أكد قانونيون وخبراء اقتصاديون ومحللون ماليون أن قضية استغلال المعلومات الداخلية من قبل العالمين ببواطن الأمور في الأسواق المالية الخليجية والعربية تحتاج إلى تشريعات رادعة وميثاق شرف مهني يشمل كافة العاملين بمهن الخدمات المالية ودعا الخبراء إلى ضرورة توفير نظام يكشف تحركات وتعاملات كبار التنفيذيين وأعضاء مجالس الإدارة وأقاربهم في الأسواق المالية خاصة في أسهم شركاتهم حماية للأسواق المالية وسمعة الاستثمار خاصة في عيون المستثمر الأجنبي وحماية لحقوق صغار المستثمرين بهدف تحقيق مبدأ العدالة والمساواة لا إهداره والتأكيد على مبدأ الشفافية والإفصاح وإلزام الشركات المساهمة بالتقيد به ووضع غرامات للمخالفين.

وعلى الرغم من انتهاء الفترة الأولى لقرار حظر التداول على أعضاء مجالس إدارات الشركات المساهمة السعودية وكبار التنفيذيين فيها بتداول أسهم شركاتهم (شراء أو بيع) والتي بدأ سريانها اعتبارا من اليوم السابع عشر من الشهر الماضي وانتهت أمس يرى الكثير من المساهمين والمحللين عدم كفاية هذا القرار وطالبوا بالبحث عن وسائل أخرى لضمان عدم التلاعب أو الاستفادة من المعلومات الداخلية للشركة.

ويتزامن انتهاء فترة حظر التداول التي فرضتها الهيئة المالية السعودية مع اليوم الذي يتم فيه تاريخ نشر إعلان النتائج المالية الأولية للشركات للربع الثالث من هذا العام .

وذلك وفقا لقواعد التسجيل والإدراج بهدف تحقيق العدالة والكفاية والشفافية في تعاملات الأسهم وضمان وصول المعلومة ذات العلاقة إلى جميع المستثمرين في وقت واحد والإفصاح الكامل عن المعلومات المتعلقة بالشركات في وقت حدوثها حتى لا يستفيد منها الأشخاص المطلعون في الشركة، سواء كانوا موظفين أو في مجالس الإدارات، وبالتالي تحقيق المساواة بين جميع المتداولين في الاستفادة من المعلومات التي يمكن أن تؤثر في سعر السهم.

تأثير سلبي على الاستثمار

ومن جهته قال رائد الحمران مدير وساطة في شركة ايفا للوساطة المالية انه وبدون شك هناك تأثير سلبي لاستغلال المعلومات الجوهرية على الاستثمار بشكل عام غير ان هذه القضايا تحدث بكثرة في أسواق المال الأجنبية مشيرا إلى أهمية الحظر في منع حدوث ذلك في الأسواق العربية كما ان الهيئة المالية في أسواقنا المحلية تقوم بمساءلة الشركات التي يلاحظ وجود تغير مفاجئ وغير مبرر في سعر سهمها وهنا تبرز أهمية الالتزام بمطلب الشفافية والإفصاح كمطلب أساسي.

واضاف ان لوزارة الصناعة والتجارة دورا أكيدا في هذا المجال بالإضافة إلى نظام حوكمة الشركات الذي يوفر مزيدا من الفاعلية في السيطرة على حالات التسرب المعلوماتية المحتملة بما يوفره من ضوابط وعقوبات رادعة.

وعلى الصعيد نفسه علق هاني حسين المحلل في شركة داماك للأوراق المالية قائلا إن هنالك أنواعا كثيرة من المعلومات فمنها ما هو مؤثر على سعر السهم ومنها ما هو غير ذلك وفي الأسواق المالية العالمية يتم وضع قيود على المتعاملين الذين لديهم علاقة بالشركات من خلال تشريعات رادعة لكل من يستغل المعلومات بهذا الشكل مشيرا إلى ما حدث في سعر سهم الشركة العربية للإنشاءات عام 1997 .

