عُرض صباح أمس في قاعة «سيني ستار» المخصصة لمهرجان الشرق الأوسط السينمائي في أبوظبي؛ الفيلم السعودي الروائي الأول الطويل «ظلال الصمت» للمخرج السعودي عبدالله المحيسن الحائز على عدة جوائز في مهرجانات عربية وعالمية، والذي يعتبر رائد السينما السعودية وصاحب أول فيلم سعودي في السينما «اغتيال مدينة» الذي يصور الحرب الأهلية اللبنانية.
وفيلم «ظلال الصمت» الذي قدمه المحيسن صباح أمس لجمهور المهرجان بطولة نخبة من نجوم الفن العربي ومنهم: غسان مسعود، وفرح بسيسو، ومنى واصف، ومحمد المنصور.. وتم تصوير مشاهده في مدينة «تدمر» السورية، ويناقش الفيلم أزمة الفرد العربي وعجزه أمام تراكمات ماضيه ووطأة حاضرة ورعبه من المستقبل المجهول، الذي يبدو أنه لا يملك أملاً أو حلماً أو وعداً يقدمه. ويعود المحيسن إلى ساحة الفن السابع بعد انقطاع دام حوالي 13 عاماً، بعد مسيرة حافلة بالإنجازات على مستوى الفيلم الوثائقي - على وجه الخصوص- ويقول عن هذه العودة من خلال فيلم روائي: بالنسبة لي أعتبر السينما وسيلة تعبير، أقدم من خلالها وجهة نظري في العديد من القضايا، أما التصنيف من خلال النوع السينمائي - بمعنى روائي أو وثائقي- فلا يهمني كثيراً ما دام يقدم وجهة النظر هذه.
وبالنسبة لفيلم «ظلال الصمت» فهو يحاول الإشارة إلى أهمية التغيير في حياتنا من الداخل، لمواجهة العنف والتدمير الذاتي، وهو محاولة لتشخيص وقراءة قضايا الإنسان العربي المحيطة به، وهو أيضاً رؤية فكرية ونص مفتوح لقراءات متعددة.وأعتقد أن دور الفن السابع في خدمة القضايا الإنسانية أكبر من أن يحصر في مجال المتعة البصرية، وعوامل الدهشة التي تصنعها الشاشة».
اليهود والسينما
وحول مشروع فيلمه المقبل قال المحيسن: منذ أن كنت طالباً في «مدرسة الفيلم» في لندن، كنت أحلم بإنجاز فيلم عن مدينة القدس، لما تمثله لنا كعرب ومسلمين، فهي ليست مدينة عادية أو مجرد بناء جامد، وأود الإشارة إلى خطورة وأهمية الصورة والفن السينمائي بالنسبة للشعوب المتحضرة أو الساعية للتحضر، فحين كنت أدرس السينما في لندن مطلع سبعينات القرن الفائت، وجدت أن 60% من زملاء دراستي (طلبة مدرسة الفيلم في لندن) هم من اليهود.
وهذا يعكس اهتمامهم بالسينما وضرورة استخدامها كوسيلة قوية للتعبير عن القضايا والآراء، فاتجهت إلى الاشتغال على إنجاز أفلام، هدفها الرئيسي إظهار معاناة الإنسان العربي والمسلم دون الدخول في أيديولوجيا تحد من الاتجاه الفني، بل بتقديم الواقع العربي والمسلم كما هو».
والمشاهد لفيلم (ظلال الصمت)، يدرك منذ لحظاته الأولى كلفته الإنتاجية العالية، حيث استخدم المخرج تقنيات عالية في التصوير والمونتاج وجميع العناصر الأخرى من موسيقى وإضاءة ومواقع تصوير، وهو من إنتاج الشركة العالمية للدعاية والإعلان -التي أسسها المحيسن عام 1975.
ويقول المحيسن جواباً على سؤال ما إذا كان فيلمه يدخل في منافسة مع أفلام تجارية سعودية: عندما شرعت بإنتاج الفيلم لم يدر في ذهني منافسة أحد، وكان جل ما يهمني هو أن يقع فيلمي في مسار الإبداع الذي حددته لأعمالي منذ البداية ومن دون النظر لأمور أخرى، بدليل أن اللغة التي استخدمتها في الفيلم ـ العربية الفصحى ـ غير موجهة لشريحة معينة من المجتمع العربي كالمجتمع السعودي.
بل إلى جميع شعوب الأرض عبر ترجمته إلى الإنجليزية وإلى جميع أبناء المنطقة العربية.وأعتقد أن الإنسان العربي ما زال يملك ذائقة فنية تجعله يختار ما يشاهد بوعي.. وفي رأيي أن السينما السعودية هي حلم وقضية في آن معاً، فهي حلم شخصي بالنسبة إليه منذ دراسته في لندن.
