كان الأسبوع الماضي أسبوع أسعار الصرف الخليجية بامتياز حيث بدأ بتكهنات عن قيام مؤسسة النقد العربي السعودي بتغيير سياسة صرف الريال، إلا أن المؤسسة نفت هذه الأنباء بعد مضاربات واسعة على الريال السعودي في الأسواق لمدة يومين، وتبعت البحرين على لسان مصرف البحرين المركزي هذا النفي، تلاها تصريحات معالي سلطان ناصر السويدي محافظ مصرف الإمارات المركزي الذي نفى بدوره نية الإمارات فك ارتباط عملتها بالدولار.
وطرح بدلا عن ذلك لجوء دول الخليج إلى خفض الفوائد على شهادات الإيداع، معتبراً أن قرار ربط العملات الخليجية بالدولار هو قرار سياسي لا يمكن تعديله سوى بموافقة قادة دول مجلس التعاون.
وأشار السويدي إلى أن هناك خلافاً في أوروبا حول كيفية التعاطي مع هذا الموضوع حالياً، وتوقع أن يتم اتخاذ قرار لتعديل وضع اليورو، مما سيعجل بإنهاء أزمة الدولار. ولم يستبعد أن تلجأ الإمارات إلى خفض الفوائد مجدداً، بل وأكد أن جميع الدول الخليجية ستضطر إلى فعل ذلك في فترة قريبة وذلك بسبب ترجيح أن «تتصرف الأسواق في الخليج بشكل مواز لتصرف الأسواق الأميركية».
وبسبب طغيان هذا الموضوع مرة أخرى نعود للحديث عنه بالرغم من أننا تناولناه قبل أسابيع قليلة من زاوية تأثيره على معدلات التضخم الخليجية التي باتت تمثل أحد أهم التحديات التي ترافق موجة النمو الاقتصادي الراهنة. ولا تخفي أهمية سعر الصرف كونه أداة لربط«الاقتصاد المحلي بالاقتصاد العالمي» .
كما انه يمارس دورا مهما في تحديد قدرة «الاقتصاد التنافسية» وبالتالي وضع «ميزان المدفوعات»، وكذلك معدلات التضخم والنمو الحقيقي، ويقول الخبير الاقتصادي الدكتور همام الشماع إن سعر الصرف الحقيقي مرتبط بصورة عكسية بتغييرات سعر الصرف، فكلما ارتفع سعر الصرف انخفض سعر الصرف الحقيقي.
وبالتالي تزداد القدرة على المنافسة مع العالم الخارجي وهذه العلاقة تقودنا إلى نقطة جوهرية هي أن سياسة«سعر الصرف «ترتبط بشكل وثيق مع سياسة التضخم وهو ما يجعل متخذي القرارات ومصممي السياسات يقعون في تناقض أحياناً، إذ يكون عليهم أن يتخذوا احد قرارين أحلاهما مر فإذا ارتفع سعر الصرف» أي ارتفع عدد الوحدات من العملة المحلية مقابل عملة واحدة من العملة الأجنبية «وأدى ذلك إلى انخفاض سعر الصرف الحقيقي.
فان قدرة الاقتصاد المحلي على المنافسة ستزداد، ولكن في الوقت نفسه قد يزيد التضخم والعكس صحيح. إن دور سعر الصرف الحقيقي الذي يجعل الاقتصاد أكثر منافسة يؤدي إلى تحويل الموارد أو جذبها إلى قطاع «السلع الدولية » بحيث تتسع هذه القاعدة ويصبح العديد من السلع قابلا للتصدير ويقل عدد السلع التي يتم استيرادها.
ويرى الدكتور الشماع أن اثر تغيير سعر الصرف الحقيقي ينعكس في إعادة تخصيص الموارد في أسواق«عوامل الإنتاج»، أي في إطار سياسة الاقتصاد الكلي لبلد ما والذي بدوره يتأثر بالخصائص الهيكلية لذلك البلد فضلا عن وضعها فيما يخص «الدورة الاقتصادية» وتطورات الاقتصادات العالمية ذات الأثر.
لذلك تحدد الإدارة الاقتصادية عادة هدف استقرار النمو ومعدلات التضخم كأهم أهداف سياسة «سعر الصرف» في البلدان المتقدمة فيما نجد أن معظم الدول النامية ذات «المديونية الخارجية» المرتفعة تركز بشكل اكبر على اعتماد الحفاظ على وضع ميزان المدفوعات كهدف رئيس لسياسة إدارة سعر الصرف، كما أن عددا من الدول النامية الأخرى عمدت ولمدة زمنية محددة إلى تقليص معدلات التضخم في بلادها، بما فيها الحفاظ على وضع ميزان المدفوعات.
