نجح أحمد محمد الرفيع بطبع بصمة له على الخارطة السياحية لدبي، محققاً بذلك حلم طفولته. بدايات الحلم بدأت تتحقق قبل عامين ونصف تقريباً، عندما استأجر هو وأخوه مبنى قديماً ومميزاً بموقعه على خور دبي من بلدية الإمارة. يعرف المكان منذ العام 1934 بـ «بيت الوكيل».

يفخر أحمد الذي نجح في تحويل المبنى القديم إلى مطعم تراثي يقصده السياح وسكان الإمارة على مدار العام بمساهمته المتواضعة لإحياء تراث دبي العريق بمشروعه الصغير الذي يصفه بأنه نقطة في بحر المشاريع السياحية التي تزخر بها دبي.

نجح أحمد بفكرة مشروعه البسيطة والفريدة، وبتمويل من برنامج «الطموح» التابع لبنك الإمارات، وبدعم من عدد من الهيئات الحكومية المحلية، بإعادة الاعتبار لـ «بيت الوكيل» كأحد المواقع السياحية المميزة على الخارطة السياحية لإمارة دبي.

استثمر أحمد «بيت الوكيل»، المبنى الأثري المرمم حديثاً وغير المستغل نسبياً على خور دبي، وحوّله إلى محطة سياحية تعبق في حناياها رائحة قرابة 74 عاماً من رطوبة الخور والتاريخ والتجار الذين توقفوا في المكان لاستئجار السفن لنقل بضائعهم من الهند إلى البصرة ذهاباً وإياباً.

حوّل أحمد المبنى إلى استراحة سياحية، وأضاف إليه رصيفاً خشبياً فوق مياه الخور، وأضفى على المكان لمسته الجمالية الخاصة، وزيّنه بمفروشات مصنوعة من خشب الخيزران العتيق وبالتحف وبقطع من «الأنتيكا» وبعدد من اللوحات الفنية وبفوانيس قديمة تلائم تاريخه، وبات زوار «البيت» يقصدون المكان بمختلف جنسياتهم كمحطة يقفون فيها على تاريخ الإمارة التجاري، وليتناولوا فيه مأكولات بحر دبي على ضفة الخور الذي لا تهدأ فيه حركة السفن والعبرات، مع حرصه على الاهتمام بتقديم خدمة الضيافة بطريقة عصرية راقية.

يقول أحمد أن توجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، بالحفاظ على تراث دبي، عززت حبه لتراث الإمارة.

ويقول أحمد ان بلدية دبي شرعت على إثر توجيهات صاحب السمو بعمليات ترميم الأماكن الأثرية والحفاظ على تراث الإمارة، ثم حذت دائرة السياحة في دبي حذوها وقامت بدورها بالترويج لهذا التراث، وكان لـ «بيت الوكيل» نصيبه من هذا الاهتمام.

ويسرد أحمد قصة مشروعه، ويقول: «بيت الوكيل مبنى قديم ومشهور في البلد. لم يتم استغلاله بعد ترميمه. كان الناس يتخوفون من استثماره لعدة أسباب. منها صعوبة الوصول إلى المكان وقدم المبنى، إضافة إلى عدم وجود مواقف قريبة منه».

لكن أحمد قرر خوض التجربة والمخاطرة فيها إلى النهاية. استأجر المكان هو وأخوه بعد تقدمهما لبرنامج «الطموح» الذي كان له دور كبير في دعم الشباب المواطن في عدد كبير من المشاريع.

قدم أحمد دراسة جدوى مشروعه للبرنامج، ونال إعجاب «الطموح» الذي اعتبره فكرة متميزة وتدعم السياحة في دبي، يقول أحمد: «كنا نحن الوحيدين الذين تقدمنا بطلب تمويل مشروع سياحي. ثم تلقينا دعماً مادياً من الطموح وصل إلى نحو 700 ألف درهم، في حين أنفقنا ما لا يقل عن 5,1 مليون درهم على نفقتنا الخاصة في المشروع».

وبعد حصول أحمد على التمويل المطلوب، بدأ بتحويل المبنى إلى معلم سياحي بحسب ما خطط له، ووفر فيه مطعماً و«كافيه» بحيث يستمتع الزوار بطبيعة هذا المكان الفريد. ثم أثمر المشروع وجاء بنتائج طيبة جداً وهو يحقق نجاحاً باهراً اليوم، نظراً لأعداد الزوار والسواح الذين يرتادونه في أوقات الظهيرة والمساء.

اختيار أحمد للمكان نبع من حبه له، على الرغم من الصعوبات التي واجهته في انطلاقة المشروع. لكنه يوضح ان إيمانه بالنجاح كان حافزه لمواجهة التحديات، عدا عن إدراكه بأن المشروع طويل الأمد ومن غير المتوقع أن يحقق النتائج المتوقعة والأرباح في عامه الأول.

