الجنس، الدين، والسياسة، هذا المثلث المحرم الذي بات سيفاً مسلطاً على رقاب المبدعين في الوطن العربي، وأصبح حجة وذريعة لمنع عدد من الأعمال الدرامية والسينمائية التي تطرح قضايا وأفكارا تتعارض مع السائد، وتتجاوز الخطوط الحمر أو تقترب منها في بعض الأحيان.

ولعل مسلسل «الطريق إلى كابول» الذي أنتج في العام 2004 يبقى الأكثر حضوراً في الذاكرة حتى اليوم، وهو المسلسل الذي طرق باب الإرهاب للمرة الأولى، وعالج الموضوع بجرأة غير معهودة، غير أن ثماني حلقات من حلقاته الثلاثين هي فقط التي قدر للمشاهدين أن يتابعوها، أما بقية الحلقات فأوقفتها تهديدات مجهولة عبر الانترنت طالت بطل العمل عابد فهد ومنعت محطة عرضه الحصرية «أم بي سي» من إكماله فكان مصيره الإيقاف. وفي شهر رمضان الحالي لم تمهل «أم بي سي» مشاهديها ثماني حلقات ولا حتى مشهداً واحداً لتوقف مسلسلها الخليجي الجديد «للخطايا ثمن»، فجاء المنع قبل انطلاق الشهر والحجة دينية، فالمسلسل يتعرض للمذهب الشيعي وزواج المتعة، والغضب من هذا التناول غير المسبوق وصل أروقة مجلس الأمة الكويتي. فما كان من المسؤولين عن المحطة إلا أن اتخذوا قراراً أبعدوا بموجبه أنفسهم عن الشبهات وقرروا عدم الوقوع في المحظورات!

أخوات موسى... والمنع في هذا العام طال أيضاً مسلسلات درامية أخرى من دون أن تحدث ضجة كبيرة كما حدث مع مسلسل «للخطايا ثمن»، ومنها على سبيل المثال المسلسل السعودي «أخوات موسى» التي كانت تنوي محطة «إل بي سي» اللبنانية عرضه في رمضان، لكن قصته دخلت أيضاً في نطاق المحظور، فهو كما يقول منتجه حسن عسيري يتكلم عن العالم السري لخمس فتيات سعوديات وشقيقهن الليبرالي القادم من أميركا. وفي مصر خرج مسلسل «صرخة أنثى» من سباق العرض الرمضاني بسبب قصته التي تدور حول التحول الجنسي من ذكر إلى أنثى في دور تجسده الممثلة داليا البحيري.

أما في سوريا فقد استثنت لجنة الرقابة في التلفزيون السوري مسلسلين سوريين من العرض خلال رمضان هما «الحصرم الشامي» للمخرج سيف الدين سبيعي، و«ممرات ضيقة» للمخرج محمد الشيخ نجيب، والمسلسلان من تأليف الكاتب فؤاد حميرة صاحب سيناريو مسلسل «غزلان في غابة الذئاب» الذي أثار الكثير من الجدل العام الماضي. ويرصد «الحصرم الشامي» قصة تمرّد أهل الشام على فساد السلطة بين 1750 و1765، وهو مقتبس من كتاب «حوادث دمشق اليومية» لأحمد بدري الحلاق، أما «ممرات ضيقة»، فيقدّم قصصاً ومشاهد قاسية من أحد سجون النساء.

المثلث المحرم وعن قضايا منع المسلسلات الدرامية يتحدث المنتج والممثل السعودي حسن عسيري صاحب شركة «الصدف» للإنتاج الفني. عن تاريخ طويل لشركته في العراك مع القرارات التعسفية التي توقف الأعمال الدرامية ويقول:»نحن نحرص دائماً على تقديم قصص وموضوعات جديدة وغير مستهلكة عن المجتمع الخليجي، وكان باستطاعتنا تقديم مسلسلات عن عقوق الوالدين وغيرها من الموضوعات غير المثيرة، لكن سياسة الشركة تعمل دائماً على مقاربة أشياء تهم الناس وتمسهم قبل كل شيء». ويؤكد عسيري أن المثلث المحرم الدين والجنس والسياسة، هو الذي تحكم بمنع بعض الأعمال التي أنتجتها الشركة ومن بينها مسلسل «للخطايا ثمن» ومسلسل «أخوات موسى»، ومن قبلهما تم إيقاف مسلسل «أسوار» مدة عام ونصف قبل عرضه على محطة «أم بي سي»، ومسلسل «خلف خلاف» الذي لم يفرج عنه التلفزيون السعودي حتى الآن.

ويعتقد عسيري أن منع المسلسلات الدرامية يترتب عليه آثار سلبية كبيرة، منها الخسائر المادية التي قد يتكبدها المنتج إذا رفضت المحطة التي اشترت حقوق العرض الوفاء بالتزاماتها المالية، واضعة اللوم على شركة الإنتاج ومحملة إياها مجمل الخسائر. ويؤكد المنتج السعودي أن هذا لم يحصل مع محطة «أم بي سي» التي تعاقدت على عرض مسلسل «للخطايا ثمن» بل إنها دفعت كل ما عليها من التزامات وتحملت بذلك جزءاً كبيراً من الخسارة.

ويرى عسيري أن الخسارة الأكبر في سياسة المنع هي ضياع جهد كادر العمل من مخرج ومؤلف وممثلين وفنيين.. ومن ثم حجز الإبداع وحجبه عن عيون الناس من دون أن يكون هناك مبرر مقنع. ويضيف: «فلندع الناس تشاهد العمل وتحكم على ما يحويه من أفكار ولتأخذ القرار المناسب بنفسها».

من جهتها تؤكد الممثلة ميساء مغربي إحدى المشاركات في مسلسل «أخوات موسى» أنها مع منع الأعمال الدرامية إذا تجاوزت الخطوط الحمراء وزادت جرأتها عن حدها، وناقضت ما هي عليه تقاليدنا العربية بشكل فج وجارح، أما إذا كان المنع من أجل قمع الحريات وجاء بشكل تعسفي فتقول ميساء إنها ترفضه رفضاً قاطعاً.

وتتحدث مغربي عن مسلسل «أخوات موسى» بالقول: «إنه مسلسل صادم وأنا أؤيد منعه رغم أنني إحدى المشاركات في العمل، لكنه يفتح العديد من الملفات المعقدة وبجرأة غير معهودة من قبل، ومنها قضايا الاغتصاب والشذوذ الجنسي والسفاح وزنا المحارم.. وكلها موضوعات لا أعتقد أنها ستكون مقبولة عند المشاهد الخليجي والعربي عموماً».

وتوضح ميساء أن بوسع القائمين على إنتاج المسلسلات الدرامية تناول موضوعات جريئة، لكن شرط أن تكون معالجة هذه الموضوعات منطقية وبعيدة عن خدش الحياء والتعرض إلى الدين والأعراف. وتطرقت بهذا الصدد إلى منع المسلسل الكويتي «للخطايا ثمن» بسبب حديثه عن الشيعة، وتقول: «إن مسلسلها الأخير «عرس الدم» تناول هذا الموضوع من دون أن يكون هناك إساءة لأحد «.

الطريق إلى كابل

بدوره يؤكد الممثل السوري عابد فهد بطل مسلسل «الطريق إلى كابل» بأنه ضد منع الأعمال الدرامية نهائياً، إلا إن كان ثمة عمل ما يسييء بشكل واضح إلى طرف معين، أما بقية الأعمال التي تنير الحقيقة وتكون حالة ايجابية لدى المتلقين فلا يجد عابد فهد مبررا لإخفائها عن الجيل الحالي وأجيال المستقبل.

ويقول الفنان السوري إن منع مسلسل «الطريق إلى كابول» أصابه بحالة نفسية غريبة ربما تعجز مفردات اللغة عن التعبير عنها، ويضيف: «حين يوقف مشروع كنت تتأمل منه الكثير فإنك تنظر إلى الوراء بغضب، وتنظر إلى الأمام بغضب أكبر، وهذا ما يجعل لديك إصرارا على تجاوز أزمة المنع والتفكير في مغامرة جديدة».

ويؤكد فهد أن المحطات العربية تتفاوت في موضوع رؤيتها للمسلسلات الدرامية ومساحة الحرية التي تتمتع بها، ويقول إن مسلسل «رسائل الحب والحرب» على سبيل المثال نال نصيب العرض رغم أنه يتناول فترة تاريخية حساسة، فيما لم تتجرأ أغلب القنوات الفضائية على عرض مسلسل «الليلة الثانية بعد الألف» ربما بسبب جرأته الكبيرة.

ويعتبر الممثل عباس النوري أن هناك بعض المحطات تحارب مسلسلات معينة بل لا تجرؤ على عرضها بسبب موضوعاتها السياسية الجريئة، وهو ما حصل مع مسلسل «الشتات» مثلاً الذي يتحدث عن هجرة اليهود إلى فلسطين والذي أنتجه تلفزيون «المنار» ولم توافق أي من المحطات العربية الأخرى على عرضه بعد تلفزيون «المنار».

ويخشى النوري على عمله الأحدث «الاجتياح» من أن يلقى مصيراً مماثلاً بسبب معالجته لقضية اجتياح مخيم جنين، ويرجع الممثل السوري خشيته إلى عدم تسويق المسلسل بشكل جيد، فلا يعرض في رمضان سوى على محطة «أل بي سي» اللبنانية، وهو يناشد المحطات العربية جميعها أن تتبنى المسلسل لأنه يحكي عن حقائق لا يمكن إخفاؤها.

دبي ـ نائل العالم