توقع محللون أن تبلغ قيمة استثمارات شركات النفط العالمية في البرازيل خلال الأعوام الأربعة المقبلة نحو 25 مليار دولار. وقبل عقد مضى كانت «بتروباس» البرازيلية واسمها آنذاك «بتروساورس» مجرد عالة اقتصادية يعمل عمالها بتكاسل، والبرازيل تستورد نصف وارداتها من النفط.

أما اليوم فإن بتروباس تتباهى بامتلاكها لاحتياطيات من الخام أكثر من شيفرون، وتكاليف أقل لاستخراج النفط من أكسون موبيل، وإدراج في بورصة نيويورك بقيمة سوقية تقارب 130 مليار دولار. وهي قصة نجاح نادرة، بين شركات النفط الحكومية التي باتت تلعب دوراً مؤثراً في عالم متعطش للطاقة، فثلاثة أرباع الاحتياطيات العالمية اليوم تقع في أيدي شركات النفط الوطنية.

وفقاً لوكالة الطاقة العالمية. ويقول جيمس مولفا، رئيس مجلس إدارة كونوكوفيليس، في هذا الصدد، إن شركات النفط العالمية المساهمة انحصرت قدراتها في الوصول إلى 5% فقط من احتياطيات النفط العالمي، بالإضافة إلى 30% إضافية، مفتوحة نظرياً من خلال مشاريع مشتركة.

وإلى جانب ذلك فإن معظم الشركات الوطنية أقل فاعلية في تطوير احتياطياتها من بتروباس، واسمها الكامل بتروليو برازيليريو المساهمة المقفلة. ولقد انخفض الإنتاج في بتروليوس دي فنزويلا، بحدود الربع منذ تسلم الرئيس هوغو شافير مقاليد الحكم في عام 1999، وبدأ في استخدام عائدات الشركة لتمويل برامج اجتماعية.

في حين تحولت اندونيسيا التي تمتلك شركة الطاقة الحكومية ماضياً عشعش فيه الفساد والرشى. من دولة مستوردة بعد أن كانت من كبار المصدرين، وفي هذا السياق قال اليودرولاس كبير الخبراء الاقتصاديين في مركز جلوبال انيرجي ستاديز ومقره لندن إنه «لو كان أصدقاؤنا في أوبك مثل بتروباس لكنا أكثر سعادة ولتوفر النفط بغزارة».

وتمثل التكنولوجيا واحدا من أهم عوامل نجاح بتروباس فمنصتها العائمة p-37 التي تمتد 110 كيلومترات داخل المحيط الأطلسي، وترتفع إلى عشرة طوابق، ما هي إلا شاهد على القوة البحرية للشركة ومنذ إنشائها في خمسينات القرن الماضي، أصبحت بتروباس، قبلة للبرازيليين من ذوي الخبرات يحدوهم حماس وطني للعمل في شركة تمثل القومية البرازيلية، أما الذي تغير منذ التسعينات من القرن الماضي، فهو تركيبتها التجارية، فانطلاقاً من جعل بتروباس، أكثر انفتاحاً ومساءلة، شكلت الحكومة مجلس إدارة مستقلاً وأدرجت أسهمها في نيويورك، كما ألغت احتكار بتروباس في التنقيب عن النفط في الأراضي البرازيلية وكان لدخول الشركات الأجنبية، أثره البالغ في إطلاق ضغوط تنافسية، وإشعال ثورة إنتاجية داخل بتروباس وخلال العقد الماضي ضاعفت الشركة انتاجها، وعززت الاحتياطي بحدود 50 في المئة وتوسعت خارجياً مخترقة الحدود من الأرجنتين إلى الهند وقد أدى نجاح بتروباس، فضلاً عن المشروع الوطني لإنتاج الاثينانول من قصب السكر، لتشغيل المركبات إلى مساعدة البرازيل في تحقيق الاكتفاء الذاتي في النفط، ووصفاً لذلك النجاح، قال ريتشارد دي تايلور رئيس العمليات البرازيلية في بي بي، ان بتروباس تعلمت خلال السنوات العشر الماضية، الوقوف على قدميها كشركة نفط عالمية والاحتفاظ بقوتها وميزتها كشركة وطنية، وما ان أخذت دول أخرى منتجة للطاقة علماً بذلك حتى بادرت إلى إرسال وفود من بلدان مثل المكسيك ونيجيريا وبيرو، إلى ريو دي جانيرو لدراسة النموذج البرازيلي في الطاقة، حسبما قال «هارولدو ليما» رئيس ناشيونال بتروليوم ايجنسي البرازيلية الهيئة الرقابية، كما عكفت شركات نفطية عدة على إقامة مشاريع مشتركة مع بتروباس، يحفزها الدخول إلى مكامن البرازيل النفطية وتكنولوجيا بتروباس.

ومن هؤلاء النرويجية ستانويل أي اس أي الحكومية، التي تمتاز بفاعليتها، وتدرس ستانويل، تكنولوجيا بتروباس، في تركيب رؤوس الآبار في قيعان البحر، فيما تزود بتروباس بالخبرة على استدامة الحياة في الحقول الناضجة، ولهذه الغاية قام العاهل النرويجي الملك هارولد الخامس بزيارة ريو دي جانيرو، لصياغة الاتفاق مع البرازيل.

في غضون ذلك، راحت بتروباس توسع أنشطتها في الخارج. وهي تعمل الآن في 27 بلداً، وهو ضعف العدد الذي كانت تعمل فيه منذ عقد مغر، وأصبحت مؤخراً أول شركة نفطية تفوز بموافقة المنظمات الرقابية الأميركية لتركيب منصة عائمة في خليج المكسيك وفي حالة الطوارئ، فإن العاملين سيتمكنون من فصل الوصلات بين المنصة والبئر للسماح للمنصة بالعوم بعيداً عنه.

