حافظ سوق الذهب في ديره على جاذبيته في أعين التجار بمختلف مشاربهم وأوزانهم سواء أكانوا تجار جملة أو تجزئة، رغم اتجاه الكثير منهم إلى فتح محلات لبيع المجوهرات الذهبية في المراكز التجارية الآخذ أعدادها في التزايد المطرد، عملا بإستراتيجية أعمال تهدف إلى اقتفاء أثر المستهلك حيثما وأينما وجد.

واكتسب السوق بذلك ــ بحسب رأي معاذ بركات الرئيس الإقليمي لمجلس الذهب العالمي للشرق الأوسط وتركيا وباكستان في حديثه لـ »البيان« ــ وضعية فريدة ومتميزة، بدخوله ضمن الرموز التراثية التي تعبر عن حالة التعايش السلس والمتناغم بين الأصالة والحداثة. بل وصار عنوانا بارزا لسلسلة مترابطة ومتداخلة من القيم المضافة التي تحصنه من تضعضع مكانته في أعين تجار الذهب، فهو يمثل مقصدا للسائحين والزوار الذين يعدون أحد المصادر الرئيسية المغذية للطلب على المعدن الأصفر في إمارة دبي، وفي الوقت ذاته، يجسد السوق أحد المزارات التاريخية التي تفوح منها عبق الماضي بذكرياته ورموزه وشخوصه. وعزز هذا التمازج بين القيمتين التجارية والتراثية من قدرة السوق على البقاء كساحة مفضلة لتجار الذهب، وهو الأمر الذي جعل سعر الأرض في هذه المنطقة الأعلى على مستوى إمارة دبي، بل وصار استئجار محل في هذا السوق مسألة تنطوي على صعوبات بالغة، إن لم تكن مسألة مستحيلة.

وقاد نزوح العديد من التجار إلى السلاسل التجارية إلى إثارة أقوال تتساءل حول ما إذا كانت صناعة الذهب في دبي ستهجر أسواقها التقليدية لكي تحصل لها على موطئ قدم في السلاسل التجارية المنتشرة في ربوع مدينة دبي، وتساءلت كذلك، عما إذا كانت ساحات تجارة الذهب في مدينة دبي بصدد التعدد والتنوع، بعدما كانت تتمركز بشكل أساسي في سوق الذهب في ديره، وما إذا كان هذا التعدد يصب لصالح ازدهار قطاع الذهب الذي يمثل أحد الروافد المهمة للنمو والانتعاش الاقتصادي في إمارة دبي.

التمازج بين الحاضر والماضي

فعلي مدار عقود عديدة، سطر سوق الذهب في ديره قصة دبي مع المعدن الأصفر، ويمثل هذا التاريخ جزءا من تاريخ المدينة الذي صارت له شخوصه وأماكنه ورموزه، ولعل الصورة التي لا تغيب مطلقا عن عقل الزائر لسوق الذهب في ديره، هي مشاهد التمازج بين التاريخ والحاضر سويا، إذ تتراص محلات الذهب جنبا إلى جنب على جانبي طرق ضيقة،في شكل يعيد إلى الأذهان ما كانت عليه الأسواق في العصور الوسطي، ويحلو للمقيمين والزائرين والسائحين ارتياد هذه الأزقة ليس بغرض التسوق فحسب، وإنما أيضا لاكتساب متعة تاريخية وثقافية.

ازدهار المراكز التجارية

وتشهد المدينة ازدهارا غير مسبوق في إقامة المراكز التجارية، بحيث أضحت أشبه ما تكون بالسوق الكبير، وبحيث صارت تستحق عن جدارة لقب »سوق العالم »، بالنظر إلى احتضانها حوالي 50 مركزا للتسوق على أحدث المواصفات العالمية، إلى جانب العديد من الأسواق التقليدية، وتستقطب هذه المراكز لفيفا متنوعا من المتسوقين والذين يقصدونها من مختلف بقاع الأرض.

