في عدد كبير من مراكز البحوث النقدية بدول الخليج العربية يدور حالياً مناقشات واسعة النطاق حول أهمية ارتباط عملات الخليج الوطنية بالدولار الأميركي، ومدى أثر ذلك اقتصادياً على الدولة من ناحية، وعلى المواطنين الخليجيين من ناحية أخرى.
وقد بدأت هذه المناقشات تتوسع أكثر منذ مايو الماضي عندما أعلنت الكويت خروج الدينار الكويتي عن الربط بالدولار الأميركي واستبداله بسلة من العملات الرئيسية من بينها الدولار الأميركي، وما إذا كانت هذه الخطوة في صالح الكويت وصالح المواطنين هناك؟
بداية، فإن جميع عملات دول الخليج العربية ارتبطت بالدولار الأميركي منذ عام 2002 في ضوء القرار الذي صدر من المجلس الأعلى للتعاون لدول الخليج العربية بتوحيد ربط عملاتها الوطنية تمهيداً لإنشاء العملة الخليجية الموحدة عام 2010 وهو الموعد السابق الموافقة عليه من كافة الدول الأعضاء بالمجلس، غير أن قرار الكويت كان مفاجئاً للجميع
ويبدو أن السلطات النقدية هناك رأت إصداره لمنع الخسائر التي ترتبت على استمرار ربط الدينار الكويتي بالدولار الأميركي مع انخفاض الدولار، ولأن هذا القرار لن يسبب أية خسائر أو مضايقات للدول الخليجية الأخرى الأعضاء بالمجلس، وهو ما ذكرته بعض المصادر الرسمية بالكويت.
وبعد صدور قرار الكويت لفك الارتباط مع الدولار الأميركي نشرت بعض أجهزة الإعلام بالخليج ما يفيد تأييدها لهذه الخطوة، كما عارضته بعض الأجهزة الإعلامية الأخرى، وفي نفس الوقت أكد بعض الخبراء الاقتصاديين بالكويت أن القرار الذي اتخذه بنك الكويت بفك ارتباط الدينار الكويتي بالدولار الأميركي والعودة إلى ربطه بسلة من العملات الرئيسية (لم تعلن محتواها)،
هذا القرار سيؤدي إلى خفض معدل التضخم في البلاد وإلى استقرار العملة المحلية بينما رأى آخرون أن فك هذا الارتباط سيؤثر على إنشاء العملة الخليجية الموحدة في موعدها المقرر، وهو الذي يتطلب تحليلا سليما من مراكز البحوث الخليجية لتقييم هذه الخطوة وتحديد مدى ارتباطها في المستقبل بإنشاء العملة الخليجية الموحدة.
ولقد أصبحنا منذ ذلك الوقت أمام آراء متعارضة، فرأي يؤيده الكويتيون الذين أصدروا هذا القرار بأن فك ارتباط الدينار بالدولار كان ايجابياً في كل جوانبه حيث أدى إلى ارتفاع سعر الدينار الكويتي مقابل الدولار الأميركي إلى أعلى مستوياته منذ عام 1988 بعد أن وصل سعره إلى 28090. 0 مقابل الدولار
وهو ما يمكن أن يساهم في خفض معدل التضخم الذي كان يتزايد مع انخفاض سعر صرف الدولار إلى أدناه مقابل اليورو والذي تسدد الكويت به قيمة ما يزيد على ثلث وارداتها (وصل سعر صرف اليورو في أواخر سبتمبر الماضي إلى 42. 1 دولار).
أما الرأي الآخر فهو ضد فك الارتباط الذي تم بالكويت في 20 مايو الماضي وتتمثل وجهة نظر المعارضين في أن هذه الخطوة قد تؤثر على إنشاء العملة الخليجية الموحدة في موعدها وخاصة أنه لم يتم الاتفاق بعد على عملة الربط لها
وهل ستكون الدولار الأميركي أم سلة من العملات الرئيسية؟ كما أن هذا الفك لن يؤثر على خفض أو رفع معدل التضخم إلا بقدر محدود، أما احتوائه فيرجع إلى السياسات الاقتصادية لكل دولة على حدة مثلما صرح به محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي في أوائل سبتمبر الماضي.
