ما الذي يدفع القائمين على صناعة السينما إلى الاستعانة بوجوه جديدة لتلعب أدوار البطولة السينمائية، وهل تحسم الموهبة وحدها الأمور لصالح هؤلاء، وهل تعد هذه الخطوة نوعاً من المغامرة غير المحسوبة التي قد تؤدي إلى انهيار صناعة السينما، أسئلة كثيرة حول هذا الموضوع تحتاج إلى إجابات شافية سوف نتعرف عليها خلال سطور التحقيق التالي:
يقول المنتج صفوت غطاس: «إن الوجه الجديد لابد أن يبدأ في التلفزيون أولاً، وليظهر بشكل جيد لابد أن يعمل مع مخرج كبير في مسلسل أو أكثر من خلال إنتاج ضخم، ثم تتوالى أعماله التلفزيونية كما حدث مع ياسمين عبدالعزيز وكريم عبدالعزيز ومنى زكي وحنان ترك، فكلهم خرجوا نجوماً للسينما، بعد أن عرفهم الجمهور جيداً في التلفزيون، لأنه في هذا الجهاز تشاهده قاعدة عريضة من المشاهدين، ولذلك فهو وسيلة انتشار كبيرة جداً، فضلاً عن أنه دعاية مجانية لجيل الشباب، فالجمهور دخل السينما مثلاً وهو يعرف حنان ترك ومنى زكي ومحمد هنيدي وأحمد السقا، لأن التلفزيون صنع خلفية عن كل هؤلاء وغيرهم وأيضاً كان العلاقة بينهم وبين الجمهور». ويؤكد غطاس أن شرط تقديم الوجوه الجديدة أن تشاهدها قاعدة عريضة من الناس، وهذا لم يتوفر مثلاً في فيلم «أوقات فراغ» الذي لم يره كثيرون، كما لم تكن هناك دعاية كافية للفيلم، ورغم ذلك نجح نجاحاً معقولاً، ربما لكون القصة حساسة وتخص مجموعة من الشباب.
أما الفنانة إسعاد يونس وهى إحدى جبهتي الإنتاج والتوزيع الكبرى في مصر فتقول: «إن الوجوه الجديدة تحتاج إلى وقت، فالنجم تتم صناعته من خلال تكرار الأعمال، إذ أن صعود النجوم يبدأ دائماً بخط تصاعدي شيئاً فشيئاً، فالفنان أحمد السقا مثلا بدأ بأدوار صغيرة ثم كبرت إلى أن أصبح بطلاً عرفه الناس وتعودوا عليه وأحبوه.
أما البطولة المفاجئة فلها أخطارها، إذ لا يستطيع صاحبها دائماً أن يثبت أقدامه، وإذا ثبتها فإنها ستكون ناقصة، أما «الكاريزما» فتظهر بعد العمل الفعلي، فلا تستطيعين دائماً أن تشعري بها قبل أن يظهر الممثل على الشاشة، فقد تكون هناك توقعات وحدس من واقع الخبرة، لكنها لا تكتمل إلا عندما يظهر على الشاشة بالفعل.
ففي فيلم «أوقات فراغ» مثلاً لم يلمع أحد، لأنه كان لا بد لهم من تواصل سريع ونزول فيلم ثان ثم ثالث، لأن جوهر المسألة عندنا في الوطن العربي وفي مصر، هو أنه ضرورة التواصل بين المشاهد والفنان، وهذا لن يحدث في عمل واحد في الغالب، لهذا فإن تأخرهم في دخول الفيلم الثاني أبعدهم درجة عن الجمهور فالفيلم الثاني إذا كان جيداً، فسيثبت أقدامهم، وهذا يأخذ وقتاً لأننا لسنا من الشعوب التي تشاهد الممثل فتعتمده نجماً من المرة الأولى، فلابد أن يعتاد على شكله من خلال ظهوره المتكرر».
وتؤكد إسعاد يونس على أن التلفزيون يساعد على توطيد العلاقة بين الفنان والمشاهد، ولكن في حدود معينة ينتقل بعدها إلى السينما بشكل متصاعد، فليس من المفترض أن يكون بطلاً من أول مرة، ولكن لأن الأفلام يعتريها النقص.. والنجوم قليلون جداً، فنحن نحتاج إلى خريطة معينة حتى نملأ السنة بالأفلام، ونحن لا نستطيع أن نفعل ذلك بخمسة نجوم أو ستة، لذلك ننتج أفلاماً بنجوم جدد، ونضطر إلى تحميل هذا النجم الصغير مسؤولية فيلم كامل لأن الخريطة فارغة، وعلى العكس إذا كانت الخريطة ممتلئة بالنجوم الكثيرة، فإننا سنرى الجيل الثاني على مهل، ونطرحهم بشكل أكثر تأكيداً، تلك هي المشكلة.
