كانت البرازيل حتى سنوات قلائل أكثر البلدان تأثراً بأزمات أسواق الائتمان العالمية ففي الأزمة التي كادت تعصف بالاقتصادين الروسي والآسيوي في تسعينات القرن الماضي، لحق ذلك البلد الأميركي الجنوبي بركب الأسواق الناشئة التي ضربها الإعصار بحيث وجد البنك المركزي نفسه مضطراً لخفض عملته في عام 1999 .
واهتزت أصولها بحيث أرغم على رفع سعر الفائدة الأساسية إلى 45% سنوياً أما اليوم فقد أصبحت البرازيل محصنة باحتياطياتها العالمية من العملات الأجنبية وانخفاض ديونها الأجنبية وفائض حسابها الجاري السليم. وعلى الرغم من العواصف الأخيرة التي هزت أسواق الائتمان العالمية، فإن السؤال يتركز حول ما إذا كان خفض وتيرة سعر الفائدة يجب أن يتباطأ.
والنمو الاقتصادي البرازيل يتجه نحو أكثر من 5% سنوياً ما يربو على ضعف معدل نموه خلال العقدين الماضيين، وإلى جانب ذلك فإن الاقتراض والطلب المحلي يزدهران مع تحول ملايين البرازيليين إلى مستهلكين للمرة الأولى.
والواقع أن البلاد لم تكن قط في مثل هذه العافية القوية فعلامَ إذن سرت أقاويل الآن عن «اعتلال برازيلي»؟ وعلى غرار ما سمي الاعتلال الهولندي الذي ألم بهولندا في سبعينات القرن الماضي، عندما رفعت صادرات الغاز الطبيعي المكتشف حديثاً آنذاك، من قيمة العملة، بحيث أدى ذلك إلى المنافسة في سائر القطاعات الاقتصادية.
والظاهر أن معادلة البرازيل تهدد بجعل البلاد ضحية لنجاحها. فقد مالت كفة الميزان التجاري في البرازيل منذ تسعينات القرن الماضي. عندما جرى تسهيل القيود على الواردات، وتم التغلب على التضخم المرتفع. وبعد سنوات من العجوزات دخلت البلاد مرحلة من الثبات في عام 2001.ومنذ ذلك الحين، ارتفع الفائض عاماً بعد عام، من 7,2 مليار دولار عام 2002 إلى 1 ,46 مليار دولار العام الماضي.
وفيما ارتفعت صادرات البضائع المصنفة فإن القوة الحقيقية جاءت من السلع وفي الوقت ذاته فإن قوة العملة التي جعلت من البضائع البرازيلية أقل تنافسية أدت إلى تعالي الأصوات المحتجة من جانب كثيرين من الصناعة وحجتهم في ذلك هيأت الوظائف الأعلى أجراً، في الصناعات ذات الرساميل العالمية، والتقليدية الأخرى، سيجري استبدالها بوظائف أقل أجراً في قطاع السلع.
ويقول «جورج فاكسيوني» رجل الأعمال في نوفوها مبورجو في ولاية ريوغراندي دوسول الجنوبية، حيث يعتمد الاقتصاد المحلي على صناعات مثل التسيج والأحذية، والصناعات المعدنية، «إننا نتعرض لضغوطات عالية مضيفاً أن استمرار ذلك سيقوض الصناعة في البرازيل. وعلى الصعيد ذاته، قال «لويز كارلوس مندوسا دو باروس» الوزير السابق ومدير صندوق تحوطي في «ساو باولو» الذي كان من أول من شخصوا ذلك إن «العلة البرازيلية» مفيدة في القطاعات الرئيسية.
وضارة في القطاعات ذات القيمة المضافة، ومن جهة أخرى، فإن ارتفاع قيمة العملة معناه أن كثيراً من المصنعين، الذين كانوا يصدرون يوماً بضائعهم إلى شرق آسيا، مثلاً استعاضوا عن ذلك ببناء مصانع هناك. ويقول «أوسكار بيكر» المدير المالي لـ «إيوشوب ـ ماكسيون» التي تتخذ من ساو باولو مقراص لها، «إنه لم يعد هناك من حافز يشدنا للبحث عن عملاء خارجيين جدد، بالتصدير من البرازيل»..
وتعد شركته من كبريات تصنيع قطع غيار السيارات في البرازيل وموردا رئيسيا للصناعة وستقوم ببناء مصنع لتصنيع الإطارات
في الصين بدءاً من العام المقبل، ويقول «بيكر» إنه يأمل أن يمكن ذلك المصنع «أبو شوب ـ ماكسيون» من استعادة عملائها الآسيويين الذين خسرتهم، عندما أدت قوة العملة إلى زوال تنافستها. ويضيف أن العملة كان لها أثرها البالغ مؤكداً أنها كانت شديدة التعقيد بالنسبة لنا معرباً عن أمله في ألا تصل الأمور إلى المرحلة التي ستتزود فيها السوق البرازيلية من الخارج.
وفي زعم الكثيرين فإن ذلك هو العارض الكلاسيكي للدار البرازيلي، هذا إلى جانب سهولة اكتشاف مسبباته. ففي «كامبانهيا فالي دوريو دوتشي» أكبر منتج للحديد الخام في العالم ارتفعت الإيرادات من 1,4 مليارات دولار عام 2001 إلى 4 ,13 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2007.
يقودها الطلب القادم من الصين كما ازدهرت الصناعة أيضاً فقد أصبحت البرازيل الآن من أكبر مصدري اللحوم على سبيل المثال وقوة مؤثرة في الصويا، والذرة والقطن فضلاً عن الصادرات التقليدية مثل السكر والبن وعصير البرتقال.
ليست الصادرات المرتفعة وحدها هي العامل المؤثر في تقييم العملة البرازيلية فقد أصبحت البلاد بالاستقرار الذي تنعم به موضع جذب هائل لمستثمري المحافظ والمقرضين.
وكان للجم الأموال المتدفقة في الأسهم والسندات البرازيلية أثر أكبر في الواقع من التجارة.
وهذه الحقيقة وحدها لابد أن ترفع راية التحذير حيال الاستقرار المستقبلي فالمصرفيون الاستثماريون لا يرون تراجعاً في سرعة الاستثمار غير أن آخرين يحذرون من تغير قادم في المشاعر.
ترجمة: وائل الخطيب