وذهب البعض إلى حد توصيف مثل هذا النمو السريع في عدد المراكز التجارية بأنه كفيل بإصابة العقول بالدوار، وهم يعتقدون بأن إمارة دبي تأخذ مشروعاتها إلى مدى بعيد، وانه ربما لا توجد مبررات تكفي لتبرير مثل هذا النمو الضخم في أعداد المراكز التجارية، ولكن كثيرين يختلفون مع وجهة النظر هذه، ويضم هذا الفريق هؤلاء الذين يستثمرون مليارات الدولارات مقابل تملك أو استئجار موطئ قدم في هذه المراكز التجارية، بناء على قناعة راسخة لديهم بأنه من المقدر أن تصبح مدينة دبي أكثر مراكز التسوق ازدحاما على وجه الأرض.

وأنه من المقدر كذلك أن تدر استثماراتهم أرباحا ضخمة، وذلك استنادا إلى التقديرات القائلة بأنه من المتوقع أن تشهد مدينة دبي بحلول عام 2009 أعلى معدل إنفاق في قطاع تجارة التجزئة على مستوى مجلس التعاون الخليجي،وسيأتي الشطر الغالب من هذا الإنفاق من السائحين الذين سيصل عددهم إلى 15 مليون سائح.

حيث يعد قطاع السياحة في منطقة الشرق الأوسط الأكثر نموا مقارنة بمناطق العالم الأخرى، بتسجيله معدلا للنمو نسبته 17% في عام 2002، و10% في عام 2003، وفي هذا المجال، تتوقع منظمة السياحة العالمية أن يصل عدد الزائرين لمنطقة الشرق الأوسط إلى 69 مليون زائر بحلول عام 2020.

وتفيد التوقعات أن مساحة المناطق المخصصة للمبيعات سترتفع بنسبة 209% لتصل إلى 4.25 ملايين متر مربع مع نهاية العقد الحالي، والتي ستتضمن عدداً من أبرز مراكز التسوق في العالم وأكثرها تطوراً.

وأشار تقرير أصدرته شركة كوليرز انترناشيونال، إحدى أبرز 3 شركات متخصصة في الاستشارات العقارية في العالم، أن دبي بحاجة لأكثر من ضعف الإنفاق السنوي للفرد في قطاع المبيعات، الذي يبلغ حالياً 3500 دولار (12.8 ألف درهم) ليصل إلى 8400 دولار (31 ألف درهم) عام 2010، وذلك لجعل مراكز التسوق المستقبلية قابلة للاستمرار، ومواكبة النمو الهائل في مساحة مناطق المبيعات المعدة للتأجير.

وقال ستيوارت جيسينغ، المدير الإقليمي لقطاع التجزئة في شركة كوليرز انترناشيونال: إنه إذا افترضنا أن مراكز التسوق الجديدة التي تم الإعلان عنها سيتم إنجازها وفقاً للجدول الزمني المحدد، وأنه لن يتم إطلاق أية مراكز تسوق جديدة، فإن مساحة مناطق المبيعات المعدة للتأجير في دبي ستبلغ 2.35 متر مربع للفرد بحلول عام 2010، بزيادة قدرها 374% عن عام 2000.

صرح جديد للذهب

كما مثل إطلاق صرح جديد للذهب يحمل اسم برج »إيه يو« مرحلة جديد في تاريخ دبي مع الذهب، باعتباره ملمحا بارزا لمستقبل هذه الصناعة في المدينة، وباعتباره الدعامة الجديدة التي ستنهض عليها هذه الصناعة، وبوصفه كذلك أحد الصروح التي ستنهض عليها المدينة بوصفها مركز لرئيسي لتجاره المعدن الأصفر في هذه البقعة الجغرافية من العالم.

ويمثل البرج فرصة فريدة من نوعها للاعبين في تجارة المعادن النفيسة والسلع على مختلف مشاربهم ومجالاتهم، حيث يجمع البرج لفيفا متنوعا من المشاركين سواء أكانوا يعملون في المعادن النفيسة أو الألماس أو الأحجار الكريمة، وهو ما يعكس أحد الأهداف الرئيسية لمركز دبي للسلع المتعددة والمتمثل في توفير بنية تحتية على أرقى المستويات والخدمات وفقا لأحدث المعايير والمقاييس العالمية لتعزيز وتقوية هذا الطيف المتنوع من الأعمال.