وتضيف قائلة: «نحن عندما نعمل مع نجم كبير لابد أن نعرف كيف نحافظ عليه، ونلغي فكرة أن النجم له عمر افتراضي في مصر، فلا يعقل أن يكون عندنا في مصر حوالي خمسة «آل باتشينو» ولا يعملون مثل محمود ياسين ونور الشريف ومحمود عبدالعزيز وغيرهم، لذلك أحاول استغلال كل نجم من الكبار والصغار والوجوه الجديدة، وهذه النظرة صحيحة للسينما لكي تختفي الأزمات.. وفي حوزتي نص يجمع بين الكبار والشباب».
أما المنتج محمد عشوب الذي أنتج فيلم «لحظات أنوثة» الذي عرض أخيراً فيقول: «إن كل فنان يأتي أولاً وجهاً جديداً ثم يأخذ حقه بعد ذلك، وهذه سنة الحياة، فمثلاً أحمد حلمي وهند صبري وغادة عادل وغيرهم كانوا وجوهاً جديدة، ثم أخذوا فرصتهم بالتتابع والتكرار لأنه لن يظهر في كل يوم نجم فيه كل مواصفات النجومية، فعند تقديم عشرة وجوه مثلاً يلمع منهم نجم واحد فقط لديه «الكاريزما» والقبول لدى الناس والقدرة على الاستمرار، وهذا في حد ذاته مكسب كبير للسينما.
فهناك جيل جديد من الممثلات الجدد دخل إلى السينما مثل: هيدي كرم وبشرى وغيرهما وليس شرطاً أن يحقق لي الوجه الجديد الملايين لكي أقول انه نجم، فأحمد عز لم يصبح نجماً إلا بعد خمسة أفلام، وأحمد حلمي قدم أدواراً ثانية مع السقا وعلاء ولي الدين وهاني سلامة وغيرهم حتى أصبح نجماً، ومحمد سعد تدرج في التمثيل لسنوات كثيرة حتى أصبح نجم شباك وهنيدي عمل معي في فيلم «الهروب» في مشهد صامت مع أحمد زكي أي أنه ليس بين كل يوم وليلة سيظهر نجم جديد». ويضيف عشوب قائلاً: «لا أعتبر أن هناك أزمة نجوم.
ولكنها أزمة منتج جريء يملك القدرة على تقديم شباب جدد يقتحم بهم السينما بفيلم كبير تتوفر فيه كل مقاييس النجاح، ثم يترك هؤلاء النجوم بعد ذلك يبحثون عن منتج آخر حتى لا يستنفدهم المخرج الأوحد، فنحن نحتاج لصناع نجوم مثل رمسيس نجيب وحلمي رفلة، حيث كانا يتوليان صناعة النجوم ويعلمونهم أصول المهنة إلى أن يقفوا على أقدامهم، فالفكرة هي منتج جريء يأتي بشباب جدد وأفكار جديدة، ثم يبدأ العمل وإياهم بشكل صحيح».
ويقول المخرج نادر جلال: «خلال فترة الخمس سنوات الماضية ظهر نجوم عديدون وهذا شيء جيد، ولا بد لهؤلاء النجوم أن يقدموا أفلاماً متميزة ليستمروا، لأننا ظللنا لمدة 20 عاماً نقدم أفلاماً بنجوم مكررين لنبيلة عبيد ونادية الجندي ونور الشريف وأحمد زكي وغيرهم، لكن ما وصلنا إليه الآن شيء جديد ومبشر، ومن الطبيعي أن يظهر كل ثماني سنوات نجوم جدد وهذا يحدث ليس في مصر فقط، ولكن في أميركا والدول الأخرى، وما يحدث الآن خلافاً لما كان يحدث في الأجيال السابقة، فكان الإنتاج غزيراً وعدد النجوم أقل، والآن الإنتاج أقل وعدد النجوم كثير».
وختاماً، يتحدث المخرج عماد البهات مخرج فيلم «استغماية» و«البلياتشو» قائلاً: «إن بعض الموضوعات لا يمكن تقديمها بنجوم كبار، خاصة تلك التي تحمل بطولة جماعية، وهذا يحدث ليس بسبب التكلفة فقط، ولكن لأن لدينا حوالي خمسة أو ستة نجوم يعملون في أكثر من فيلم».
ويشير البهات إلى أن «الممثل المعروف من الممكن أن يغفر له المشاهد خطاياه على عكس الوجوه الجديدة، فسيقولون عنه إنه لا يجيد التمثيل، ولكن لا ننكر أن الوجه الجديد لديه مميزات كثيرة أهمها الحماس، ورغبته في العمل الكامل بكل طاقته وتواجده الدائم، واستعداده للقيام ببروفات عديدة وهي مميزات كثيرة بالإضافة إلى سهولة تشكيله في مقابل صعوبة تشكيل النجم، بما لديه من آراء وأفكار وصورته عند الجمهور وما يشابه ذلك».

