استهلاك يتضاءل، وتجارة خارجية تتآكل تلك هي الحالة التي رسمتها الصحف الفرنسية والمحللون الاقتصاديون مؤخرا عن ملامح الاقتصاد الفرنسي والذي مازال يبعث بإشارات مثيرة للقلق، فأكثر التوقعات تشير إلى احتمالات أن يحقق الاقتصاد الفرنسي نموا تراوح نسبته 2% هذا العام، مع تحسن طفيف للأداء مقارنة بنسبة النمو التي تحققت في العام الماضي والتي كانت قد بلغت 6. 1 %.

والسؤال الذي يطرح ذاته هو «ما الذي يمكن أن تفعله حكومة نيكولاس ساركوزي عن سابقاتها لتحسين أوضاع الاقتصاد الفرنسي، فالقدرة الشرائية للفرنسيين انخفضت بنسبة 1% في ديسمبر الماضي بعد أن شهدت ارتفاعا بنسبة 7. 0% في نوفمبر، طبقا لبيانات وأرقام مركز «إينسي»، فيما حقق معدل نمو الاستهلاك في العام الماضي نسبة متواضعة بلغت 4. 1%.

وتذهب الصحف الفرنسية للتدليل على تردي أداء الاقتصاد الفرنسي من خلال مقارنته بأداء الاقتصاد الألماني حيث تعد ألمانيا الشريك التجاري الأكبر لفرنسا ويقول هانز فيرنر سِن ـ أستاذ علوم الاقتصاد والتمويل بجامعة ميونيخ، ورئيس معهد البحوث الاقتصادية في ميونيخ إن رئيس فرنسا الجديد نيكولاس ساركوزي سوف يواجه تحدياً قاسياً فيما يتصل بمحاولات إعادة العافية إلى الاقتصاد الفرنسي.

فعلى الرغم من الازدهار الذي يشهده الاقتصاد العالمي للعام الرابع على التوالي، وبمعدل نمو تاريخي غير مسبوق بلغ 5%، إلا أن الاقتصاد الفرنسي متعثر. ففي العام 2006 لم يتجاوز نمو الاقتصاد الفرنسي 2. 2%،

بينما لا نستطيع أن نتوقع معدل نمو أعلى من 1. 2% في العام 2007، و9. 1% في العام 2008، وذلك طبقاً للتوقعات الأخيرة التي توصلت إليها معاهد البحوث الاقتصادية الألمانية. وهذه النسب أدنى كثيراً من المتوسط في بلدان الاتحاد الأوروبي القديمة خلال السنوات الثلاث ذاتها حيث بلغت النسب على التعاقب7. 2%، و6. 2%، و4. 2%.

ويضيف فيرنر سِن إن فرنسا اليوم تعد من بين المتقاعسين في أوروبا، ولا تتقدم على إيطاليا والبرتغال إلى بمقدار ضئيل. حتى أن الأداء الاقتصادي الألماني أفضل من نظيره الفرنسي بمعدل نمو بلغ 7. 2% ليعود بذلك الاقتصاد الألماني إلى متوسط الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في العام 2006، ومن المتوقع أن يشهد نمواً يبلغ 4. 2% خلال العامين 2007 و2008،

وهذا المعدل يعد أسرع بكثير من معدل النمو في فرنسا. الحقيقة أن هذا النمو الضئيل الذي تشهده فرنسا أمر مدهش وعجيب. فحتى وقت قريب، كان اقتصادها طيب إلى درجة كبيرة، حيث تفوق في الأداء على العديد من بلدان الاتحاد الأوروبي.

فبينما شهدت ألمانيا نمواً بلغ 14% فقط خلال السنوات العشر من العام 1995 إلى العام 2005، واحتلت ثاني أدنى مرتبة بعد إيطاليا فيما يتصل بالنمو، وشهدت فرنسا في الفترة ذاتها نمواً بلغ 6. 23%، وهو ما يقرب من المتوسط في دول الاتحاد الأوروبي القديمة الذي بلغ 3. 24%.

