اعتبر محللون إن الوفد الاقتصادي رفيع المستوى الذي يرافق وزير الاقتصاد الألماني ميكائيل غلوز في جولته بآسيا الوسطى، التي بدأت أمس وتشمل كازاخستان وأذربيجان، بمثابة اعتراف ألماني صريح بضرورة البحث عن المزيد من الفرص الاستثمارية في قطاع الطاقة بهذه المنطقة الغنية بالنفط والغاز.

وتأتي الزيارة الألمانية لكازاخستان في الوقت الذي تسعى فيه حكومة كازاخستان برئاسة الرئيس نور سلطان نزارباييف إلى تنويع أسواق تصدير النفط والغاز الذي تنتجه الجمهورية التي كانت تابعة للاتحاد السوفييتي سابقا.

وفي هذا السياق تقوم كازاخستان حاليا بالمشاركة في مشروع لمد خط أنابيب لنقل الغاز والنفط إلى الصين حتى لا يظل اعتماد الجمهورية الإسلامية في آسيا الصغرى قصرا على روسيا كسوق لتصدير إنتاجها من النفط والغاز. وفي الوقت نفسه فإن الطفرة التي تشهدها أسعار النفط العالمية تجعل من كازاخستان ومعها أذربيجان هدفا للتنافس الشديد بين الصين وروسيا والولايات المتحدة من أجل الحصول على نصيب الأسد من كعكة مصادر الطاقة في تلك البلاد.

والمؤكد أن ألمانيا ومن خلفها الاتحاد الأوروبي لها مصالح استراتيجية في تعميق التعاون في مجال الطاقة مع كازاخستان وأذربيجان وغيرهما من جمهوريات آسيا الوسطى بهدف تقليل اعتمادها على ما تستورده من الغاز الروسي.

ولن تركز الجولة التي تستمر أربعة أيام على قضية الاستثمار والتعاون في مجال الطاقة فقط وإنما ستشمل أيضاً محاولة فتح أسواق تلك الدول أمام شركات التشييد والهندسة الألمانية للحصول على نصيبها من مشروعات البنية الأساسية الضخمة في البلدين مع تدفق أموال النفط إليهما.

وبفضل الطفرة المالية أصبحت كازاخستان مستوردا مهما لكل من السلع

الرأسمالية والاستهلاكية على السواء. وكان اقتصاد كازاخستان قد سجل نموا بمعدل 11% سنويا خلال النصف الأول من العام الحالي وفقا لتقديرات معهد بي إف إيه آي الألماني للدراسات الاقتصادية.

ويضم الوفد المرافق للوزير الألماني 80 عضوا بينهم مسؤولون كبار في شركة آر دبليو العملاقة للطاقة والمرافق وتايسنكروب للصناعات الهندسية المعدنية ومصرف دويتشة بنك أكبر بنوك ألمانيا ومجموعة الصناعات العسكرية والفضائية الأوروبية »إيدس« وسيمنس للصناعات الهندسية وباسف للكيماويات.

وتنفذ حكومة نزار باييف حاليا مشروعا لتطوير العاصمة أستانة التي كانت مجرد قرية صغيرة لتصبح »أعظم مدن العالم« بحلول 2030 وقد تكلفت حتى الآن حوالي 10 مليارات دولار. وتشيد الدول الغربية بالإصلاحات الاقتصادية التي تقوم بها حكومة نزار باييف التي تتطلع إلى الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية.

ولا يختلف الأمر بالنسبة للوفد الألماني في أذربيجان عنه في كازاخستان حيث تعد أذربيجان حاليا من الدول الكبرى في مجال إنتاج وتصدير النفط. ونجحت أذربيجان في مد خط أنابيب لنقل النفط الأذري إلى موانئ التصدير على البحر المتوسط ليشق طريقه إلى أسواق أوروبا عبر أراضي جورجيا وتركيا. وسجل اقتصاد أذربيجان نموا سنويا بمعدل 30% تقريبا العام الماضي بفضل زيادة صادراته بنسبة 70% من حيث القيمة. ولكن الخبراء يحذرون من فشل أذربيجان في السيطرة على معدل التضخم المرتفع.

وتعد ألمانيا من الدول الفقيرة بمصادر الطاقة، إذ لا يوجد لديها ثروات نفطية أو ثروات غاز طبيعي. مقابل ذلك فهي في مقدمة الدول المستهلكة لها كونها تملك ثالث أقوى اقتصاد في العالم. كما أنها تملك صناعات ثقيلة وكيميائية تستهلك المحروقات بكثافة، وهذا ما يدفعها للبحث الدائم عن بدائل تضمن إمدادات سوقها من مصادرها دون توقف.

ومن هنا جاءت فكرة عقد مؤتمر وطني خاص بقطاع الطاقة، إذ عقدت دورته الأولى مؤخراً. وقد تم خلاله الإعلان عن تخصيص 70 مليار يورو للاستثمار في هذا القطاع. ويستورد الاقتصاد الألماني معظم احتياجاته من النفط والغاز من روسيا وبحر الشمال حاليا. وقد تحول إلى هاتين المنطقتين بقوة خلال العقود الثلاثة الماضية على ضوء عدم الاستقرار في الشرق الأوسط. غير أنه عاد مؤخرا للاستيراد منها بشكل أكبر بموجب عقود وقعتها شركات ألمانية مع دول عربية مثل قطر وليبيا والجزائر.

ارتباط ألمانيا الشديد بمصادر الطاقة الخارجية التقليدية الناضبة يدفعها للخوف من ندرتها والبحث عن بدائل محلية. وهذه البدائل تتمثل حاليا في مصادر الطاقات المتجددة التي يتم إنتاجها بالاعتماد على الشمس والرياح والمنتجات العضوية. وعلى الرغم من ارتفاع تكاليف إنتاجها مقارنة بمشتقات النفط والغاز، فإن الحكومات الألمانية تشجع هذا الإنتاج من خلال برامج دعم مالي وقروض ميسرة تصل قيمتها إلى عدة مليارات يورو سنويا.

وما يدفعها إلى ذلك ليس فقط الضرورات الاقتصادية، وإنما ضغط حزب الخضر وجماعات البيئة التي تطالب بمزيد من هذا التشجيع. وبفضل ذلك نما دور هذه الطاقات في السوق، إذ توفر حاليا نحو 11% من التيار الكهربائي في السوق الألمانية. وتعد ألمانيا في الوقت الحاضر في مقدمة الدول التي تملك أفضل التقنيات في مجال الاعتماد على طاقات الشمس والرياح. ومن شأن ذلك أن يجعلها إحدى الدول الرئيسية المصدرة لها في عالم يتجه بشكل متزايد نحو هذه الطاقات.