«هو تجسيد صارخ لقدرة الأمل الساحقة على الانتصار وكيف يكون الوعي والحلم أساس الحقيقة المطلقة»، بهذه الكلمات يعرّف المخرج فرانسيس فورد كوبولا، الكاتب والفيلسوف والمؤرخ الروماني ميرسيا إيلياد، الذي اعتمد روايته كموضوع لفيلمه الجديد «شباب من دون شباب»، بالنسبة لي، يقول كوبولا، «الفيلم يمثل العودة إلى الطموحات السابقة والتمتع باكتشاف الأشياء والعلاقات بلهفة طالب مندهش، تلك الطموحات القديمة التي اضطرني العمل بعيداً عن السينما إلى نسيانها في الواقع».

فيلم فرانسيس فورد كوبولا الجديد، الذي قرر لسبب أو لآخر أن ينهي بواسطته ابتعاده عن السينما منذ فيلمه الكبير «صانع المطر» في العام1997، سيعرض أوّل مرّة أمام الجمهور في مهرجان روما السينمائي الدولي هذا الشهر خارج إطار المنافسة الرسمية للمهرجان لأسباب تتعلق بطبيعة المهرجان والأفلام المشاركة فيه. ويتناول الفيلم قصة حياة أستاذ جامعة روماني يهودي يضطر إلى الهروب من الزمن المحترق في المانيا النازية أثناء الحرب العالمية الثانية متنقلاً من رومانيا إلى سويسرا ومالطا والهند، بعد أن لفتت أبحاثه في علم اللغات انتباه العلماء النازيين، لكن حبيبته وطالبته المجتهدة لاورا تقرر استكمال بحوثه العلمية لصالح الألمان. الأمر الذي يضطره للاختيار بين حياته العلمية وحبه الكبير، ويقوم بتجسيد دور الفيلسوف في شبابه الممثل البريطاني تيم روث الذي لعب أدواراً مهمة في أفلام مخرج العنف الأبرز كوينتت تارانتيو: «مستودع الكلاب» و«بولب فيكش»، بينما يجسد دوره في شيخوخته الممثل برونو جانز.

البحث عن الرواية... ويعد فرانسيس فورد كوبولا صّياد روايات من الطراز الأول في الحقيقة، وهو يتمتع بحساسية عالية لمقدار الدراما الصالحة للسينما في الأدب الصرف والروايات الكبيرة وتحويلها الى السينما، وهو تحد آخر ميّز مسيرته الفذة كمخرج وأفصح عن ذائقة رفيعة في اكتشاف الأدب الجيد، بعد أن نجح في رصد الأفكار واللمحات المضيئة وتجسيدها بلغة سينمائية عالية، وبالتالي خلق عنصر الدراما من المكونات الإبداعية في الروايات التي تعامل معها، نذكر على سبيل المثال فيلمه «نهاية العالم الآن» الذي صنعه بالاستناد إلى رواية الكاتب الأميركي الكبير جوزيف كونراد، وفيلم «واحد من القلب» المستند الى رواية الكاتب أس إي هينتون «الأغراب».

وفيلم «صانع المطر» عن رواية بالأسم نفسه للكاتب الأميركي جون غريشهام، وطبعاً فيلمه الشهير«العراب» عن رواية الكاتب الشهير ماريو بوزو، وأخيراً فيلمه الجديد «شباب من دون شباب» عن رواية الكاتب ميرسيا إيلياد، وهو فيلسوف ومؤرخ وأستاذ جامعة روماني ولد في العام 1907 وتوفي في العام 1986، كان يعمل أستاذاً في جامعة شيكاغو، وله روايات أخرى حولت إلى السينما على يد مخرجين رومانيين من مثل، فيلم «ليلة بنغالية» للمخرج نيكولاس كاوتس، وفيلم «الآنسة كريستينا» للمخرج فيوريل سيرجوفيتش.

فالتر مورش، الذي أشرف على مونتاج الفيلم قال، هو شئ شخصي جداً، فقد أحب كوبولا الرواية كثيراً وكتب السيناريو وهو يتحدث عن إعجابه الكبير بالكاتب، فكانت المعالجة رائعة وحرفية، أعتقد أن الناس سيحبون الفيلم لجهة كم الصدق الذي أنطوى عليه.