وقد حفزت توليفة من العوامل التي ترتبط بتكاليف التشغيل وأسعار المعدن الأصفر، بعض تجار التجزئة على اقتفاء أثر المستهلك حيثما وأينما وجد، وبالتالي، اتجه البعض منهم إلى فتح منافذ للبيع في مراكز التسوق والسلاسل التجارية، بعيدا عن الأسواق التقليدية.

وذلك على الرغم من ارتفاع أسعار الإيجارات التي تصل إلى 800 درهم للمتر الواحد. حيث يتردد بكثرة على هذه الأماكن توليفة متنوعة من المتسوقين. وهو ما جعل بعض الأقوال تتساءل حول ذا كانت صناعة الذهب في دبي ستهجر أسواقها التقليدية لكي تحصل لها على موطئ قدم في المراكز التجارية.

مقصد سياحي

ورد معاذ بركات الرئيس الإقليمي لمجلس الذهب العالمي للشرق الأوسط وتركيا وباكستان في حديثه لـ »البيان »علي هذه الأقوال قائلا: يعتبر قطاع الذهب في دبي من القطاعات الجاذبة للسائحين، حيث يعد الذهب أكثر سلعة يشتريها السائح في دبي.

كما أن دبي تعتبر مركزا لتوزيع للذهب على مناطق كثيرة في العالم من بينها مصر التي تأخذ ذهبها من دبي وكذلك الحال بالنسبة للمملكة السعودية وإيران والعراق والهند وباكستان ومن هنا ــ والكلام مازال على لسانه ــ تأسست أهمية دبي كمركز توزيع وإعادة توزيع سواء تعلق الأمر بالسبائك أو المجوهرات.

حيث تنطلق أكثرية التجار في المنطقة في مباشرتهم لأعمالهم، بل قام تجار الذهب في دبي بتوسيع شبكة منافذ البيع إلى الخارج، وعززوا علاقاتهم تجارية والاستثمارية مع التجار في الخارج، وهو الأمر الذي أضاف الكثير لثقل دبي النوعي في مجال تجارة الذهب.

وواصل حديثه قائلا: يعتبر سوق الذهب القديم في ديرة مقصدا سياحيا، وفي ذاته ساحة للمتاجرة في المعدن الأصفر، حيث يرتاد السياح هذا السوق بسبب عشقهم لتصميماته ولمحلاته القديمة، ويعتبر السوق بالنسبة لهم أشبه ما يكون بسوق خان الخليلي في مصر، ومن الصعب توافر مثل هذه الأجواء في أماكن أخرى كالمراكز التجارية، ومن ثم، سيبقى سوق الذهب في ديرة تعبيرا عن سوق تراثي جاذب للسائحين والزائرين.

ويرى معاذ بركات أنه لا توجد هجرة أو نزوح للتجار من السوق، بل هناك توسع من جانبهم بفتح منافذ للبيع في المراكز التجارية، وبالتالي، فإن أسعار المحلات في سوق الذهب آخذة في الارتفاع، وربما تبدأ خلوات الرجل من أربعة ملايين درهم فيما فوق وبالتالي، تعتبر هذه المنطقة الأغلى على مستوى دبي.

واستدرك قائلا: هناك توسع في اتجاه المراكز التجارية، وهو أمر جيد، حيث يفضل الكثير من الناس التسوق في المراكز التجارية بسبب احتضانها الكثير من محلات الذهب التي تعرض أحدث صيحات الموضة في عالم المجوهرات، كما أن هناك إقبال ضخم من جانب التجار على فتح منافذ بيع في هذه المراكز، فعلي سبيل المثال، هناك حوالي 400 محل في »مول أوف ارابيا«، كما انتهى مجمع الذهب والألماس المملوك بالكامل لشركة أعمار العقارية في دبي من المرحلتين الأولى والثانية من مشروع التوسعة التابع له، وتم تأجير هذه المحلات.

