يكتسب دور المنظم أهمية بالغة في وقتنا الحاضر لما يحدثه من تغيرات بمعدلات متسارعة لها انعكاساتها على كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، حيث لم يعد امتلاك الثروات هو العامل الوحيد المحدد للعملية الإنتاجية، وإنما أصبح لدور المنظم في ابتكار المستحدثات والمستجدات العامل المحدد للقوة الاقتصادية، وكما يقول الاقتصادي المعروف جوزيف شومبيتر:
إن الابتكار وروح الإبداع عامل أساسي من عوامل الإنتاج، شأنه في ذلك شأن رأس المال واليد العاملة والريع؛ لأنه القادر على تجميع عناصر الإنتاج الأخرى لانتخاب المشروع الجيد القابل للتنفيذ، ويدور اليوم صراع تنافسي بين المجتمعات المتقدمة بشأن تنمية القدرات الإبداعية والإكثار من عدد المنظمين المبدعين.
ذلك لأن القدرة الإبداعية تزدهر وتنمو بفضل ظروف ومقومات وشروط اجتماعية، وليس كما هو شائع على أنه هبة فطرية، وتزداد حاجة المجتمعات إليهم مع طبيعة التطور الحضاري الراهن، ولا بد من أفكار ورؤى جديدة كي يتبناها المنظم في العملية الإنتاجية، حتى أن رجال الاقتصاد يتداولون فيما بينهم النكتة القائلة:
(نجح البنك في سياسته حتى أفلس) أي أن المسؤولين عن إدارة البنك فقدوا المرونة وتمسكوا بقواعد نظرية ثابتة طبقوها بإصرار حتى أفلس البنك! وهنا يبرز دور المنظم في العملية الإنتاجية المعاصرة حيث يتماشى مع الظروف المستجدة، وفي مقالة لـ «روبرت ريش» في مجلة (فورين أفيرز) وضع فيها الأفكار التي تبناها الرئيس كلينتون .
وهو يحشد الجهود الدبلوماسية مع العلاقات التجارية والإصلاح الجذري لفكر المنظم المعاصر كي تستطيع الولايات المتحدة المنافسة في الأسواق العالمية بإنتاج متميز مع منافسيها، وأهم ما نبه إليه «روبرت ريش» هو الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة، وعلى المعلومات، والاعتماد على التقدم المستمر الذي يتحقق بفعل ثورة الاتصالات. لتمكنه من التغلب على المنافسين، وهو يؤكد على تجديد الفكر الاقتصادي الأميركي الذي تخلف في تطبيق التقدم التكنولوجي بينما استفادت الصناعات اليابانية والألمانية إلى أقصى حد من استغلال الابتكارات التكنولوجية وكانت لمسات المنظم فيه واضحة.
والدليل على ذلك أن السيارات اليابانية بما أضافته من ابتكارات وكماليات اكتسحت السوق الأميركي، فاليابانيون مثلاً يختلفون عن الأميركيين في عملية الإنتاج والصناعة، حيث إن المصانع اليابانية تركز على الاحترام المتبادل بين العاملين والإدارة إلى حد كبير، وهذا ما يفتقده الجانب الآخر، مما حدا لصانعي السيارات في الولايات المتحدة الأميركية حالياً إتباع النهج الياباني.
وتشير بعض الدراسات إلى أن التقنيات الحديثة يمكن أن تحل مكان العمالة في الأنشطة القديمة، ولكنها يمكن أن تولّد في الوقت نفسه طلبًا إضافيًا على العمالة من خلال تكوين سلع وخدمات جديدة، وبصرف النظر عن الآراء المتعارضة في هذا الخصوص، يمكننا تأكيد أن تأثيرات التكنولوجيا الحديثة في مجال التوظيف لن تشمل فقط حجم العمالة وبنيتها المهنية وسوق العمل، ولكنها ستشمل أيضًا وبصورة أساسية نوعية العمل، خصوصًا فيما يتعلق باعتماد ما يمكن تسميته (الأنواع المرنة) للعمالة ذات الطابع التعاقدي والعمل المنزلي.
وكذلك الاتجاه نحو تقليص ساعات العمل....إلخ، وباختصار أن أسواق العمل في البلدان الصناعية المتطورة والبلدان النامية على حد سواء ستصبح أكثر مرونة، وسيظهر تخصيص سوق العمل والإنتاج على شكل زيادات في فرص التوظيف المؤقت وساعات العمل المرنة غير الثابتة. لذلك نرى أن الدول التي تمتلك رؤية صحيحة تسعى إلى احتضان أكبر عدد من المنظمين..
وذلك لتحقيق التطوير والتنمية الشاملة للمجتمع من خلال زيادة الإنتاج، وبالتالي زيادة مستوى دخل الفرد وتلبية احتياجات الأفراد من السلع والخدمات مع الاعتماد على الذات بما يحقق في النهاية وفرة في الإنتاج وترشيد الواردات وزيادة الصادرات، ولا شك أن لنمط التعليم الدور الكبير في تنشئة المنظم، وفي محاضرة للبروفيسور ستراسبيرجر خبير التعليم العالي ورئيس إحدى جامعات بنسلفانيا بالولايات المتحدة ألقاها في كليات التقنية العليا بداية العام الدراسي الحالي أكد فيها أن نوع التعليم في غاية الأهمية. لكن السؤال هو: أي نوع من التعليم؟ لا شك أن التكنولوجيا مهمة جداً.
باحث اقتصادي