«دع التردد وانطلق نحو النجاح، فلا نجاح مع التردد ولا تردد مع النجاح». هي إحدى مقولات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، التي زرعت في نفوس كثيرين من أبناء هذا الوطن بذور العزيمة والقوة والطموح والإرادة لتحقيق النجاح الذي تتطلع إليه دبي، التي تعدو في سباق مع الزمن فيما تنجزه من مشاريع ونهضة إنسانية وتنموية.
مريم حسين البلوشي، شابة طموحة من دبي، راودها حلم تأسيس مشروع خاص بها، فلم تتردد في خوض غمار هذه التجربة لتذوق طعم النجاح فأطلقت قبل نحو عامين شركة «برومو إن» للإعلان. وكأي مشروع لم تكن بداياته مفروشة بالورود. اعترضت مريم صعوبات وتحديات جمّة، لكنها إختارت أن تردد في أعماقها مقولة صاحب السمو التي زادتها تصميماً وعزيمة في تحقيق ما تصبو إليه.
ومريم اليوم مديرة تنفيذية في شركة «برومو إن»، التي أطلقتها برعاية مؤسسة محمد بن راشد لدعم مشاريع الشباب. في البداية لم تكن مريم متفرغة لمشروعها لارتباطها بوظيفة مديرة تأجير في أحد مراكز التسوق في الإمارة وبدوام كامل، ما أدى إلى فشل محاولاتها العديدة لإنعاش مشروعها، إلى أن حزمت قرارها بالاستقالة من وظيفتها والتفرغ لشركتها الوليدة.
تروي مريم اليوم بفرح قصة نجاحها مع تأكيدها على أنها لا تزال في بداية الطريق. وتقول إن فكرة مشروعها تبلورت بعد عدة مشاركات لها ببرنامج دبلوم المشاريع الصغيرة والمتوسطة وغيرها من ورش العمل التي تنظمها دائرة التنمية الاقتصادية في دبي.
اختارت مريم تأسيس شركة متخصصة بتنظيم الحملات الترويجية المؤقتة، وخاصة خلال مهرجاني دبي للتسوق وصيف دبي، وفي مختلف مراكز التسوق في جميع إمارات الدولة، في ظل ازدياد مراكز التسوق والنمو المتسارع الذي تشهده قطاعات السياحة والإعلان وتجارة التجزئة في دبي والدولة.
وذلك عبر توفير خدمات ومزايا مختلفة للشركات الراغبة في الإعلان عن نفسها بطرق مبتكرة، كتأمين مساحة إعلانية مؤقتة في مراكز التسوق، مع توفير التصميم الترويجي للموقع وبناء منصة أو «كشك» العرض وإزالتها، بالإضافة إلى تأمين موظفين يتم تدريبهم على طرق الترويج الناجحة، عدا عن التكفل باستصدار التصاريح الحكومية الخاصة التي يحتاجون إليها لإطلاق الحملة الإعلانية، مؤكدة أن أحدا لم يسبقها إلى فكرتها وإن حصل فبشكل جزئي.
تبلور الفكرة
لم تتبلور فكرة «برومو إن» من فراغ كما تقول مريم، بل كانت نتاج خبرة عملية امتدت لخمسة أعوام في إدارة قسم التأجير في «الريف مول». راكمت مريم خلالها خبرة كافية استثمرتها بعد حصولها على شهادة الدبلوم من اقتصادية دبي بإطلاق شركتها الخاصة. وشكلت الخبرة والدبلوم والرغبة بإطلاق مشروع خاص إلى جانب شهادتي البكالوريوس في نظم المعلومات الإدارية ودبلوم إدارة المراكز التجارية التي تحملهما، المنطلق الذي ساعد مريم على إدارة مشروعها والإنفاق عليه ومواجهة التحديات المختلفة التي واجهتها.
استفادت مريم من دعم مؤسسة محمد بن راشد لدعم مشاريع الشباب ومن دائرة التنمية الاقتصادية في دبي. فالمؤسسة وفّرت لها الرخصة التجارية لثلاثة أعوام ومكتبا مجهزا بالكامل، مع الاستفادة من برنامج المشتريات الحكومية وعضوية تجاري، عدا عن فتح الباب أمامها لعقد عدد من الصفقات مع القرية العالمية ومع الصكوك الوطنية وداماس وغيرها من الشركات.
أما اقتصادية دبي فقدمت لمريم دعماً من نوع آخر، تمثّل بورش العمل التدريبية والتعليمية بالإضافة إلى ترشيحها للتحدث في عدد من المنابر عن تجربتها، إلى جانب موافقتهم على إصدار «برومو إن» بروشورات خاصة بها ومساعدتها بالوصول إلى عدد من العملاء البارزين في السوق.
