العمل التلفزيوني «الاجتياح» الذي تعرضه محطة الإرسال اللبنانية يقدم Lbc للمشاهدين ذكريات قريبة جداً، ذكريات ما زالت تئن فينا وجعا على الغبار والفوضى والتشويش الذي تبع تلك المرحلة، مرحلة ما عقب اجتياح المدن الفلسطينية مرحلة مجزرة جنين، رجال انتموا إلى فريق السلطة تمردوا على قرارات رؤسائهم وأبوا إلا أن يلتحقوا بمقاومي مخيم جنين معقل المقاومة.

أبو جندل شخصية واقعية جسدها النجم عباس النوري بصدق وعفوية شديدة، أبو جندل المقاوم الذي شارك في حصار بيروت شاهد عيان على مجزرة صبرا وشاتيلا خرج مع المقاومة من بيروت إلى تونس ومنها إلى فلسطين.

ومن مراكز السلطة الفلسطينية التي طرأ عليها تغيير جذري في إيديولوجيتها المتناغمة مع البراغماتية الواقعية السياسية التي اتخذت من الطاولة ممراً لعقود طويلة الأمد، متناسية هموم الشعب الفلسطيني ودماءه التي تسفك على الأرض الفلسطينية، فكر المقاومة.

وكما يؤكد أبو جندل أثناء مناقشته رئيس مركزه، المقاومة ثم المقاومة عاهدت الله عليها،و يؤسس هو ومجموعة من الشباب المقاومين من كافة الفصائل الفلسطينية عهدة المقاومة على أرض مخيم جنين.

شخصيات واقعية عديدة كشخصية الطوالبة أحد أهم شخصيات المقاومة جسدها الممثل نضال نجم، وغيرها من الشخصيات الواقعية كشف النقاب والغبار عنها الكاتب رياض سيف ومخرج العمل شوقي الماجري، كاشفا قدرة كبيرة في مقاربته للواقع سواء باختياره لثلة من الممثلين المبدعين الذين أجادوا في التعبير عن الشخصيات الإنسانية ( صبا مبارك ـ عباس النوري عبدالمنعم عمايري سحر فوزي ـ حسن عويتي.

وغيرهم الكثير من الممثلين السوريين والأردنيين والفلسطينيين) مقاربته للواقع تمثلت بجملة خيارات ناجحة وموفقة تشد من متانة عناصر العمل الدرامي، سواء من ناحية انتقائه للأزياء التي تتناسب مع كل دور، واختياره للأمكنة التي تتشابه إلى حد كبير مع مدن فلسطين، ومقاربته الشديدة للهجة فلسطينيي الداخل، والاختيار المناسب للحوار باللغة العبرية ومرونة تعامل الممثلين معها، واختياره للموسيقى التصويرية، مجمل الاختيارات كانت ذكية صادقة، تضعك في حيرة من أمرك أثناء مشاهدتك للعمل ما بين الوثائقي لمدن فلسطين وأماكن التصوير المنتقاة في سوريا.

وما بين الواقعي والدرامي الذي أجاد ممثلو العمل بتجسيد أدوارهم وتفاعلهم معها، فكانت شخصية الفلسطيني في الأرض المحتلة حاضرة بقوة الروح في الصورة التلفزيونية في تعبيرها عن واقع معاناة ومرحلة جنين التي تفاعل معها كل مؤمن بالحق والعدل، مشاركة كبيرة لعدد من الممثلين السوريين الذين تفاوت أداء بعضهم، مشاركة ناجحة استطاعت أن تسجل بصمتها مرة أخرى في التعبير عن الواقع الفلسطيني، إضافة إلى المشاركة المميزة لعدد من ممثلي الدراما الأردنية وبعض ممثلي الداخل الفلسطيني.

استطاعوا جميعهم كشف البعد الإنساني والاجتماعي لمرحلة جنين،من خلال السعي الدؤوب لكاتب العمل رياض سيف تشريحه للواقع الفلسطيني بشكل موضوعي بعيد عن المثالية، فهاهو المجتمع الفلسطيني المتنوع ما بين مقاوم وعادي وخائن، شرائح اجتماعية متعددة، أبدع العمل بتصويرها، سكان المخيم بأوضاعهم المأساوية، سكان مدينة جنين بمفارقاتهم الطبقية، طبقة متوسطة وطبقة أرستقراطية، تفاصيل حياتية عميقة لم يغفل العمل الولوج فيها، ومقاربتها اجتماعيا وسياسيا وإنسانيا، مقاربة مميزة استطاع مسلسل الاجتياح إنجازها، ببصمة عربية مشتركة سوري أردني فلسطيني وتونسي ( مخرج العمل).

إنجاز درامي مميز التقط لحظة الفرح والحب والحزن والعذاب، صدق فيها أشد الصدق، معيدا جنين من جديد إلى الذاكرة، معيدا حق وعدل القضية الفلسطينية، ومعاناة شعب الداخل الذي مازال يئن حتى اليوم، ومازال يحلم بمستقبل حر كريم على أرض وطنه وأجداده، عمل درامي أعاد أنسنة الواقع الرقمي للمناضلين والشهداء، الاجتياح عمل تلفزيوني كشف إبداعات الدراميين العرب، وأسقط القناع على مدار حلقاته التلفزيونية اليومية زيف التضليل الصهيوني، عمل يستحق المشاهدة ويستحق اهتماما أكثر من وسائل الإعلام والإعلان العربية.

دمشق ـ خزامى رشيد