كما هي الدراما الاجتماعية التي تنقل وتعيد صياغة ما خفي من جوانب المعاناة الإنسانية، فإنها في الحالة الفلسطينية المتفردة بحجم الألم والحلم، لا بد أن ترتبط بجانب أسطوري له امتداداته الواقعية.
على هذا يمكن لنا تصنيف مسلسل «الاجتياح» الذي كتبه رياض سيف وأخرجه شوقي الماجري، على أنه «دراما ملحمية»، تتداخل فيه أسئلة الوجود، والمشروع الوطني التحرري، وحق الحياة والحب، والشعور بالخوف. هذا العمل، وإن كان استعار بعضاً من ملامح المدرسة الواقعية الاشتراكية، لجهة الغوص الأفقي في الأحداث والشخوص، إلا أن الكاتب والمخرج على حد سواء تمكنا من التسلل البارع بين التصنيفات الفنية، وأعليا من قيمة المبادرة الفردية، أو حالة فرادة البطل، الذي ربط معظم خيوط مراحل المسلسل بشخصية «مصطفى»، العابر لحدود الاحتلال الإسرائيلي، المصاب في مجزرة مخيم جنين، والعائد إلى بحر حيفا، والشهيد بإصرار على أعتاب المنزل الأول. حدثان محوريان في العمل، الأول حكاية مصطفى، والثاني مجزرة مخيم جنين (التي وقعت في العام 2002 وطاب للرئيس الراحل ياسر عرفات تسميتها ب«جينين غراد» تيمنا بستالينغراد التي قهرت الغزو النازي الهتلري في الحرب العالمية الثانية)، وكلاهما يسيران قليلاً في خطين متوازيين، قبل أن يلتقيا في احتدام حتمي يمليه الاحتلال.
مصطفى واحد من أولئك الذين فُرضت عليهم مواجهة غير عادلة مع واحد من أقوى جيوش العالم (الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر)، فلاذوا بالجبال، هناك ينقذون فتاتين تعرضتا لحادث سير: العربية الإسرائيلية مريم واليهودية يائيل، وهذه الأخيرة تعيش مع مصطفى قصة ارتباك داخلي وتناقض نفسي وفكري، قبل أن ينتصر فيها النزوع الفطري الإنساني للانحياز إلى جانب الضحية (الفلسطيني). تؤمن يائيل بإنسانية مصطفى، ومشروعية بحثه عن حق الحياة بحرية ومعانقة ساحل حيفا، فتهب إلى مساعدته بتزويده بمعلومات عسكرية تحصل عليها من أخيها الضابط في جيش الاحتلال، ولحظة التقاء خط سير المطارد (مصطفى) مع المخيم الملاحق (مخيم جنين) تبدأ المجزرة، يصاب مصطفى ويتسلل إلى حيفا، ليعتقل ويتم إعدامه من قبل شقيق يائيل أمام بيت عائلة مصطفى الذي هجرته عام 1948، واحتلته عائلة الحبيبة يائيل، التي ترسلها محاكم الاحتلال إلى السجن بتهمة مساعدة «مخرب» فلسطيني.
إذن هكذا هي فلسطين.. حياة على مرمى رصاصة (كما ورد في ديباجة المسلسل)، مهما حاولت المؤثرات الفنية تخفيف غلواء قوتها الاختراقية.
على ما يمكن لقدسية أي قضية عادلة ان تغطي على «رتوش» لطخت قليلاً صحيفة عرضها فنياً، فإننا في السطور السابقة حاولنا تبيان مدى نجاح القائمين على العمل، في دفعه إلى منافسة حتى مسلسلات« الفانتازيا» الضرورية للأمعاء المتخمة في رمضان. ولذات السبب الاحتفالي بعمل في مثل هذا القدر من الهم، نندفع إلى قراء موضوعية ناقدة ، إن أمكن، لمجرياته.
المحتوى: واقعية قاتمة تحلق قليلاً في الحلم
أولاً: يمكن رصد النجاحات في النص والسيناريو للكاتب المبدع وليد سيف على النحو التالي:
* تصوير مأساوي واقعي يلامس حدود التوثيق.
* محاولة التحليل الأفقي للمجتمع الفلسطيني، كمجتمع طبيعي في خصائصه المشتركة مع سائر مجتمعات الشرق.
* دراسة موضوعية للمعضلة الفلسطينية المتمثلة في محاولة بلورة مسارات طبيعية لتطور المجتمع، رأسياً وأفقياً، في ظل احتلال يوغل في تحديد وجهة هذه المسارات، فضلاً عن التأثير الكبير لأفعاله الشنيعة في التركيبة السيكولوجية للفرد الفلسطيني.