ووسط هذه الضجة الكبيرة حول سعر الصرف وعملة الارتباط يتساءل كثير من المواطنين عن مدى أهمية ربط العملات الوطنية بالدولار الأميركي وهل ذلك يعد مطلوباً لكل عملة وطنية؟ ولعل الإجابة عن هذا السؤال تقودنا إلى عرض تاريخي عن كيفية تحديد العملات الوطنية منذ انتهاء نظام قاعدة الذهب التي كان يتم بموجبها تبادل الذهب كقيمة للسلع والخدمات
حيث كان هو النقود المقبولة لدى المواطنين في كل دول العالم، كما كانت قيمته تقدر في ضوء أهمية السلع والخدمات التي يتم تداولها بين المواطنين داخل كل دولة وبين المواطنين في دول مختلفة. وفي بداية هذا العرض من المهم أن نوضح أن سعر الصرف هو نسبة التبادل بين الوحدة النقدية المحلية والوحدة النقدية الأجنبية فهو قيمة العملة المحلية مقومة بالعملات الأجنبية،
ولقد كانت طريقة تحديد سعر الصرف تختلف طبقاً للأنظمة النقدية السائدة في القرن الماضي، ففي ظل قاعدة الذهب كان سعر الصرف يتحدد على أساس ما تحتويه كل عملة من الذهب الخالص، وتتذبذب هذه الأسعار في حدود ضيقة جداً ارتفاعاً أو هبوطاً،
وهذه الحدود تمثل نفقات نقل الذهب من والى الخارج، وكان الحد الأعلى لارتفاع سعر الصرف يسمى (حد تصدير الذهب) أما الحد الأدنى لانخفاض سعر الصرف فكان يسمى (حد استيراد الذهب). أما تحديد سعر الصرف في ظل نظام قاعدة العملات الورقية فإنه كان يتوقف على عرض الصرف الأجنبي
وطلبه في السوق المحلي ويحكمه في ذلك القواعد العامة الخاصة بالعرض والطلب حيث يميل جدول الطلب إلى التغير في اتجاه عكسي مع السعر على حين يميل جدول العرض إلى التغيير في اتجاه طردي معه، وبمعنى آخر فإن الكمية المطلوبة من النقد الأجنبي كانت تتزايد بانخفاض السعر وتتناقص بارتفاعه، ويتحدد سعر الصرف عند المستوى الذي تتوازن عنده الكميات المطلوبة مع الكميات المعروضة مثل أي سلعة.
واهتم النظام النقدي العالمي الحالي بنظام تحديد سعر الصرف باعتباره يشكل أهم بند في تخطيط السياسة النقدية للدول المختلفة، حيث كانت اتفاقية صندوق النقد الدولي تهدف إلى قيام الأعضاء بالعمل على تحقيق الاستقرار في أسعار الصرف والمحافظة على نظم الصرف السليمة التي تساعد على وضع نظام متعدد الأطراف للموضوعات الخاصة بالمعاملات العادية التي تتم بين الدول الأعضاء.
وقبل تعديل اتفاقية الصندوق في عام 1978 كانت كل دولة تقوم بتحديد سعر تعادل لعملتها المحلية، بالاتفاق مع الصندوق، على أساس الذهب كمقياس عام، أو على أساس الدولار بوزنه وعياره في أول يوليو 1944.
وبذلك فإن نظام أسعار الصرف ـ الذي تم وضع أساسه في اتفاقية صندوق النقد الدولي - هو مزيج من نظام أسعار الصرف الثابتة وأسعار الصرف المتغيرة حيث يقوم على أساس ثبات أسعار الصرف غير أنه يسمح في نفس الوقت بتعديلها في حالات معينة.
وفي أعقاب أزمة النظام النقدي العالمي التي ظهرت في عام 1971 اتخذ مجلس المديرين التنفيذيين للصندوق بتاريخ 18 ديسمبر عام 1971 بعض القرارات المتعلقة بقواعد سعر الصرف تضمنت إمكان الدولة
في تحديد سعر صرف لعملتها يختلف عن سعر التعادل المعلن لها أطلق عليه ( سعر مركزي ) ويمكن أن يتذبذب صعودا أو هبوطا في حدود 25. 2 بالمئة من سعر التعادل أي بحدود إجمالية قدرها 5. 4 بالمئة من سعر التعادل فيما بين عملة الدولة المحلية وعملة دول أخرى.
غير أن كثيرا من الدول الأعضاء لم تستطع مقاومة المشاكل النقدية التي واجهتها نتيجة العجز في ميزان مدفوعاتها حينئذ، وأعلنت تعويم عملاتها وتركها تتقلب في ضوء العرض والطلب بعيدا عن قواعد النظام النقدي العالمي،
وعلى ذلك كاد هذا النظام أن ينهار، لولا اضطرار الولايات المتحدة في 19 ديسمبر عام 1971 تخفيض قيمة عملتها بنحو 9. 7 بالمئة أي رفع قيمة الذهب بالنسبة للدولار بنسبة 57. 8% (ارتفعت الأوقية حينئذ من الذهب الصافي من 35 دولارا إلى 38 دولارا).
وترتب على هذا التخفيض انقسام دول العالم من ناحية تحديد سعر الصرف لعملاتها إلى ما يلي:
أ- دول أبقت على ثبات قيمة عملاتها بالدولار دون تغيير، وهي الدول التي رأت أنها لن تتأثر نتيجة لأزمة الدولار وكان من بينها دول عربية عديدة كالكويت وليبيا والمغرب والسعودية وتونس ومصر.
ب- دول قامت بتعديل قيمة عملاتها في ضوء الظروف النقدية المستحدثة وهي الدول التي تأثرت بأزمة الدولار الأميركي وليس من بينها دول عربية حيث كان أغلبها دول افريقية .
ج- دول أنشأت لعملاتها قيمة مستحدثة أطلقت عليها (سعر مركزي) وهي الدول التي وضعت قيمة حقيقة جديدة لعملتها بصرف النظر عن قيمتها السابقة وأصبح سعر الصرف يتغير حسب العرض والطلب، وكان من بينها الأردن ودول أجنبية عديدة.
كما كان هناك دول لم تعلن موقفها بالتحديد، ودول أخرى لم تكن تطبق سعر التعادل لعملاتها وإنما كانت تضع سعر الصرف الواقعي يتفق مع توصيات صندوق النقد الدولي، وقد قامت أغلب هذه الدول بتخفيض قيمة عملاتها نتيجة تخفيض قيمة الدولار الأميركي عام 1971. وفي 30 ابريل عام 1976 صدر التعديل الجديد لاتفاقية صندوق النقد الدولي وحدد قواعد سعر الصرف التي يحق للأعضاء اتباعها، وهي لا تخرج عن ما يلي:
ـ حفاظ العضو على قيمة عملته محددة بوحدات حقوق السحب الخاصة.
ـ ترتيبات تعاونية في ظلها يبقى الأعضاء قيمة محددة لعملاتهم بالمقارنة بقيمة عملة أو عملات رئيسية.
ـ أية ترتيبات صرف أخرى يختارها العضو لصالحه.
من هنا يتبين أهمية تحديد سعر صرف العملة الوطنية على أسس سليمة وبقواعد محددة تجنب الدولة اعتصار اقتصادها القومي لصالح اقتصاديات دول أخرى أو العكس، أما مركز ميزان المدفوعات والفائض والعجز فيه فهو المرآة التي تساعد على إقرار رفع قيمة العملة أو خفضها لكي تتمشى مع الوضع الصحيح للاقتصاد المحلي.
مستشار وكاتب اقتصادي مصري