سينما آل كوبولا

ومنذ فيلمه «صانع المطر» ابتعد كوبولا عن السينما وصناعة الأفلام وركن إلى الاسترخاء مكتفياً بلعب دور رجل الأعمال وصاحب الفنادق المثير للإعجاب ومتعهد الحفلات المحبوب في الأوساط الاستقراطية في مدينة لوس أنجلوس، تاركاً المهمة لابنته صوفيا كوبولا في حمل راية العائلة إلى نجاحات سينمائية متواصلة بواسطة أفلام من مثل، «انتحار العذراء 1999، وضائع في الترجمة 2003، وماري أنطوانيت 2006»، إلا إنه فجأة قرر العودة إلى السينما العام الماضي عندما خطط أوّل الأمر لصناعة فيلم عن رواية الكاتب الأميركي جاك كيرواك «على الطريق مع مذكرات دراجة نارية» التي أشترى حقوق تحويلها الى السينما منذ العام 1979.

وفاز كوبولا بخمس جوائز أوسكار في مسيرته الفنية الطويلة، الأول كان عن كتابته السيناريو لفيلم «باتن» في العام 1971، وفي العام 1975 فاز بأوسكار أفضل فيلم عن فيلمه الكبير «العراب» الذي يعد واحداً من أفضل الأفلام في تاريخ السينما العالمية على الإطلاق.

وهو مازال على قائمة معهد السينما الأميركي الخاصّة بأفضل الأفلام في التاريخ، التي يعدها نهاية كل عقد من الزمان، وهو يحتل حالياً المرتبة الثانية في القائمة بعد فيلم المخرج الأميركي الراحل أورسون ويلز «المواطن كين»، وكان فيلم «العراب» حاز أيضاً على أوسكار أفضل تصوير وأوسكار أفضل ممثل لمارلون براندو، وكان كوبولا قد ترشح من قبل لأوسكار أفضل مخرج ثلاث مرات عن أفلامه الأخرى.

الأساطين الأربعة عدا ذلك فاز كوبولا بعشرات الجوائز في المهرجانات السينمائية عن أفلامه التي بلغت حتى الآن 25 فيلماً، أوّلها كان فيلم «بعد معركة الشمس» في العام 1960، وأخرها فيلمه الجديد الذي نحن بصدده «شباب من دون شباب» في العام الحالي، بعد انقطاع دام عشرة أعوام منذ فيلمه الكبير«صانع المطر» في العام 1997، مروراً طبعاً بأفلام كانت بمثابة نقاط مضيئة في صناعة السينما العالمية، من مثل «انت ولد كبيرالآن»، و«نادي القطن»، وفيلمه الكبير«العراب» بأجزائه الثلاثة.

كان كوبولا متناقض المواقف والتصرفات بشكل أو بآخر، وقد أنعكس هذا الأمر على أفلامه أيضاً التي شهدت، كما حياته في الحقيقة، انتصار الأفراح والآمال والتطلعات، ولكن أيضاً التحطم بسبب المأساة، إلا إنه عبر ذلك كله تمكن من دفع حدود الشكل السينمائي بجرأة وحماس إلى مراحل غاية في الإبداع، سواء على صعيد القصة التي يستلها في الغالب من خلاصة الإبداع الأدبي الكبير، أو اللغة السينمائية التي كان أوّل من يعتمد المشاهد المفتوحة فيها واستخدام الكاميرات المتعددة والزوايا المتداخلة في المشهد الواحد، حتى أصبح النجاح سمة مميزة لسينماه المدهشة التي لم يتخل عن رؤيته الخاصّة لشكلها الجديد حتى وأن أخفق في بعض الأحيان في تحقيق تلك الرؤية.

ويعد كوبولا رابع أربعة مخرجين معاصرين كبار طبعوا سينما القرن الماضي ببصماتهم الواضحة وما زالوا يؤسسون لسينما القرن الجديد، وهؤلاء هم، مارتن سكورسيس، وستيفن سبيلبيرغ، وبيتر جاكسون، ورابعهم بطبيعة الحال فرانسس فورد كوبولا نفسه، وقد رأيناهم جميعاً يحتفون سوية بصاحبهم سكورسيس على منصة فندق كوداك الشهير في هوليوود عندما فاز بالأوسكار عن فيلمه «الرحيل» في حفل أكاديمية السينما الأميركية الأخير.

أمستردام ـ محمد حيّاوي