أثار عرض فيلم «سلاطة بلدي» للمخرجة المصرية نادية كامل ـ ضمن مسابقة الأفلام الطويلة في مهرجان الشرق الأوسط السينمائي في أبوظبي ـ ضجة وأحاديث متشعبة داخل قاعة العرض مساء أمس الأول، حيث اعترضت مجموعة ممن شاهدوا الفيلم على أسلوب المخرجة في تصوير العلاقات الاجتماعية التي بنت عليها رؤيتها وخصوصاً تلك المتعلقة بإسرائيل، ووصل النقاش والحديث إلى حد اتهام المخرجة ـ من قبل البعض ـ بأنها تروّج من خلال الفيلم «للتطبيع مع إسرائيل» وأن توقيت إنجاز الفيلم وعرضه يثبت هذا الأمر.
من جانبها، ردت المخرجة نادية كامل بهدوء وأخلاقية عالية وموضوعية على بعض التهجمات، حيث أشارت إلى أن فيلم «سلاطة بلدي» هو صورة واقعية لقصة إنسانية عائلية بحتة تحاول لفت الانتباه إلى حالة باتت تشكل ظاهرة في الزمن الراهن، وتهيمن على أذهان الناس في العالم أجمع دون استثناء، وهي ظاهرة «اللاتسامح» والإقصاء والكراهية تجاه الآخر، من كل الأطراف؛ شرقاً وغرباً. وأشارت نادية كامل ـ التي تنتسب لعائلة مصرية لها تاريخها الطويل في النضال السياسي، فوالدها هو الكاتب والمناضل سعد كامل المؤسس الأول لقصور الثقافة وأحد أعمدة اليسار العربي لأكثر من نصف قرن ـ إلى أن تصوير بعض المشاهد في إسرائيل عن رحلة عائلتها في التعرف على جذور بعض أقارب والدتها ـ ذات الأصول الإيطالية ـ التي ظلت تقاطعهم طيلة نصف قرن من الزمن كموقف مساند لقضية الشعب الفلسطيني؛ كل هذا لا يلغي الحالة الإنسانية والبعد الإنساني لموضوع الفيلم، ولم يكن الهدف من تصوير الفيلم «الدعاية والترويج» للسلام أو التطبيع مع إسرائيل أو غير ذلك.
«البيان» حاورت المخرجة حول محاور الفيلم، وتقول نادية كامل عن الرسالة من ورائه: «يصعب علي ورغم التداخل السياسي في الفيلم أن أتغاضى عن تقديم الحالة الإنسانية بصورتها البحتة وبعيداً عن أي اعتبارات أخرى، وحين بدأت إنجاز الفيلم والتحضير له لم يدر بخاطري أنه سيصل إلى «إسرائيل» في رحلة البحث عن جذور والدتي وعائلتها المشتتة في أنحاء الأرض، وقد تحاشيت أثناء حديثي مع شخصيات الفيلم؛ التطرق للأوضاع الحالية، وكنت أحاول الدخول إلى ماضيهم لاستعادة موقف مركّب جداً، وكان الكلام عن الواقع عبر استرجاع صور تاريخ هؤلاء الناس فتركت الكاميرا تعمل بتلقائية ودون ترتيب مسبق».
المسكوت عنه
وترفض المخرجة المصرية اتهام فيلم «سلاطة بلدي» بأنه يسير وفق مخطط «التطبيع» مع إسرائيل وأنها ضد التطبيع بمعناه الحقيقي «لا الزائف»، وتضيف: «أنا أعلم بأن تأويل الأمور على غير حقيقتها هو التيار السائد في العالم العربي، وكنت أعلم أن المناقشة ستتخذ هذا الطابع.
وتخرج قصة الفيلم وتحمل الأمور أكثر مما تحتمل، ولكني أنجزت هذا الفيلم ـ الذي أعتقد أنه كسر تابو من «التابوات» المحرم الحديث عنها في المنطقة العربية ـ ليس لغرض ترويجي لفئة ما أو الحديث عنها أو معها؛ بل للحديث بيننا وبين أنفسنا لا مع الآخر، وهو يطرح في عمقه قضية مسكوتا عنها لأكثر من ستين سنة.
فهذا «المسكوت عنه» تحول مع الزمن إلى خراج يمكن أن ينفجر في أي لحظة، وصار مجرد الحديث عنه وعن الرؤية تجاه «إسرائيل» والعلاقات الشائكة التي تربط شعوب المنطقة محرماً إلى أقصى الحدود».