لا ينس أحمد دور بلدية دبي وبرنامج الطموح ودائرة السياحة بدبي في نجاح مشروعه، ويؤكد أن الدعم الذي تلقاه جعله يشعر بأنه في أياد أمينة. مشيراً إلى انه يحاول اليوم الترويج لمشروعه من خلال نظرة سياحية تراثية شمولية يرجو ان تتم بالتعاون مع دائرة السياحة.

بدأ «بيت الوكيل» يقطف ثماره في عامه الثاني.

حيث يضم بيت الوكيل اليوم نحو 20 عاملاً وموظفاً، بين طبّاخ وموظف ضيافة ومحاسب وعمال نظافة وفنيين وعمال صيانة. ويحقق المشروع نتائج فاقت توقعات أحمد، وبنسبة نجاح تصل إلى 70%، قد تصل إلى 120% قريباً في حال تمكن من تنفيذ ما يفكر به في المستقبل.

ويقول أحمد ان نجاح مشروعه جاء نتيجة لتركيزه على عدة جوانب بحسب قوله، تتمثل في المحافظة على تاريخية المكان، والاهتمام بتقديم خدمة مميزة من خلال المحافظة على زبائن «البيت» كعائلة، وكذلك الحرص على الاهتمام بالمطبخ الذي يقدم أشهى المأكولات البحرية الخليجية ومأكولات المطبخ العربي وخاصة اللبناني، بالإضافة إلى تقديم خدمات مضافة للسائحين تتضمن حزمة كاملة «باكيج» من الخدمات، منها تنظيم رحلات بحرية ورحلات لصيد السمك وغيرها.

تعرف أحمد على «بيت الوكيل» في طفولته. وعندما استثمره في شبابه قرر المحافظة على اسمه الذي يعرفه أهل دبي جيداً. كما حافظ أحمد على تفاصيل المكان المكون من طابقين.

يعرف أحمد قصة المكان التاريخية. يقول ان شركة «جرين ماكينزي» البريطانية للبواخر التي كانت تعمل في دبي منذ العام 1916 كوكالة تجارية للبواخر على خط الملاحة بين الهند والبصرة، شيدته بعد أن قدّم لها المغفور له، بإذن الله، الشيخ سعيد آل مكتوم رحمه الله في العام 1934 قطعة الأرض لتبني عليه مقرا لها.

فأقامت الشركة مكاتبها في الطابق الأول وخصصت الطابق الثاني مسكنا لوكيل الشركة، وكان الناس يقصدون المكان لتخليص أعمالهم لدى الوكيل، ومن ذلك التاريخ عرف المبنى بـ «بيت الوكيل».

حاول أحمد تطوير أعماله، ففكر باستئجار مبنى آخر لتحويله إلى فندق أثري تراثي تكملة لمشروعه الأول، لكنه لم يوفق بالحصول على المكان، مؤكدا انه سيحاول مجدداً وبأفكار أخرى.

يقول احمد ان قصة مشروعه قد تكون قصيرة، لكن قصة المكان طويلة وجميلة كتاريخ دبي وحاضرها. ويختم حديثه بأمنية قائلاً: «أتمنى أن يشرفنا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في هذا المكان المتواضع لأنه الداعم الأكبر والملهم الأول لنجاحات الشباب.

خطوات على طريق النجاح

خطا عدد كبير من المشاريع الصغيرة التي خاض تجربتها الواعدة الإخوة والأخوات المواطنون الذين دخلوا في قطاع الأعمال خطوات كبيرة على طريق النجاح.

وتكمن أهمية المبادرات التي يطلقها أصحاب المشاريع بقناعتهم بها بالدرجة الأولى وبحماسهم لها، بما يشكل دافعاً أكبر لهم لتحقيق النجاح، بمواكبة الجهات الحكومية والخاصة التي تقدم الدعم اللازم بتوجيهات من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، التي تساعدهم في إعداد دراسات الجدوى المطلوبة.

ومن خلال تقديم التمويلات مع إمكانية سدادها على فترات طويلة وبدون فوائد، تمكن أصحاب المشاريع من الانطلاق، وعبر تدريب الشباب المواطنين وتأهيلهم من خلال الندوات وورش العمل الخاصة بإدارة المشروعات الصغيرة والمتوسطة.

برنامج الطموح تدعيم الثقة بالكوادر الشابة

يهدف برنامج «الطموح» التابع لبنك الإمارات إلى دعم وتمويل الشركات والمشروعات التجارية الصغيرة التي يؤسسها المواطنون، وذلك بدون فوائد خلال سنوات التأسيس الثلاث الأولى.

