إن فكرة عقد مؤتمر قمة اقتصادية لبحث الموضوعات الاقتصادية والتنموية لم تنبع من فراغ لكنها كانت نتيجة تراكمات لتضارب عربي مستحكم استمر منذ بداية ظهور جامعة الدول العربية عام 1945 حيث تعددت الاتفاقيات العربية الجماعية التي تطالب بدعم التعاون العربي إلى أقصى الحدود لكن التنفيذ للأسف كان يتعثر ووصل إلى طريق مسدود في اغلبها ، وذلك بالرغم من تضمينها نصوص واضحة وصريحة عن أهمية تحقيق هذا التعاون في اقرب وقت ممكن.

لقد عاشت الأمة العربية أكثر من نصف قرن في ظل تعاون اقتصادي شكلي ونظري حيث لم يتم تنفيذ اتفاقيات التعاون الاقتصادي العربي التي تشعر فيها بعض الأنظمة العربية بأنها ستؤدي إلى انتقاص لسلطاتها المحلية، وحتى بعد الموافقة عليها كانوا يحاولون البحث عن صعوبات تعوق التنفيذ العملي.

ويثيرون هذه الصعوبات أثناء الاجتماعات التي تتم داخل أروقة الجامعة العربية ومجلس الوحدة الاقتصادية العربية والمنظمات العربية المشتركة لكي تخرج هذه الاجتماعات دون برامج عمل تنفيذية ودون إقرار خطوات عملية، فتتوقف الاتفاقيات التي صيغت أحسن الصياغات والتي تضمنت على الورق أفضل أساليب عمل تنفيذية.

وعلى سبيل المثال أقول إن اتفاقية الوحدة الاقتصادية بين دول الجامعة العربية تضمنت في نصوصها أفضل أساليب تنفيذ هذه الوحدة والخطوات العملية المطلوبة، وهي أساليب وخطوات أخذت منها فيما بعد اتفاقية الوحدة الاقتصادية الأوروبية وطبقتها عملياً وتنفيذياً في السبعينات ، بينما اتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية لم يتم تنفيذ أي بند منها حتى الآن مع أنها تضمنت طريقاً واضحاً للتنفيذ العملي حيث نصت المادة الأولى من الاتفاقية على أن الدول العربية والأنظمة الحاكمة بها يتعين أن تضمن الحريات الخمس التالية لرعاياها وعلى قدم المساواة:

حرية انتقال الأشخاص ورؤوس الأموال بينها.

حرية تبادل البضائع والمنتجات الوطنية والأجنبية.

حرية الإقامة والعمل والاستخدام وممارسة النشاط الاقتصادي داخل أي دولة عربية.

حرية النقل والترانزيت واستعمال وسائل النقل والمرافئ والمطارات المدنية.

حقوق الملك والإيصاء والإرث.

ولم تكتف الاتفاقية بوضع المبادئ وإنما أوضحت الطريق العملي لتحقيقها بين الدول العربية في بنود عشرة وردت بالمادة الثانية التي لم تهمل أي خطوة مطلوبة وتنفيذ الاتفاقية في أسرع وقت: ولقد تم توقيع هذه الاتفاقية من المندوبين المفوضين نيابة عن حكوماتهم بتاريخ 3 يونيو1957، وحفظت بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية.

وسلمت صورة طبق الأصل لكل من الدول الموقعة عليها، ونشأ مجلس خاص لتنفيذها هو مجلس الوحدة الاقتصادية العربية وتم تعيين الأمين العام للمجلس كما تم تشكيل الإدارات التي يضمها المجلس والتي تقوم بالأعمال التنفيذية لتحقيق أهداف الاتفاقية، ومع ذلك لم ينضم للمجلس إلا ما يقرب من نصف الدول العربية حتى الآن، أما النصف الآخر فلم ينضم لأسباب غير معروفة بينما مضى ما يقرب من ستين عاماً على توقيع الاتفاقية.

وكان من المفروض أن يقوم الأمين العام والجهاز التنفيذي الذي يضمه المجلس والذي يٌنفَق عليه سنوياً مبالغ طائلة، كان من المفروض أن يقوم ببحث وسائل التنفيذ العاجل بين الدول التي وقعت على الاتفاقية غير أنه كان هناك تراخ في التحرك من الذين يديرون المجلس. كما كانت هناك صعوبات من الدول التي وقعت على الاتفاقية تثيرها بين فترة وأخرى لتوقف تنفيذ النصوص الواردة بها.

ولا يعرف أحد على وجه التحديد لصالح من كان يتم هذا التراخي. كما لا يعرف أحد السبب الحقيقي وراء عدم انضمام ما يقرب من نصف الدول العربية إلى الاتفاقية طوال الستين عاماً السابقة، وهل هو نتيجة تقصير من الذين يديرون المجلس ويتولون أموره، أم لأسباب أخرى خاصة بالأنظمة التي تحكم هذه الدول وتخشى اقتطاع جزء من سلطاتها المحلية.

ونتيجة لفكر جديد ساد بين حكماء القوم الذين رأوا أنه بهذا الإيقاع الخامل والبطيء في العمل العربي المشترك، والذي أدى إلى مرور سنوات طويلة دون أن يتم شئ عملي في تطبيق المبادئ الاقتصادية التي نصت عليها اتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية.