وفي العام 2001 تجاوز نصيب الفرد في إجمالي الدخل الوطني في فرنسا نظيره في ألمانيا، وما زال يفوقه بنسبة 4% حتى آخر إحصاء. إلا أن الأرقام الأخيرة الخاصة بالنمو تؤكد العكس في الوقت الحالي.

وكانت البيانات الخاصة بتشغيل العمالة في فرنسا مثيرة للانزعاج. ففي العام 2006 بلغ معدل البطالة في فرنسا 4. 9%، وهو معدل أعلى بنقطة مئوية كاملة عن نظيره في ألمانيا. ومن المتوقع أن ينحدر معدل البطالة في فرنسا إلى 2. 8% في العام 2008، بينما من المتوقع أن تهبط معدلات البطالة في ألمانيا في عام 2008 إلى 3. 6%.

والأمر ذاته ينطبق على الدين العام فقد نجحت ألمانيا في حل مشكلة الدين لديها، ولم تعد مضطرة إلى مخالفة معاهدة الاستقرار والنمو التابعة للاتحاد الأوروبي، وبات من المتوقع أن تتبنى ميزانية تتسم بقدر أكبر من التوازن في عام 2008، مقارنة بفرنسا حيث تشير التوقعات إلي حدوث عجز مقداره 6. 2% في الناتج المحلي الإجمالي لفرنسا خلال العام الحالي، ثم عجز مقداره 3. 2% خلال العام المقبل 2008.

وإذا ما تراجع الازدهار الذي يشهده الاقتصاد العالمي، فسوف تضطر فرنسا من جديد إلى مخالفة معاهدة الاستقرار والنمو، كما فعلت خلال الأعوام 2002، و2003، و2004. ويقول فيرنر سِن إن هناك العديد من الأسباب التي تقف وراء الاختلاف ما بين الأداء الفرنسي ونظيره الألماني خلال فترة الازدهار التي يشهدها الاقتصاد العالمي اليوم؟

وقد يكون من بين التفسيرات المحتملة اختلاف تخصصات كل من البلدين. فبينما تخصصت فرنسا في السلع الاستهلاكية مثل الأغذية والمنتجات الصيدلانية، نجد أن ألمانيا أصبحت من بين كبار الرواد في مجال السلع الاستثمارية.

ونظراً لاستناد الازدهار الذي يشهده الاقتصاد العالمي اليوم إلى الطلب على الاستثمار وليس إلى الطلب على الاستهلاك، فقد تمكنت ألمانيا من الاستفادة بشكل كامل من هذا الازدهار. فألمانيا تعتبر المتجر الذي يشترى منه العالم معداته وآلاته، حيث تحتوي على 450 شركة من كبار الشركات المنتجة للمعدات المتخصصة على مستوى العالم، علاوة على 500 شركة أخرى في أعلى ثلاث فئات.

ويعقد في ألمانيا خمسة عشر من أكبر عشرين معرضاً تجارياً على مستوى العالم (قياساً إلى مساحة العرض الداخلية)، كما تتصدر ألمانيا قائمة الدول المصدرة للسلع المصنعة على مستوى العالم. لا عجب إذاً أن ينطلق الاقتصاد الألماني بسرعة في ظل تزايد الطلب العالمي على السلع الرأسمالية.

ومما لا شك فيه أن ألمانيا تواجه نصيبها من المشاكل. ذلك أن البلاد تشهد تحولاً تدريجياً إلى سوق صناعية تعيد توزيع صناعاتها على الدول الشيوعية سابقاً، حيث الأجور المتدنية. ولهذا السبب عجز الازدهار الذي شهده العام 2006 عن توفير فرص عمل إضافية في القطاع الصناعي في ألمانيا؛

وإلا فلماذا لا تزال ألمانيا تحتل المرتبة الأولى كصاحبة أعلى نسبة بطالة بين العمال من ذوي المهارة المتدنية في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية؛ ولماذا عجزت حتى الآن من إعادة إجمالي معدلات التوظيف بدوام كامل إلى سابق مستوياته التي بلغها في العام 2000.

متابعة: كفاية أولير