مارلا أولمستيد طفلة موهوبة فوق العادة وبشكل غير طبيعي، فقد بدأت الرسم وهي في السنة الثانية من عمرها، وأصبحت لوحاتها تباع أول الأمر في المقهى الذي يمتلكه والدها في مدينة نيويورك وهي في الثالثة، حيث بيعت إحدى لوحاتها بمبلغ 250 دولاراً، ولم تكد تبلغ الرابعة من العمر حتى تجاوزت مبيعات الأعمال التي ترسمها إلى 400 ألف دولار.
ولدت مارلا في منطقة بنغهامتون في مدينة نيويورك في العام 2000 وبدأت الرسم وهي في الثانية من العمر، ومازالت مستمرة في الرسم على طريقتها الخاصّة بعد أن بلغت السابعة من العمر حالياً، مستخدمة الأكليريك والكانفاس والفراشي وأنابيب الأصباغ والمقشطة وحتى يدها العارية أحياناً. هذه المعجزة الصغيرة هي موضوع الفيلم الوثائقي الجديد للمخرج التجريبي الأميركي الشاب أمير بارليف، وهو فيلمه الثاني بعد فيلم (المقاتل) الذي صنعه في العام 2001 عن عجوز جيكي يغادر بلده إلى الغرب ويضعه موظفو الحدود أمام تحد مفاده إنه عجوز جداً وسوف لن يصمد هناك، وسيعود حتى قبل أن يهترئ حذائه، ومن خلال فيلمين فقط ندرك إن بارليف يتمتع بموهبة كبيرة في التقاط موضوعاته الاستثنائية ومعالجاته المختلفة لتلك الموضوعات.
لدرجة إنه أقنع شركة سوني بيكتشر كلاسيك العملاقة بإنتاج فيلمه الأخير إذ تقول عنه، إن أمير بارليف يحاول أن يختط نهجاً واقعياً جديداً على صعيد الفيلم الوثائقي، يمزج بين الموضوعة المثيرة والمعالجة المبتكرة التي تعتمد اللقطات القصيرة الصادمة ولكن المعبأة بالتفاصيل والمعلومات أيضاً. ونظراً لكون مارلا طفلة صغيرة، لا يمكن القول إنها متأثرة بفنان ما من الفنانين، لكن جميع من يرى أعمالها يدرك إنها تشبه إلى حد ما أعمال الفنان كاندينسكي أو ربما الفنان بولاك، وفي بعض لوحاتها تقترب من أعمال بيكاسو في مراحله الأولى، لقد اختلفت آراء النقاد في تقييم أعمال مارلا، فمنهم من أعتقد أنها إيحاءات طفولية مجردة من المعنى، ومنهم من قال إنها مليئة بالمعاني والمكونات الجمالية، لكن في جميع الأحوال فإن رسوماتها تشبه رسومات فنان تجاوز الخمسين من العمر على الرغم من إنها تقترب من رسومات الأطفال بشكل أو بآخر.
الفيلم يعتمد جميع هذه الحقائق والتداخلات محاولاً الإجابة في النهاية عن سؤال كبير مفاده ما هو الفن؟ وقد أجرت محطة سي بي أس التلفزيونية ريبورتاجاً صحفياً عن مارلا في عيد ميلادها الخامس، حاولت بواسطته إثارة مثل هذا السؤال، وركزت على إمكانيات والدها والمواهب التي يتمتع بها، لكنها اكتشفت في النهاية إنه مجرد هاوي رسم ومعارض فنية، ولا يمكن لمارلا اكتساب موهبتها المثيرة للجدل منه.
الفيلم على أية حال يسلط ضوءاً على التغييرات الكبيرة التي سببتها موهبة مارلا على عائلتها، وتداخل المصالح بين والدها الحريص على أن تسلك ابنته الموهوبة الطريق السليم والمتأني في عالم الفن بعد إكمال دراستها، ومدير أعمالها أو بائع لوحاتها الذي يتعامل معها كما لو كانت دجاجة تبيض ذهباً. يقول مخرج الفيلم أمير بارليف، عندما ذهبت للأسرة وأخبرتهم بأنني أريد أن أصنع فيلماً وثائقياً عن أبنتهما المعجزة سألاني سؤالاً بسيطاً لم يريد الجميع أن يصنعوا فيلماً وثائقياً عنها؟
ذلك لأن وسائل الإعلام والصحفيين والفضوليين أيضاً قلبوا حياتهم البسيطة رأساً على عقب منذ اكتشاف موهبة ابنتهم، وعلى الرغم من أن سؤالهم البسيط لم يفاجئني، يقول بارليف، إلا إنني فكرت في سري، ماذا لو جاء أحدهم وقال لي أريد أن أصنع فيلماً وثائقياً عنك! إنها عملية تنطوي على كشف بعض الأسرار نوعاً ما، لذا فكرّت أول الأمر مع لاورا ومارك (والدي مارلا) قائلاً، ماذا لو تخيلناها وقد بلغت العشرين من العمر؟
عندها ستكون بحاجة ماسة إلى فيلم وثائقي يقول لها الحقيقة وكيف سبقت موهبتها عمرها، وفكرّت ربما الأمر لا يتعدى بعض اللحظات العابرة عن مارلا، وبناء على اقتراح لاورا ومارك بأن أنفذ الفيلم ليس كصحفي بل كصديق، فقد حرصت على بناء صداقة حقيقية مع جميع أفراد العائلة، لعبنا سوية، وخرجنا معاً، وكسبت ثقة مارلا التي صارت تلعب معي طوال الوقت تاركاً الكاميرا تلتقط ما تلتقطه بتؤد وبعيداً عن الطفلة التي استمرأت اللعبة وصارت تخادع الكاميرا أحياناً، لكنني أنجزت الفيلم في النهاية، آملاً أن أكون قد أجبت على السؤال الكبير والمحيّر، ما هو الفن؟
وبالنسبة لهؤلاء الذين شاهدوا الفيلم وتفحصوا موهبة مارلا عن كثب، فقد زادهم بارليف حيرة في الحقيقة، وأدركوا إنه لم يجب على السؤال الكبير على الإطلاق، بل إنه يثيره بقوة في وجه من يشاهد الفيلم، الذي اعتمد فيه لغة بسيطة للغاية زادته تصرفات مارلا الطفولية والعفوية أمام الكاميرا والمونتاج الذكي والمحترف المزيد من الواقعية، وحين سأل أحدهم بارليف قائلاً، لقد شاهدت الفيلم يا رجل، ومازلت لم أجد جواباً عن سؤال ما هو الفن؟ أجابه قائلاً، لا أعرف في الحقيقة إذا عرفت أنت الجواب يوماً ما فأرجو أن تخبرني.
محمد حيّاوي ـ أمستردام