* التصدي من دون مواربة لمسألة العلاقات المتداخلة (مصلحياً أو بحكم قانون الاعتياد) بين الفلسطينيين والإسرائيليين وهي الحالة المكثفة في علاقة مصطفى ويائيل.
* النجاة من الغرق في البعد السياسي للعمل الفني، وتحجيم هذا البعد- على أهميته- في جدال عابر حول الرؤى السياسية المتناقضة للفصائل الفلسطينية، بهدف خدمة الإطار الإنساني لتفاصيل المحنة، وتبيان موازين القوى التي تميل إلى غير مصلحة القضية الوطنية العادلة.
تجلى ذلك في استخلاصات أبرزها: من يتمسك بتحرير كل فلسطين أو باستعادة الأراضي المحتلة عام 1967.. جميعهم في اهداف القناص الإسرائيلي. كذلك يفرد المسلسل مساحة مهمة لحلم مصطفى بمسقط رأسه حيفا، كناية عن التمسك بحق العودة، ولاسيما ارتباط الحلم في مسألة المخيم وما يمثله الأخير من حالة اللجوء حتى داخل الوطن.
* التصدي بجرأة لتحديد الخط الفاصل بين مفهومي الإرهاب والمقاومة، إذ عرض لجوانب نفسية أساسية تدفع الفلسطيني إلى الانتحار الفدائي حين يجرده الاحتلال من إنسانيته تماما عبر جرعات ألم لا تحتملها الطبيعة البشرية، فيصبح الموت شكلاً من أشكال الخلاص الممزوج بحلم الخلود، وهو ما بدا حين كان المقاومون يودعون بعضهم البعض بـ «نلتقي في الجنة».
ثانياً: الملاحظات النقدية على نص وسيناريو المسلسل يمكن تلخيصها في التالي:
* رغم محورية حدث اجتياح مخيم جنين في العمل، إلا أن التشعب في الحياة الاجتماعية إلى الأنماط المعاشة في غالبية المناطق الفلسطينية، كان من الهامشية والاختزال ما صور جميع أفراد المجتمع قاطبة على أنهم مشتغلون حد النخاع في العمل السياسي وأطره الفصائلية والتنظيمية، وهو ما يجافي الواقع الذي يشف منظوره اليومي عن نسبة كبيرة من الفلسطينيين تلهث وراء تحسين مستوى معيشتها والدراسة والزواج وتوالد المواهب الفنية والثقافية، شأن الفلسطينيين كسائر البشر؛ منهم الشهم والنذل، المقاوم والعميل، الذكي والبليد.. الخ...
* التصوير «الملائكي» للعلاقات بين الفصائل الفلسطينية.
* جرعة الحماس الزائدة في سيناريو المسلسل، ولدت سياقاً متصلاً من الكآبة الثقيلة جداً على نفسية المشاهد، وهو ما يجري لغير وجهة رسالة العمل الفني وغايته وخاصيته المتعلقة بمتعة الفرجة، وتمييزه عن الخطاب السياسي الفجائعي.
هذا الثقل المتصاعد في حلقات المسلسل يدفع المشاهد غير المعتاد على هذا الألم والغلظة إلى البحث تلقائياً عن ال«ريموت كونترول» للهروب إلى عمل فني آخر أقل توتراً، رغم محاولات المخرج التخفيف من غلواء هذا الثقل باللجوء إلى «التون» الهادئ بعد كل«تون» حركي صاخب وحزين.
(نتذكر أن نسبة كبيرة من مشاهدي فيلم «آلام المسيح» للمخرج والممثل الشهير ميل غيبسون، اضطروا لترك مقاعد السينما قبل نهايته وبعضهم في بدايته، لما وصفه النقاد بانه احتفالية دم).
* التزام مبالغ فيه بالأحداث الحقيقة التي يتحدث عنها المسلسل، ما أوقع العمل في السرد التوثيقي وبكائياته الموجعة، من دون الاشتغال على الفضاء التخيلي والإبداعي للحدث، على خصوبته. فكان لزوماً على المخرج أن يلجأ إلى براعة الممثلين في تجسيد المأساة اعتماداً على قسمات الوجه.
الاستثناء البارز هنا، كمن في تغيير مسار شخصية مصطفى، وبطلها الحقيقي زكريا الزبيدي قائد «كتائب شهداء الأقصى»، الذي يقيم حالياً في جنين، بينما يائيل هي في الحقيقة الإسرائيلية تالي فحيمة، صديقة الزبيدي، التي أمضت ثلاث سنوات في السجن بتهمة مساعدته.