مرحلة التحول
وتقول مريم إن أصعب تحدي واجهها كان عدم قدرتها على التفرغ لمشروعها قبل أن تقرر الاستقالة من وظيفتها التي كانت تستنزف منها ساعات النهار والتي كانت مصدر رزقها الرئيسي. في ذلك الوقت استنزف المشروع من مريم أموالا طائلة على مدار عام في محاولات إنعاش باءت جميعها بالفشل، ولم يوفر محيطها الانتقادات ودعوتها للتخلي عن المشروع. لكن مريم العازمة على التحدي لم تتردد واختارت الخيار الأصعب. استقالت من منصب المديرة في المركز التجاري، وقررت التفرغ بالكامل لمشروعها، وكان التفرغ نقطة تحول في حياتها المهنية.
تجربة «دو»
حققت مريم العديد من الإنجازات جراء هذه الخطوة. ووقعت اتفاقية بعد فترة قصيرة مع شركة الإعلانات الخاصة بشركة الاتصالات الجديدة «دو» لإطلاق حملة ترويجية لحجز أرقام الهاتف المتحرك (055) من «دو» في مراكز التسوق، وكانت البداية في مركز «برجمان»، وما لبثت أن توسعت الحملة إلى مركز «إبن بطوطة» للتسوق، ومن ثم إلى مركز صحارى في الشارقة.
ولم يقف تعاون مريم مع «دو» عند هذا الحد، بل انتقلت إلى التعاون معهم في مشاريع أكبر، فاستأجرت شاشات التلفزة في متاجر بيع الأجهزة الإلكترونية لعرض إعلانات «دو» عليها.
وتشير مريم إلى أن تجربتها الناجحة مع «دو» ساعدتها على دخول السوق وأدت إلى زيادة الطلب على خدمات شركتها وإلى توقيع عدد من الصفقات المماثلة مع القرية العالمية والصكوك الوطنية ومع بعض الشركات العقارية، كما وقعت حديثاً عقداً مع شرطة دبي ومع عدد من الدوائر الحكومية في مختلف إمارات الدولة لتنظيم حملاتهم الترويجية في مراكز التسوق.
وهي تسعى اليوم إلى تنويع نشاطات شركتها، وتوفير خدمة شاملة لعملائها توفر عليهم التعامل مع 4 شركات في وقت واحد. وسيكون لها حضور في القرية العالمية المقبلة، كما انها بصدد توقيع عقود مع 4 مراكز تجارية مرموقة في الدولة تكون «برومو إن» بموجبها وكيلا معتمدا لتنظيم حملاتهم الترويجية.
تعدد مريم أهداف شركتها التي يصل عدد موظفيها قريبا إلى نحو 20 موظفاً، فتقول إن «برومو إن» تهدف إلى بناء الأعمال التجارية للشركات التي تهدف إلى بناء عمل تجاري للمدى الطويل وتطوير مهنها إلى أعلى المستويات، من خلال مد جسور التعاون مع كبرى الشركات والمؤسسات التي تعمل في الدولة، ومن خلال زيادة ربحية الأعمال عبر زيادة منافذ البيع لتتلاءم مع التوسع الهائل لاقتصاد الإمارات والزيادة السكانية التي تشهدها المناطق الواعدة.
تعوّل مريم على شخصيتها وخبرتها وثقتها العالية بنفسها وقدرتها على الإقناع لإنجاح عملها. وهي تتقبل عدم التعاون معها بروح رياضية، وترى أن النجاح يعتمد على شخصية الإنسان وصبره وتصميمه.
مشيرة إلى إنها تتخذ من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي قدوة لها، وانها تريد ترك بصمة واضحة لها في خدمة مجتمعها ووطنها، وأنها تتحضر للمشاركة في جوائز عالمية كأفضل سيدة أعمال في العام المقبل.
واجهت مريم في البداية مشكلة مع معظم إدارات المراكز التجارية المهمة في دبي، حيث لم يفسح لها البعض المجال أو لم يتعاون معها، ومنهم من طالبها بأسعار تأجير باهظة، وبشكل لا يجذب العملاء إلى الإعلان من خلال «برومو إن»، لكنها لم تستسلم. وهي تؤكد انها لو انسحبت من السوق اليوم لن تخرج بخسارة. لكنها لا تريد الخروج، فهي عقدت العزم على النجاح.
تؤكد مريم ان المنافسة قوية جداً في مجال عملها، لكنها استطاعت إثبات جدارتها في السوق خلال فترة قصيرة نسبياً بالتزامها وجدّيتها في العمل وسرعتها في إنجاز المهام، الأمر الذي أدى إلى زيادة الثقة بينها وبين عملائها الذين تمسكوا بها مثال «دو» كما تقول.
رسمت مريم خطط تطوير مشروعها للمستقبل، وتنوي الانتقال إلى مدينة دبي للإعلام قريبا. وتقول إنها تحتفظ بأفكار مشاريع أخرى لأنها لا تخطط إلى التركيز على تنظيم الحملات الترويجية فقط لأنها تتطلع لمنافسة كبار اللاعبين في قطاع الإعلان.