وقد تمكنت بتروباس من استقطاب خبرة الشباب في البلاد، سواء في مختبراتها المحلية، وفي تعاونها مع الجامعات البرازيلية. فقد وقعت خلال السنوات القليلة الماضية، شراكات عدة مع الجامعات، ومن أوجه التعاون بينها وبين الجامعات، مولت بتروباس خزاناً ضخماً للمياه في جامعة ريو دي جانير والفيدرالية، والخزان، الذي يفوق حجم ملعب التنس، وبعمق 15 متراً، يحاكي الرياح والأمواج التي تعصف بالبحر، ويساعد في تصميم منصات آمنة.

وكانت بتروباس أنشئت في عام 1953. وسط هتافات المسيرات الوطنية، التي كانت تنادي «البترول لنا» وكان الشعار نظرياً آنذاك حيث أن البرازيل كانت تنتج 700,2 برميل يومياً، وعلى العكس من شركات النفط الوطنية الأخرى. التي ولدت إما باحتياطيات غزيرة أو عن طريق تأميمها، كان هدف بتروباس كما قال رئيسها جابرييلي «البحث عن الاحتياطيات النفطية».

وبدأت بتروباس، رغم وجود أكثر من 80% من نفطها في قاع البحر، ونشر فرق لصيانتها ومع دخولها إلى عمق يتجاوز 300 متر، بنت بتروباس روبوتات، للقيام بالصيانة تحت الماء. وفي ثمانينات وأوائل تسعينات القرن الماضي، وضعت الحكومة أسعاراً مصطنعة لبنزين بتروباس وغيره من المنتجات، بهدف كبح جماح التضخم الذي عصف بالبرازيل.

وقد حرمت تلك السياسة بتروباس من الرأسمال الاستثماري، وفيما جنت شركات نفطية أخرى أرباحاً هائلة من أسعار النفط خلال حرب الخليج في عام 1991، كانت بتروباس تعاني الأمرين من بيع النفط المستورد بأسعار بخسة.

وفي عام 1999، بدأت الحكومة في السماح للمشتغلين الأجانب لتقديم عروضهم ضد بتروباس في الحقول البحرية

وفي سبيل إعداد الشركة للمنافسة، عين كاردوسوسو، الذي غادر الحكم في عام 2003، أحد رؤساء المصارف الاستثمارية رئيساً للشركة، والذي بدأ عهده بتطبيق نظام العلاوات للمديرين، وتنظيف السجلات بإقرار ملايين الدولارات على شكل معاشات تقاعدية والتزامات صحية، وفي العام التالي باعت الحكومة 16% من حصتها في بتروباس بمبلغ 4 مليارات دولار، في بورصات نيويورك وساو باولو.

وبالرغم من تداول أسهم بتروباس محلياً، فقد كان للإدراج أثره في الحوكمة، حسبما قال جابرييلي، والذي فرض التنافسية والافصاح.

وتبنت بتروباس معايير المحاسبة الأميركية وواجهت تدقيقاً من قبل محللي وول ستريت الذين لاحقوا أسهم الشركة وبموجب هيكل الشركة.

فإن الحكومة باتت تمتلك حصة تصويت أقلية، غير ان 60% من الأسهم باتت في أيدي مساهمين أجانب. كما شكلت حكومة كاردوسو، أول مجلس إدارة مستقل لبتروباس، وحتى منتقدي الرئيس دي سيلفا فإنهم يمتدحونه لتوسعته مجلس الإدارة المكون من تسعة أشخاص بأربعة من رؤساء الشركات البرازيلية التنفيذيين والعيار الثقيل ومن بينهم روجر انجيلي رئيس كومبانيا فالي دور يودوس. وهي شركة تعد من عملاقة وجورج جيردو، رئيس جروبو جيرداو، صانعة الفولاذ متعددة الجنسيات.

أثر واضح لدخول المنافسين الأجانب

كان لوصول المنافسين الأجانب، أثر سايكولوجي كبير على بتروباس، غير أن المشغلين الدوليين واجهوا صعوبة تثقيفية في التشريعات البرازيلية التي تغطي البيئة والشؤون العمالية، ومن جانب آخر فإن عدداً من الشركات العالمية، مثل رويال دتش شل والاسبانية ريبسول واي بي اف شكلت في عدد من المشاريع التنقيبية والإنتاجية، مشاريع مشتركة مع بتروباس، بدلاً من منافستها. وقد أصبحت ديفون انيرجي كورب، التي تتخذ من أوكلاهوما سيتي مقراً لها، أول شركة عالمية تستخرج البترول في البرازيل من دون بتروباس.

ومن جانبها ضاعفت بتروباس إنفاقها على الدراسات والتطوير خلال السنوات الخمس الماضية، لتصل إلى 700 مليون دولار عام 2006.

وقد طور مركز بحوث الشركة تكنولوجيات بدأ تطبيقها في الصناعة البحرية، وبدلاً من استخدام مراس فولاذية تقليدية لتثبيت منصاتها، وجدت بتروباس طريقة أكثر فعالية وتتمثل في إلغاء طوربيد طوله 5,16 متراً وزنته 90 طناً، يعلق في قاع المحيط، ويتصل بالمنصة بحبل شديد الصلابة من البوليستر.

وفي السياق ذاته فإن المنصة رقم 37 في الأطلنطي، وحدة الإنتاج العائمة المصنوعة من ناقلة محولة، يعمل فيها مدرب للعاملين، ومزودة بناد رياضي، ومسبح صغير للعاملين، وتشحن الفواكه الطازجة والمواد الغذائية إلى متنها بصورة منتظمة.

ترجمة: وائل الخطيب