التقنية: إبهار بصري حركي يعمق الجرح
أولاً: كان لافتا في مسلسل «الاجتياح» ذلك الإبهار الحركي المتقن، الذي يشي بميزانية ضخمة رصدت لإنجازه، فهذا الإبهار والبراعة التعبيرية لدى الممثلين، وعدم إغفال حتى الحركة الجماعية ل«الكومبارس»، جعلت من الممكن ظهور نقاط مضيئة في تقنية العمل، أبرزها:
* اعتماد بنوية بصرية متكاملة، بمعنى البحث المحترف عن نقاء الصورة في ضبابيتها؛ فبالرغم من ان قتامة المحتوى تفرض مشهدا بصريا غائما بالكآبة، إلا أن الكاميرا نجحت في اصطياد أعمق انفعالات شخوص العمل، بمزاوجة الظل والنور على القسمات، فكان الوجه بؤرة المشهد التي تصبغ المكان بقوتها التعبيرية.
* بدا الممثلون كما لو كانوا الأبطال الحقيقيين للتراجيديا الفلسطينية، لشدة اندماجهم في الأدوار، ساعد في ذلك قوة النص التي اتصف بها رياض سيف، فضلا عن الخلفية الثقافية والجغرافية للممثلين، المتاخمة للمأساة الفلسطينية، وهو ما يسجل للممثلة الأردنية صبا مبارك (حنان)، والممثل السوري القدير عباس النوري (ابوجندل)، ولا نغفل كذلك الممثلة الأردنية نادرة عمران التي تفوقت فعلاً في تجسيد دور الأم الفلسطينية ونسيجها الانفعالي.
* الانتقالات الحادة بين المشاهد، والتي كانت أشبه بسينوغرافيا مسرحية مجنونة، كنتيجة طبيعية لواقع فلسطيني غير متزن ومتخم بالتناقضات وكثافة المعاناة.
* خلو المسلسل من أدوار محشوة ومشاهد دخيلة ومفتعلة، نجدها في العديد من الأعمال التلفزيونية التي تأخذ في الاعتبار الجانب التجاري.
ثانياً: في مقابل الإضاءات التقنية في «الاجتياح»، الذي اهتم مخرجه وبرع في مشاهد الحركة من معارك وتسلسل واقعي، معتمداً على فرق عسكرية احترافية ولياقة بدنية عالية لدى معظم الممثلين.
في مقابل ذلك
* اختلال التوازن أحياناً بين صوت الكلمات والضوضاء، التي غطت على بعض مجريات الحوار، ما استدعى رفع صوت التلفاز إلى درجات عالية لملاحقة الكلام وهو ما توازى مع علو مماثل لصوت الضوضاء.
- رغم اجتهاد السيناريو في توزيع نصوصه على مختلف اللهجات الفلسطينية الدارجة، إلا أن القاسم المشترك بينها جميعا، كان تسلل اللهجة الشامية (السورية) رغم محاولات الممثلين كبحها.
خلاصة
يسجل لمسلسل «الاجتياح» نجاحه المبهر في تثبيت الزمن عند حالات الإنسان المختلفة والمتوارية خلف صورة البطل صاحب القضية المقدسة، هو إنسان عادي يمشي بيننا من دون تزويق سياسي، ومن دون إغفال البطل السلبي في المجتمع سواء كان باحثا عن التأر لمقتل أخيه برصاص فلسطيني.. او المرأة النكدية. «الاجتياح» نجح في إنزال الفلسطيني من التعليب في مانشيتات الأخبار إلى إنسان يحيا، أو يحاول، حياة ثرية وخصبة .. رغم أنها دوما على مرمى رصاصة.
إضاءة
* شارك في العمل حشد من الممثلين أبرزهم: عباس النوري، وصبا مبارك، وإياد نصار، منذر رياحنة، وعبد المنعم عمايري، ونادرة عمران، ولينا حوارنة، وديمة قندلفت، وانطوانيت نجيب، ورنا جمول، ورأفت لافي.
* شارك في المسلسل ايضا، جحافل من المؤسسات السورية، حيث تم تصوير معظم مشاهد العمل، قدرت بأكثر من 29 مؤسسة بينها وزارات، ونحو خمس قرى.
* سجلت أعلى نسب مشاهدة للمسلسل في الأردن وسوريا والمناطق الفلسطينية.
* عرض المسلسل على شاشة الفضائية اللبنانية LBC ، وتخلل عرض حلقاته عدد كبير من الإعلانات، من دون ذكر للرعاية.
دبي ــ خالد أبوكريم