حكاية غرائبية
يقوم الفيلم على بناء رواية غرائبية لم تعتدها السينما العربية فيما سبق، وهي أقرب ما تكون إلى بناء درامي سوريالي تضيع في ملامح حبكته أسماء الشخصيات والأمكنة، بأسلوب رمزي يبتعد عن المباشرة في الطرح، ويمكن أن تجري أحداثه في أي مكان في العالم، حيث يعرض الفيلم صورة نظام متسلط يعمد إلى استخدام وتطرق وآليات جديدة لإحكام سيطرته على الناس، لشعوره بقصور الطرق القديمة.
حيث تبني خلية تابعة لهذا النظام «معهدا» في قلب الصحراء، ظاهره للعلاج، وفي حقيقته السرية يقوم بغسل أدمغة الكفاءات والخبرات الموجودة في ذلك المجتمع، لتدميرها والسيطرة عليها، وهي فكرة جريئة من حيث الطرح السياسي والفلسفي للصورة في السينما العربية، وتنطلق الأحداث من مشهد مصوّر لمداهمة لبعض الأحياء الشعبية من قبل الخلية التابعة لذلك المعهد (السري).
فيتم استدراج الكاتب الروائي «بديع مراد» للنزول بالمعهد لتخليصه من توتر أصابه إثر نشره رواية جديدة دُفِع إلى تحويرها على نحو لم يكن يرضاه، وللتأهل لاستقبال منصب محتمل في وزارة الثقافة، نتعرّف في الأثناء، على وقائع هذا الاستدراج، وعلى الشخصيات الفاعلة في مسار الأحداث.
وينطلق الفعل انطلاقته الحاسمة من تفتيش أهوج لمنزل (بديع مراد) بحثاً عن رسالة تركها لزوجته سميرة يعلمها فيها بأنه ذهب إلى المعهد للإقامة فيه، تعود سميرة إلى رشدها، فتندم على أنها لم تكن حازمة في منع زوجها من الوقوع في ما وقع فيه، وتشرع في التحرك للوصول إليه وتخليصه.
فتظهر شخوص الفيلم الأخرى التي تتقاطع مع هذا الحدث لتصل إلى الذروة، ليصل إلى نقطة الهجوم على (المعهد)، وترك المخرج بذكاء نهاية الفيلم - كقصة - مفتوحة بتطاير الغبار بعد اقتحام المعهد، في رسالة واضحة للمشاهد ببقاء هذا الخطر المحدق بمصيره.
بطاقة فنية
ولد عبد الله عبد الرحمن المحيسن في مكة المكرمة، وتلقى تعليمه الأساسي في المملكة العربية السعودية، وأتم دراسة المرحلة الثانوية في لبنان.ثم التحق بكلية Gloucester College of Arts & Design في بريطانيا، وواصل دراساته في London School of Filmوحصل على دبلوم عال في الإخراج السينمائي خلال الفترة من 1971- 1975.
بدأ رحلته العملية عام 1975 اثر عودته من بريطانيا، كان أول أفلامه هو «تطور مدينة الرياض» عام 1976، وبعد عام أنجز فيلم «اغتيال مدينة» عن الحرب الأهلية اللبنانية حصل عنه على جائزة «نفرتيتي» من مهرجان القاهرة. وأنجز خلال حياته الفنية حوالي 200 فيلم بين الروائي والوثائقي والتسجيلي، واعتبر النقاد في مهرجان «كان» فيلمه «ظلال الصمت» نواة حقيقية لسينما سعودية واعدة.
برنامج الختام
تختتم مساء اليوم فعاليات وأنشطة مهرجان الشرق الأوسط السينمائي، حيث تعرض أفلام منوعة: من سينما بوليوود: «المهرج» و«المتشرد» إنتاج هندي، باقة من أفلام مخرجات من فلسطين، الفيلم الأميركي «في وادي إيلاه»، كما يتم مساء اليوم توزيع الجوائز على الأفلام الفائزة.
سكر بنات
عرض مساء أمس الفيلم اللبناني «سكر بنات» (كاراميل) للمخرجة نادين لبكي، الذي يعتبر أول فيلم عربي يقتحم شركات التوزيع السينمائية العالمية بعد عرضه في فرنسا، حيث تم شراء حقوق توزيع من قبل 26 دولة أجنبية، والفيلم جريء بكل المقاييس، من حيث الموضوع والصورة والطرح، اعتمدت فيه لبكي على الحوار الواقعي الذي لم تعتد عليه السينما العربية بين بطلات الفيلم «الخمس» في أحد صالونات التجميل.
أبو ظبي ـ محمد الأنصاري