كما يهدف البرنامج إلى تدعيم الثقة في الكوادر الوطنية الناشئة، وإدخال صغار المستثمرين المواطنين في العمل الحر وتشجيعهم على المشاركة في التنمية الاقتصادية مما يعود بالفائدة على الشباب المواطنين ومن ثم دولة الإمارات كلها.

وقد أدى البرنامج بالفعل إلى نتائج مثمرة. وتمارس المشاريع الممولة من البرنامج أنشطتها في مختلف قطاعات الأعمال والصناعات. وقد توسع البرنامج ليشمل أكثر من إمارة في الدولة.

وقد شهد برنامج الطموح إطلاق مشاريع متنوعة، وهو يلقى اهتماما كبيراً من قبل المواطنين والمواطنات الراغبين بدخول قطاع العمل من خلال مشاريع صغيرة ومتوسطة يكتسبون من خلالها تجربة تتوسع من بعدها أعمالهم ويصبحون رجال وسيدات أعمال المستقبل. وأكد «بنك الإمارات» في تصريحات سابقة له أن دعمه وتضافر جهود دائرة التنمية الاقتصادية وغرفة تجارة وصناعة دبي تساعد جميعها في تقديم الدعم وإعطاء الدفع اللازم لنجاح هذه المشاريع، من خلال التسهيلات المقدمة والإعفاءات من الرسوم أو عبر الترويج لمشاريعهم.

«بيت الوكيل» أول مبنى إداري مكتبي شيد في دبي

ترجع أهمية مبنى «بيت الوكيل» تاريخيا إلى كونه أول مبنى إداري مكتبي متعدد الوظائف شيد بالإمارة، حيث يرجع تشييده إلى عام 1934 كمقر لوكيل شركة الملاحة البريطانية للهند الشرقية، هذا إلى جانب تصميمه المتوافق مع الوظيفة. ويقع المبنى مطلا على خور بر دبي من جهة ويشرف على السوق الكبير من الجهة الجنوبية، وتجاوره مجموعة من المباني التجارية من جهتيه الشرقية والغربية.

شرعت بلدية دبي في أعمال ترميم «بيت الوكيل» عام 1994. وشملت الإجراءات الترميمية أعمال تقوية أساسات المبنى بإقامة جدران محيطة مع ترميم وربط الشروخ بالجدران. كما تم استبدال الأسقف بأسلوب الإحلال حيث تم استبدال الشنادل الخشبية وتنفيذ طبقات جديدة للأسقف.

وتمت مراعاة أن تكون أعمال الإنهاء والتشطيب والأرضيات باستخدام الجص والصاروج لإكساب المبنى الطابع التقليدي. ومن حيث تأهيل المبنى فقد تم استحداث وظيفة معاصرة تعبر عن أهمية النشاط البحري في تاريخ وتراث الإمارة حيث تقرر استخدام المبنى كمتحف للغوص حيث تم إعداد الدراسات التصميمية اللازمة التي تتصل بتوزيع الفراغات والمعروضات اللازمة وكيفية استغلال المبنى ليصبح مصدر جذب للزوار.

وهدف مشروع ترميم المبنى إلى تحسين واستكمال الإطلالة البصرية للسوق التقليدي ببر دبي على الخور. هذا إلى جانب تحقيق الحفاظ على المباني التاريخية المتبقية المطلة على الخور حفاظا على الطابع التقليدي الذي يميز الخور.

وكان للمشروع أثر إيجابي على الصورة البصرية لواجهات الخور حيث ساعد على إدراج مجموعة المباني المجاورة له في خطط الترميم والتأهيل إلى جانب تطبيق خطط مرحلية لتجميل واجهات المباني المجاورة لتتلاءم مع الطابع التقليدي العام، الأمر الذي نتج عنه فوز بلدية دبي بجائزة منظمة المدن العربية للحفاظ العمراني.

ذكريات الصبا

ويذكر احمد الرفيع ان عدداً من رجال الأعمال وموظفي الحكومة والإعلاميين اختاروا «بيت الوكيل» مكاناً لإقامة حفل خاص بمناسبة لقائهم بمعلميهم السابقين وزملاء الدراسة، بعد مرور أربعين عاماً على مغادرتهم لمدرستهم في الجميرا. وتلاه لقاء آخر نظمه معالي الدكتور محمد بن خرباش، وزير الدولة لشؤون المالية والصناعة، بحضور الفريق ضاحي خلفان، القائد العام لشرطة دبي، والمهندس سلطان سعيد المنصوري، وزير تطوير القطاع الحكومي، وعدد من شخصيات المجتمع.

دبي ـ ضياء عبدالعال