبار صيغة هذه المشروعات الأكثر ملاءمة لقيام تعاون خليجي دولي في مجال إقامة العديد من الصناعات المتقدمة التي تبرز الحاجة لها في الوقت الحاضر.

ولتوفير المزيد من المستلزمات والقنوات الداعمة لإنجاح المشاريع المشتركة، من المهم العمل على إنشاء مشروعات مشتركة تساهم بها الحكومات ومواطنوها من اجل طمأنة أصحاب الأموال على أموالهم من ناحية ومن أجل إتاحة فرص استثمارية جيدة لجذب الاستثمارات إليها.

كما تبرز أهمية تطوير وتفعيل الأسواق المالية، ويكون ذلك بتطوير القوانين التي تحكم المؤسسات العامة في الأسواق المالية وتوفير المعلومات المالية والإحصائية اللازمة لعملها مع الأخذ بعين الاعتبار ضرورة تقارب القوانين والإجراءات وانسجامها في جميع دول التعاون، وربط الأسواق المالية بشبكات المعلومات العالمية من اجل تعريف المستثمرين بحركة الأسهم المتداولة وأسعارها وتوزيعها.

ومن المهم تطوير دور المؤسسات التمويلية الخليجية في سياسات الائتمان من اجل تحقيق نوع من التناسق والانسجام بين شروط وأغراض هذه المؤسسات ويتطلب ذلك تطوير أنظمة هذه المؤسسات بما يجيز لها المساهمة في تمويل المشروعات المشتركة عن طريق الاستثمار المباشر. كما يجب تسهيل الإجراءات الإدارية، من حيث إجراءات الترخيص والتسجيل ومحاولة تركيز هذه الإجراءات في جهة رسمية واحدة.

كاتب وباحث بحريني