تجربة «حلوة وايد»
التحقت مريم البلوشي في برنامج «دبلوم إدارة المشاريع الصغيرة والمتوسطة» الذي تنظمه دائرة التنمية الاقتصادية في دبي في إحدى دوراته قبل نحو عام ونصف، وكانت تفكر بشكل جدي وحازم بتأسيس مشروعها الصغير. لفت نظرها يومها عنوان «كيف تبدأ مشروعك الصغير» في إحدى الصحف. فشاركت في الدبلوم الذي زادها حماسة، وتقول: «كنت أشعر بحماس كبير كلما استمعت إلى الشباب الذين سبق وأن شاركوا في البرنامج وهم يتحدثون عن مشاريعهم».
استفادت البلوشي من ورشات العمل ومن الاستماع إلى تجارب وخبرات زملائها والتعرف على المعوقات التي واجهتهم الامر الذي ساعدها بالتحضر لما يمكن أن يعترض طريق مشروعها الذي اختارته وفقاً لما تحب، وتحديداً بما يشبه وظيفتها السابقة كمديرة تأجير في أحد مراكز التسوق في الإمارة. ولم تشعر البلوشي بتعقيد في الدبلوم الذي كان مبسطا وسهلاً بنظرها، وغطى كل الجوانب التي يحتاجها أصحاب أفكار المشاريع الجديدة، كخطة المشروع والخطة التسويقية والدراسة المالية وغيرها.
اتخذت البلوشي قرار البدء بتجربتها الخاصة أثناء مرحلة «الدبلوم»، فخاضت تجربة تصفها بـ «الحلوة وايد»، وقبل انتهاء مدة الدبلوم، قدمت البلوشي دراسة جدوى لمشروعها، واستندت إلى ما اكتسبته من معرفة من خلال محاضرات الخبراء، ومن الاستماع إلى زملائها «المجرّبين»، ومن خبرتها كمديرة في مجال تأجير المحال التجارية في قطاع التجزئة. وهناك نالت فكرة مشروعها «برومو إن» للإعلانات موافقة الدكتور المشرف، الذي توقع لها النجاح «الباهر».
تشجع مريم اليوم كل الشباب الطموح على كسر حاجز الخوف من الفشل والسعي لتحقيق طموحاتهم، على الرغم من أن نجاح مشروعها لا تزال حديثة العهد. وتقول إن الإنسان الذي يعطي لنفسه فرصة محاولة إنجاز أحلامه الخاصة يستحق التقدير، وأن النجاح لا يبدأ من الخطوة الأولى، وأنه لا مبرر لليأس مع الحياة، ولا داعي للخجل من الفشل طالما ظل الإنسان يسعى جهده لتحقيق النجاح.
أول موظفة مواطنة تعمل في قسم التأجير
حصلت مريم حسين البلوشي على دبلوم في إدارة المراكز التجارية من أميركا في العام 2005، وكذلك دبلوم في إدارة المشاريع التجارية من الجامعة الأميركية في العام 2003، وبكالوريوس في نظم المعلومات الإدارية من تقنية دبي في العام 2001. وهي تحضّر لشهادة الماجستير في إدارة المشاريع.
دخلت إلى سوق العمل من خلال القطاع الخاص قبل التخرج كمبرمجة ثم تركت وظيفتها في العام 1999، لأنها قررت إكمال الدراسة وبحثت عن وظيفة في القطاع الحكومي لتتمكن من العمل في الصباح والدراسة في المساء.
وهكذا عملت كمتطوعة بدون راتب لمدة سبعة أشهر، ثم انتقلت للعمل رسميا براتب لدى مؤسسة حكومية في مجال بعيد عن تخصصها، ولم تشعر بالاستقرار الوظيفي حتى أنهت البكالوريوس، ثم تم ترشيحها للعمل في مركز برجمان ووافقت بعد أن اقتنعت بأن القطاع الخاص يوفر فرصا أكثر بالرغم من طول ساعات العمل.
وهكذا أصبحت أول موظفة مواطنة تعمل في قسم التأجير، لتصبح بعدها بعامين مديرة قسم التأجير في الريف مول، حيث تلقت منذ اليوم الأول دورات مكثفة عززت ثقتها بنفسها وأكسبتها المزيد من الخبرة ونمت مهاراتها الإدارية، وتوزعت تلك الدورات بين الداخل والخارج في مجال إدارة المراكز التجارية.
تطوعت مريم وشاركت في عدد من الجمعيات ذات النفع العام ومنها جمعية الإمارات للبيئة واستراحة الشواب وبرنامج تكاتف وبرنامج وطني، وهي عضو في مجلس سيدات أعمال دبي ومنتدى رواد الأعمال، بالإضافة إلى ان «برومو إن» عضو مجلس التسوق العالمي ومجلس مراكز التسوق في الشرق الأوسط.
وتطمح مريم أن تكون أول إماراتية تدير مركز تسوق بالكامل في الدولة. كما تسعى إلى طرح برنامج إدارة المراكز الإدارية لأول مرة على مستوى الدولة بالتعاون مع الجهات المسؤولة في الدولة.
دبي ـ ضياء عبد العال
