بدأت تركمانستان، الدولة الآسيوية الوسطى في الظهور كبؤرة محورية للصراع بين القوى العظمى، وهي روسيا والصين، والولايات المتحدة، المتكالبة على احتياطياتها الواسعة من الطاقة.
فمنذ رحيل رئيسها السابق، الذي عزل البلاد عن محيطها، وعن العالم الخارجي، بدأت تركمانستان، تفتح أبوابها مشرعة، مطلقة سباقاً محموماً بين رجالات النفط الروس والغربيين، فقد توافد رؤساء تنفيذيون من شيفرون ورويال دتش ش، وتوتال وبي بي، وذراعها الروسية TNK-BP إلى العاصمة «عشق آباد» للالتقاء بالرئيس الجديد، الذي مد يديه إلى الغرب، بطريقة لم يسبقه إليه أحد،
وما لبث أن انضم إليهم لفيف من المسؤولين الأميركيين الكبار، الساعين لإحياء خطة بناء خط للأنابيب يمر عبر بحر قزوين لشحن الغاز التركماني غرباً مروراً بروسيا، ويرخي قبضة موسكو على ثروات آسيا الوسطى من الطاقة.
ويأتي التزاحم وسط تكالب عالمي على موارد جديدة للطاقة، حيث أن معظم احتياطيات الطاقة العالمية المؤكدة تقع في الشرق الأوسط. ومعظمها يقع خارج متناول المستثمرين الأجانب، وتسعى أوروبا لتنويع مواردها من الغاز الطبيعي، لتقليص اعتمادها على روسيا، التي أظهرت رغبة في لجم مواردها، للحصول على مكاسب سياسية.
وتشير التوقعات إلى أن السباق على فتح مكامن الهدروكروبانات التركمانية، التي يعتقد أن تركمانستان تمتلك واحدة من أغزر مخازن الغاز الطبيعي في العالم، تفوز به حتى الآن كل من روسيا والصين.
ففي شهر مايو الماضي، كان الرئيس فلاديمير بوتين، أول زعيم عالمي يزور كازاخستان، وفي تطور لافت من جانب موسكو، اتفق الطرفان على بناء شبكة جديدة من خطوط الأنانبيب حول بحر قزوين، وشمالاً باتجاه موسكو، إضافة إلى تحديث البنية التحتية التي تعود إلى العصر السوفييتي في آسيا الوسطى.
وهذا من شأنه زيادة صادرات الغاز التركماني إلى روسيا، إلى 90 مليار متر مكعب، سنوياً، من 50 مليار متر مكعب سنوياً حالياً، بحسب مسؤولين روس، وجاءت الصفقة بمثابة صفقة إلى الاتحاد الأوروبي، الذي طالما حاول جاهداً تحرير تركمانستان من قبضة موسكو، وقد سرت مخاوف في بروكسل، من أن الصفقة قد تعصف بجدوى مشروع خط أنابيب نوبوكو، لجلب الغاز من آسيا الوسطى، وإيران وتركيا إلى أوروبا الشرقية.
ولكن رغم ذلك، فقد أصيبت موسكو بنكسات، ففي شهر يوليو قام الرئيس التركماني بزيارة إلى بكين وصادق على خطة لبناء خط للأنابيب من تركمانستان يصدر 30 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً إلى الصين. كما وقع صفقة تاريخية، تسمح لشركة تشاينا ناشونال بتروليوم، للتنقيب عن الغاز في واحد من أهم حقول تركمانستان الواعدة، وهو «باجتيارلايك» وتأمل بكين أن يصب الغاز من هناك خط الأنابيب الجديدة.
لقد نزلت الصفقة نزول الصاعقة على أو آي أو جاز بروم (OAo) التي تعتمد اعتماداً كبيراً على واردات الغاز التركماني، لتعويض الإنخفاض الحاد في حقولها الكبرى في سيبيريا، والتأكد من وفائها بالتزاماتها التصديرية طويلة الأمد إلى أوروبا،
وبالرغم من الزحف الروسي الصيني فإن أوروبا والولايات المتحدة، لم تفقدا الأمل في اقتطاع حصة من غاز تركمانستان. وتعويلاً على قول الرئيس التركمانستاني بيرديموك محمدوف، إن بلاده لديها مصلحة طويلة الأمد في تنويع طرق صادراتها.
فإن المسؤولين الأميركيين، جاؤوا إلى عشق آباد، للبحث في فكرة خط الأنابيب العابر لبحر قزوين. وكانت الولايات المتحدة، منحت في وقت سابق من الشهر الماضي منحة إلى أذربيجان بمبلغ 7,1 مليار دولار لإجراء دراسة جدوى لبناء خط لأنابيب النفط والغاز عبر قزوين.
ويعتقد معظم المراقبين أن الخطة الغربية لا تجد فرصة للنجاح، ضد جاز بروم والصينين ويقول البروفيسور «جوناثان ستيرن» مدير أبحاث الغاز في معهد أكسفورد لدراسات الطاقة» إن خط أنابيب ترانس ـ قزوين بحاجة لثلاثة أشياء، الغاز والسوق والتمويل».
مضيفاً أنه في الوقت الراهن لا يملك شيئاً من تلك الأشياء. ويتساءل بعض المحللين عما إذا كان الرئيس التركماني، أعطى وعوداً كثيرة لأطراف عديدة، وفي هذا الشأن، قال كريسنوف فان آجت الخبير في وكالة الطاقة العالمية في باريس،
إن تركمانستان بحاجة لخمسة مليارات دولار من الاستثمارات سنوياً للسنوات ال25 المقبلة، لرفع الإنتاج إلى 130 مليار متر مكعب بحلول 2016، وهي الكمية التي تحتاجها للوفاء بجميع التزاماتها التصديرية.
(وكالات)