وفي الوقت الذي اتسعت فيه حركات التعاون الاقتصادي الإقليمي في العالم والذي بدأت فيه الجماعة الاقتصادية الأوروبية بتحقيق كل أنواع التعاون الأوروبي بين دولها- من منطقة تجارة حرة إلى سوق أوروبية مشتركة ثم إلى سوق أوروبية موحدة، وهو التعاون الذي فرض قيام تكامل اقتصادي فعلي بين الدول الأوروبية حيث تم إلغاء كل أنواع الحواجز وتنفيذ الحريات الخمس التي نصت عليها اتفاقيتهم المأخوذة أصلاً من اتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية.

ونتيجة لهذا الفكر الجديد بين المفكرين والخبراء العرب تم إعداد اتفاقية شاملة للسوق العربية المشتركة لتحقيق المبادئ الواردة في اتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية، وقد عٌرِضت اتفاقية السوق على مجلس الوحدة الاقتصادية العربية الذي قرر إنشاء السوق في أقرب وقت ممكن دفعاً للعمل العربي المشترك الذي كان قد بدأ يتراجع فعلاً عن طريق دعاة التأجيل والتسويف الذين يقفون على ارض من الأنانية وحب الذات في توجهاتهم العربية.

وفعلاً تأجل تنفيذ السوق العربية المشتركة والتي أعدت فعلاً واكتمل صياغتها عام 1964، ولا شك أن مسؤولية هذا التأجيل تقع بصفة رئيسية على البيروقراطية العربية التي حكمت وتحكمت في أجهزة مجلس الوحدة الاقتصادية العربية، وبمساعدة من البيروقراطية العاملة في جامعة الدول العربية. وكان هذا التأجيل يتكرر طوال السنوات السابقة خلال جلسات المجلس حتى مر عليه اليوم ما يقرب من ثلاثة وأربعين عاماً ولا نعرف مصيره في المستقبل.

هذا نموذج لسير العمل العربي المشترك والذي تم إهماله من الغالبية العظمى للدول العربية حتى اليوم، والى أن جاءت المطالبة الجدية بعقد مؤتمر القمة الاقتصادية الذي سيحدد إمكانية القضاء على التضارب الاقتصادي العربي القائم حالياً، والذي حدده الدكتور أحمد جويلي الأمين العام لمجلس الوحدة الاقتصادية في حديث نشر له مؤخراً بالقاهرة، كما تحدث عنه أيضاً بعض كبار الخبراء العرب في كثير من البلاد العربية، وهو يظهر واضحاً فيما يلي:

الفقر والبطالة التي تبلغ أكثر من عشرين مليون عاطل عربي، ومن المتوقع أن تصل إلى ستين مليون عاطل خلال العشر سنوات القادمة، في حين تبلغ القوى العاملة العربية حوالي 113 مليون عامل، ويضاف لسوق العمل كل عام 3,4 ملايين عامل عربي.

الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية يتجاوز التريليون دولار، ومع ذلك تعاني المنطقة من مشاكل في التغذية ، حيث بلغ الذين يعانون من نقص في الغذاء عام 2002 حوالي 5, 9% من مجموع السكان (حسب بيانات جامعة الدول العربية)، ويتزايد هذا العدد سنوياً.

الدول العربية الكبرى والتي كانت تسمى دول المركز، يسودها حالياً الجمود الحركي والركود الاقتصادي بالإضافة إلى نظم تعليم فاسدة وركيكة وخدمات عامة هزيلة في الصحة والمياه والكهرباء، كما يسودها فوضى في المرور والبناء وحتى النظافة التي أصبحت دون المستوى المناسب في أغلب الدول العربية حيث تمتلئ الشوارع بالتلوث البيئي وعدم الانتظام المروري.

انخفاض متوسط الدخل الفردي للدول العربية غير النفطية إلى 16% من متوسط الدخل الفردي العالمي، علماً بأن متوسط الدخل الفردي للدول العربية النفطية ليس كبيراً، حيث أن أغلبها ليس بالغ الثراء فهي أفضل قليلاً من المتوسط العام العالمي.

من هنا ندعو الله أن يكون مؤتمر القمة الاقتصادية القادم بداية خير للأمة العربية، وألا يضم فقط ملوك ورؤساء الدول العربية، بل يضم حكماء القوم الذين يمكنهم الخروج بأسلوب حديث وبمبادئ جديدة للتعاون الاقتصادي العربي.. مبادئ تراعي تقويض العمل المشترك في الماضي بما فيه من أجهزة وهيئات ومنظمات، وتدفعه إلى تشكيل حياة عربية متقدمة في المستقبل، ولن يتم ذلك تنفيذياً إلا عن طريق الذين فكروا في انعقاد القمة الاقتصادية وأكدوا على ضرورة نجاحها في الوصول إلى تحولات عربية جذرية في التعاون الاقتصادي العربي لصالح كافة الشعوب العربية.

هيكل جديد للتعاون الاقتصادي العربي بأسلوب حديث وبفكرٍ متطور هو المطلوب من مؤتمر القمة الاقتصادية ويقع عبء تحضيره على اللجنة التي تشكلت بجامعة الدول العربية لتَلَقي اقتراحات الدول العربية وأيضاً على المؤتمر المصرفي العربي الذي سينعقد بقطر يومي 7، 8 نوفمبر القادم تحت عنوان «رؤية عربية للقمة الاقتصادية».