توسع وليس نزوحاً

ويكمن السبب وراء هذا الإقبال الضخم على فتح منافذ بيع في السلاسل التجارية ــ والكلام مازال له ــ في قطاع الذهب في دبي يعتبر قطاعا سياحيا من الدرجة الأولى، حيث أكثر من 90% من السياح الذين يزورون دبي بشراء الذهب، باعتباره سلعة قيمة تدر ربحا لمن يشتريها، نظرا لفروق السعر بين دبي والأسواق الخارجية كلندن مثلا.

وهذا يعني تلقائيا أن السوق سيحافظ على ازدهاره وانتعاشه طالما ظلت السياحة منتعشة، وطالما اتبع التجار حملات تسويقية مبتكرة وجريئة، إذ يقصد دبي سائحون ميسورو الحال، وعلى جانب كبير من الثراء، وبالتالي، تتميز السياحة في دبي بأنها سياحة الأغنياء، فيما يقصد مصر وتركيا نوعية من السائحين المتوسطي الحال.

وواصل معاذ بركات حديثه قائلا: سوف يبقي سوق ديره، وستتوطد مكانته مع الانتهاء من مشروع عملية نخلة ديره وتجميل الكورنيش والسوق، ولكن سيكون لبرج »إيه يو« أثرا إيجابيا بجذبه تجارا جددا، حيث تتجه الكثير من الشركات إلى دبي لكي تعمل فيها، وقام الكثير من التجار في سوق الذهب باستئجار محلات في المراكز التجارية، ولكنهم لم يقوموا بتصفية أعمالهم في سوق الذهب في ديرة، ومن ثم، ما يجري هو توسع وليس نزوحا من السوق.

(برج أيه يو).. قلب صناعة الذهب

يوفر برج (أيه يو) لبرج لأعضاء مركز دبي للسلع المتعددة دون غيرهم وبشكل حصري كافة المزايا التي تتيحها وضعية المنطقة الحرة، بما في ذلك حق التملك الكامل للأعمال، والإعفاء من الضرائب الشخصية والضرائب على الدخل لمدة 50 عاما، والتحرر الكامل من أي قيود على تعاملات الصرف الأجنبي والتمتع بالحرية الكاملة في إعادة رأسمال إلى الوطن، إلى جانب وجود »نافذه واحدة« لتخليص إجراءات التأشيرة والتراخيص وغير ذلك من الإجراءات الإدارية وشباك واحد لتخليص إجراءات التأشيرة والتراخيص، وعدم وجود أي قيود على الدخول.

وقد تم تصميم البرج بطوابقه الـ 37 قد تم تصميمه لكي يكون مقصدا لنطاق متسع من الأعمال المرتبطة بالذهب، بما في ذلك تجار السبائك الذهبية وتجار التجزئة والشركات المالية وشركات التأمين ومصممو المجوهرات.

ومن شأن تجميع مثل هذا الطيف من التنوع والمتعدد الألوان من الأعمال، أن يحقق فوائد إضافية لدعم هذه الصناعة، من زاوية تركيز الصناعة في مكان واحد، وخلق التكامل بين الحلقات المختلفة للصناعة بحيث يشكل وجود كل واحدة دعما للآخر. ويكسو البرج حوائط زجاجية ملونة باللون الذهبي، بحيث يتوهج ويسطع عندما تلامسه أشعة الشمس، وبحيث يكون أشبه ما يكون بالمنارة التي ترسل خيوطها الذهبية لتهدي الداني والقاصي إلى قلب صناعة الذهب في مدينة الذهب.

ويرفل البرج بالتسهيلات والخدمات التي تجعل من يقطنه ينعم بالرفاهية المطلقة، فقد تجهيز طابقه الأرضي بمقاه ومطاعم ومراكز للممارسة الرياضة، كما تم تصميم الأدوار بطريقة تسمح بتنقل الأفراد بيسر وسلاسة، كما أن البرج مجهز بحوالي 10 مصاعد، بحيث لا تتجاوز فترة انتظار المصعد 30 ثانية، فضلا عن تجهيزه بمصعد للحمولات الثقيلة التي تزن 3800 كيلو جرام، إلى جانب تزويده بأحدث أنظمة للصيانة والنظافة وترشيد استهلاك الطاقة الكهربائية وأجهزة تبريد الهواء.

دبي ــ مجدي عبيد: