العاصمة السعودية الرياض في صيف العام 2003، صدمة كبيرة نتيجة عمل إرهابي كبير استهدف المدنيين العزل في حي راق يسكنه الكثير من رعايا الدول الغربية، راح ضحيته 23 مدنيا بريئا من ضمنهم أميركيون بطبيعة الحال، العملية أسفرت أيضاً عن مقتل 12 إرهابياً.
هذه الأحداث التراجيدية هي ثيمة فيلم الأكشن الجديد «المملكة» للمخرج والممثل الأميركي بيتر بيرغ، الذي يعد أوّل فيلم دراما سياسية أميركي تدور أحداثه في المملكة العربية السعودية، حيث تقرر ال«إف بي أي»، بعد وقوع الهجوم في الرياض، اتخاذ جملة من الإجراءات الإحترازية لحماية المواطنين الأميركيين والغربيين عموماً وأخذ المبادرة في تحمل المسؤولية. العميل رونالد فلوري (يلعب دوره في الفيلم الممثل جيمس فوكس) يقود وحدة خاصة لمكافحة الإرهاب بمساعدة العميلين جانيت مايس ( الممثلة جينفر جارنر) وآدم ليفت (الممثل جاسون باتمان) مع مجموعة أخرى من الكوماندوز يكلفون مهمة رصد وملاحقة المجموعة الإرهابية التي قامت بالهجوم بمساعدة قوى الأمن السعودي بقيادة العقيد الغازي (يلعب دوره في الفيلم الممثل من أصل فلسطيني أشرف برهوم)، وكانت المجموعة الأميركية قد درست العملية وخططت لها نظرياً في أحد المعسكرات الصحراوية المعزولة، لكنها تصطدم بالتفاصيل المعقدة على أرض الواقع، حيث الثقافة المجتمعية المختلفة والتقاليد المعقدة وبعض البيروقراطية في اتخاذ القرارات الصعبة والسريعة، الأمر الذي لم يكن مخططاً له ويزيد المهمة صعوبة وتعقيداً.
المخرج والممثل بيتر بيرغ صنع قبل ذلك ثلاثة أفلام هي على التوالي (أشياء سيئة جداً) 1998، الذي يصنف ضمن أفلام الجريمة الكوميدية ولعبت دور البطولة فيه الممثلة كاميرون دياز، وفيلم (الخلاصة) 2003، وهو أيضا من أفلام الأكشن واتخذ من ميدان كرة القدم مسرحاً لأحداثه، وفيلم (أضواء ليلة الجمعة) 2004، وهو من أفلام الدراما واتخذ من ميدان الرياضة أيضاً مسرحاً لأحداثه، والأفلام الثلاثة جميعها تفصح عن قدرة بيرغ المؤكدة في صناعة أفلام أكشن ممتازة، وهذا على الأقل ما يؤكده فيلمه الجديد (المملكة) الذي كتب السيناريو له ماثيو ميشيل كارنهان، وهو من كتّاب السيناريو الجدد والموهوبين إذ بدأ نجمه بالصعود بشكل مفاجئ بعد أن كتب سيناريوهات أفلام مهمة مازالت في مراحل التصوير حالياً، نذكر منها سيناريو فيلم (أسود للحملان) من أفلام الدراما، وفيلم(الجاز الأبيض) الذي يلعب دور البطولة فيه الممثل جورج كلوني، وفيلم (دولة اللعب) الذي يلعب دور البطولة فيه النجم براد بت، وجميعها من الأفلام التي ستعرض مطلع العام المقبل.
ويتوقع لها أن تحقق نجاحاً ملحوظاً لجهة الإستعدادات الكبيرة التي سبقت البدء بتصويرها والميزانيات الضخمة التي رصدت لها والنجوم الكبار الذين يلعبون دور البطولة فيها، والمثير في الأمر أن فيلم (المملكة) هو أوّل فيلم يقدم للجمهور من سيناريو كارنهان.
فيلم «المملكة» الذي رصدت له ميزانية ضخمة (80 مليون دولار) يعد الفرصة الأولى أيضاً للمثل جيمي فوكس للعودة لجمهوره في بطولة مطلقة، منذ فيلمه السابق (راي) في العام 2004، بعد أن توفرت له حرية أكبر في فيلم «المملكة» للتعبير عن قدراته الفذة كممثل أكشن من الطراز الأول.
الفيلم يقدم أيضاً الممثل الممتاز كريس كوبر الذي شاهدناه في فيلم (جمال أميركي)، وفيلم (تكييف)، والممثلان العربيان من أصل فلسطيني علي سليمان وأشرف برهوم بطلا فيلم (الجنة الآن) في العام 2005 من أخراج هاني أبو أسعد، الذي ترشح لأوسكار أفضل فيلم أجنبي في العام نفسه وفاز بجائزة الكولدن كلوب.
وكان برهوم درس المسرح في أكاديمية حيفا للفنون وبدأ حياته الفنية في مجال المسرح قبل أن يشارك في فيلم ( تدخل إلهي) الفائز بجائزة الجمهور في مهرجان كان السينمائي، وله أيضاً فيلم (الشهر التاسع) وفيلم (عروس سورية)، أما علي سليمان فله بالإضافة إلى فيلم (الجنة الان)، فيلم (نقطة تفتيش) وفيلم (عروس سورية).
وكانت الغالبية العظمى من مشاهد فيلم «المملكة» صورت في منطقة أريزونا الأميركية، ولكن أيضاً بعض المشاهد جرى تصويرها في الأردن، بعد أن تمكن صانعو الفيلم من محاكات البيئة السعودية بطريقة مذهلة، لاسيما القصور ومقرات الحرس الوطني والطرق السريعة ولوحات الدلالة وطبيعة السيارات ولوحات أرقامها والأزياء وطبيعة الأسواق السعودية.
وتعد هذه المرة الأولى التي يشاهد فيها جمهور السينما العالمية المملكة العربية السعودية من الداخل، لاسيما وإنه يطرح قضية غاية في الحساسية والخطورة، وهي قضية الإرهاب الدولي واستهداف المدنيين، وإذا ما تجاوزنا قضية التركيز على البطل الأميركي السوبر والمخلص الذي أدمنت أفلام الأكشن الأميركية تقديمه، فإن البطولة والذكاء اللذين أبداهما الضابط السعودي الغازي تدلل على أن الفيلم أنصف بشكل أو بأخر قدرة المملكة الأمنية وجديتها في مكافحة الإرهاب وكونها الشريك الجدي في الحملة الدولية لمقارعة خطره الداهم.
أمستردام ـ محمد حيّاوي