وحول توقعها لرد فعل الجمهور العربي في حال تم عرض الفيلم بصورة جماهيرية ـ أي عن طريق المحطات الفضائية أو غيرها ـ تقول نادية كامل: «أعلم أن موضوع «إسرائيل» بحد ذاته موضوع حساس ويثير الكثير من اللغط، وسيكثر الضجيج الذي يعلو في أحيان كثيرة على صوت المنطق، لكنني كإنسانة عربية قبل كل شيء أود تبيان موقفي بعيداً عن تلك التأويلات؛ فأنا قلباً وقالباً مع قضية الشعب الفلسطيني، ولم أك يوماً غير ذلك، ولكنني تناولت في الفيلم صورة إنسانية لعلاقات الناس والشعوب والأعراق ببعضها بتصويري لقصة «والدتي» وأسرتها.
وكيف غاب التسامح الإنساني والديني عن مفاهيم المنطقة والعالم بأسره بسبب السياسات والحروب، وأردت تصوير «حكاية مصر» التي احتضنت الأعراق والأجناس المختلفة دون تمييز أيام كان التسامح يتخذ من الإنسانية مفهوماً وحيداً للعلاقة مع الآخر».
من هنا بدأت الحكاية
تبدأ أحداث الفيلم مع توجه الطفل «نبيل» ووالدته «دينا» شقيقة المخرجة «نادية كامل» والمتزوجة من نجل السياسي الفلسطيني «نبيل شعث»؛ توجههما إلى صلاة العيد في القاهرة، وسماع هذا الطفل لخطبة رجل الدين وسط الحشود المليونية التي جاءت للصلاة، وهو يحثهم للدفاع عن المقدسات الإسلامية بوجه الهجمة والمؤامرة الشرسة من أعداء الأمة، وهنا يبدأ الطفل «نبيل» بالتساؤل عن الأديان والأعراق.
حيث تصور عائلة المخرجة إحدى العائلات المنتشرة في مصر؛ التي تختلط فيها الأعراق والأديان التي عاشت مع وبين جنبات الأرض المصرية، حيث أن والدتها التي تظهر قصة الفيلم فيما بعد ذات أصول إيطالية قدمت عائلتها لمصر منذ قرنين من الزمن، ورغم إسلامها بعد زواجها من سعد كامل؛ إلا أن ذلك لا يلغي جذورها الإيطالية، فوالدها يهودي من مواليد القاهرة وأمها كاثوليكية من أصول إيطالية أيضاً.
وتم ترحيل عائلة «ماري ـ والدة المخرجة» بعد ثورة عبد الناصر 1952م، حيث واجهوا وابنهم ظروفاً صعبة بعدم اعتراف السلطات الإيطالية آنذاك باستحقاقهم للجنسية الإيطالية، والتشعب الآخر في القصة هو هجرة أبناء عم «ماري» التي تم سجنها عدة مرات لنشاطها السياسي اليساري؛ هجرة هؤلاء الأقارب إلى إسرائيل.
وهنا تبدأ رحلة «ماري» والمخرجة والعائلة للبحث عن هؤلاء الأقارب المنتشرين في أنحاء مختلفة من المعمورة، فترحل الكاميرا إلى إيطاليا، ومن ثم تتخذ العائلة القرار الصعب بالسفر إلى إسرائيل ولقاء عائلة «ماري» في تل أبيب، حيث يستعيد الجميع الذكريات عن مصر والحياة هناك قبل نكبة «48» وتنقل الصورة بعضاً من مشاهد التعقيد في الحياة هناك، وكانت نقطة البداية هي تساؤل الطفل «نبيل» عن جذور عائلته وعن الأديان.
لقد استطاعت نادية كامل ـ التي عملت كمساعدة مخرج مع يوسف شاهين ويسري نصر الله لعشر سنوات ـ إنجاز فيلم تسجيلي بمواصفات متكاملة، وبعيداً عن حساسية المشاهد العربي تجاه كل ما يتعلق بإسرائيل ـ سواء كانت هذه الحساسية حقيقية أو غير ذلك ـ فإن حكاية الفيلم الواقعية تتجاوز حلم «غابريل ماركيز» في واقعيته السحرية لو أراد إنجاز رواية بتفاصيل متشعبة وغرائبية.
ووفقت نادية كامل بتحقيق فيلم تسجيلي بمقاييس عالمية ـ رغم بساطة الصورة والتكنيك ـ وحكاية الفيلم والصورة هي بالفعل «سلاطة بلدي» بمعناها الفلسفي، حيث الأعراق والأديان والأجناس المختلفة التي كانت منصهرة يوماً ما، وتم تشتيتها لمصلحة «سادة الحرب» و«أرباب الشركات الكبرى» تحت حجج مختلفة.
أبوظبي ـ محمد الأنصاري