ونتيجة لتطابق السمات الاقتصادية والتجارية والمالية لدول مجلس التعاون الخليجي مع الدول النامية الصغيرة الحجم، فقد اختارت معظم هذه الدول سياسة ربط عملاتها بالدولار خاصة أن مصدر إيراداتها الأساسي هو النفط المقوم بدوره بالدولار الأميركي. وقد تعزز هذا الاتجاه بعد بدء خطوات الاتحاد النقدي الخليجي حيث اتفقت على اعتبار الدولار هو المثبت للعملة الموحدة.
إلا أن العملة الخضراء شهدت انخفاضا مقابل العملات الرئيسية الأخرى حيث يعتبر ذلك أحد العوامل الأساسية المسببة لتضخم أعلى مستقدم من الخارج، وباعتبار أن واردات المنطقة هي أوروبية وآسيوية المنشأ في معظمها. ويقول صندوق النقد الدولي إن أسعار الصرف الحقيقية للعملات الخليجية انخفضت بنسبة 5, 12% خلال الفترة 2002 إلى 2006 بسبب سياسة ربط عملاتها بالدولار الأميركي ونتيجة انخفاض قيمة الدولار أمام بقية العملات العالمية خلال نفس الفترة.
فعلى سبيل المثال، تراجع الدولار الأميركي خلال الفترة من 2002 ولغاية النصف الأول من العام 2007 بنسبة 48% أمام اليورو، تلاه الكرون النرويجي 47% ثم الكرون السويدي 45%، و الفرنك السويسري 5 ,44 %، و 41% أمام الدولار الاسترالي، و30% أمام الجنيه الإسترليني، و26% أمام الدولار الكندي، وأخيراً أمام الين 12% ، ليصل المتوسط الحسابي أمام العملات الثماني 37% .
ما تطرقنا في مقالتنا السابقة إلى دراسة أصدرها بنك دبي الوطني تبنى فيها ذات الحلول التي لا تزال دول التعاون - باستثناء الكويت - ترفض أتباعها وهي تغيير سياسة سعر الصرف.
فوفقا للدراسة، أن دول التعاون مطالبة باتباع سياسة فاعلة لتحجيم التضخم من واقع التجارب العالمية، حيث أثبتت هذه التجارب أن اتباع مثل هذه السياسة من شأنها خلق سياسة مرنة وذات مصداقية، تؤدي إلى تضخمً منخفضً ومستقرً، وترسي توقعات أدق للتضخم ونمواً أفضل للاقتصاد مع مرونة مرتفعة ضد الصدمات.
ولهذا يتوجب على أقطار دول مجلس التعاون الخليجي إجراء تغييرات في سياسة معدل الصرف وضمان استقلالية المصارف المركزية. وكحلول بديلة، هناك أشكال متنوعة من نظام معدل الصرف الثابت مثل أسعار صرف زاحفة مربوطة، أو اختيار سلة عملات رئيسية (كما في مبادرة الكويت)، كي يتمكن سعر الصرف الموجه نظرياً من أن يتزامن مع استهداف تحجيم التضخم لفترة طويلة طالما كان واضحاً.
إننا نؤكد هنا اتفاقنا مع ما جاء في دراسة البنك بأن المصارف المركزية في المنطقة بحاجة للتمتع بالاستقلالية لممارسة مؤسسية صريحة لتحقيق تضخم منخفض ومستقر.
إن المصارف المركزية يجب أن يكون لديها كذلك أدوات فعّالة، وقدرة تحليلية وفهم معقول لكيفية تأثير السياسة النقدية على التضخم بغرض الاستجابة لضغوطات التضخم في الوقت المناسب. وحيث إن التضخم ينجم بالعادة عن عدة عوامل، داخلية وخارجية، فإن نجاح أي سياسة لسعر الصرف في احتواء الضغوط التضخمية في دولة ما سيتوقف على مدى ملاءمة هذه السياسة لظروف هذه الدولة ولسياساتها الاقتصادية السائدة.
وبالتالي، فإن تبني دول مجلس التعاون لسياسة الربط بسلة من العملات لا يعني بالضرورة أن الضغوط التضخمية قد تم احتواؤها ما لم تتم مؤازرة هذه السياسة بسياسات مالية ونقدية واقتصادية رشيدة. حيث إن سياسة سعر الصرف لا يمكن أن تؤتي ثمارها في ظل تضارب السياسات الاقتصادية وأهدافها.
والتحول نحو سياسات سعر صرف أكثر مرونة سوف يسهم كذلك في استعادة المقدرة على توظيف إحدى أدوات السياسة النقدية التي فقدت فاعليتها وفق سياسة الربط بالدولار حيث تتيح تلك السياسة توجيه الاهتمام والجهود نحو تدعيم قدرة البنوك المركزية على تحصين الاقتصاد المحلي من التذبذبات الحادة التي تحدث أحيانا في أسعار صرف العملات العالمية الرئيسية وخاصة في المدى القصير، وذلك بالمحافظة على مرونة نسبية في آلية تحديد سعر الصرف.
كاتب وباحث بحريني