وهي شركة مدرجة في بورصة القاهرة اما هنا في المنطقة الخليجية فانه يوجد إلى حد ما قوانين تراعي هذه القضية لكن في بعض الأحيان يحدث ان تتحرك الأسعار ونعلم بعد ذلك بالأخبار التي حركت سعر السهم وحدوث هذا الأمر يجعل المستثمر الأجنبي يفكر كثيرا قبل الاستثمار في الأسواق المحلية لانه يعلم حينها ان هناك من يستغل موقعه في الحصول على المعلومة والنتيجة ان احجام تداولات الأجانب في هذه البورصة او تلك تكون ضعيفة.

وأضاف حسين انه في الأسواق العالمية المتقدمة تنص القوانين المنظمة لأسواق المال انه اي شخص يستغل اية معلومة جوهرية ويسربها لأقاربه بهدف استغلالها للتعامل بالأوراق المالية يقع تحت طائلة القانون ففي الولايات المتحدة لو قام شخص بتسريب معلومة لزوجته بطريق الخطأ وقامت هي بشراء اسهم والتداول بها فإنها تقع وزوجها تحت طائلة القانون.

ميثاق شرف مهني

وأكد انه على الأشخاص في المناصب القيادية ان يكونوا حريصين متكتمين وألا يتناقلوا الشائعات ايضا لان ذلك هو ضد الحرفية أصلا مشيرا إلى هذه الظاهرة موجودة في كل بورصات العالم لكنها تتفاوت حسب قوة التشريعات القانونية ففي أميركا تصل العقوبات إلى ملايين الدولارات كغرامة يدفعها المتهم.

وقال إن التشريعات مهما كانت رادعة فإنها لا تكفي فلا بد من توفر أخلاقيات مهنة او ميثاق شرف مهني يكون على مستوى العاملين في الخدمات المالية وعلى المحللين الماليين الا يضمنوا تقاريرهم المرسلة إلى عملائهم اية معلومات جوهرية علموها بطرقهم الخاصة والتي من شأنها التأثير على سعر السهم وان يكتفوا بإرسال التقارير الخالية من المعلومات الإخبارية الجوهرية وان يتوجهوا للشركة بطلب الإعلان عن هذه الأنباء ونشرها على الملأ بشكل رسمي.

وحول ان كانت التشريعات المالية في المنطقة الخليجية تتكافيء مع مثيلاتها من دول العالم قال انها لا تتكافيء واننا كدول نامية لا بد ان نشدد العقوبة على مثل هذه الممارسات المسيئة لسمعة الاستثمار والنشاط الاستثماري.

ومن الكويت قال المحلل الاستثماري ضاري الصباح إن الأسواق المالية الخليجية تعد من الأسواق الناشئة التي تتوفر فيها مسألة خروج المعلومات الداخلية بصورة أو بأخرى ولكن ليس بالحجم والشكل الذي يقال عنه مؤثر بالسوق أو بسمعة الاستثمار في هذه البلدان.

تطور الممارسات غير المشروعة

إلى ذلك قال الأستاذ الدكتور صالح احمد البربري مستشار ومحكم في منازعات أسواق رأس المال مستشار الجمعية المصرية للأوراق المالية استاذ زائر بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا ان مهارة اللصوص تنمو وتتطور بقدر يقظة الحراس هذه عبارة تعبر بصدق عما يدور في الأسواق المالية .

حيث يلاحظ تعدد وتطور وسائل الممارسات غير المشروعة التي ترتكب في سوق البورصة فقد تنشأ ممارسات يترتب عليها إهدار مبدأ المساواة في الحصول على المعلومات بين المتعاملين من ناحية كمية المعلومات ونوعها ومن ناحية توقيت الحصول على المعلومة واستغلالها لمصالح شخصية او عائلية.

وأضاف في دراسة أعدها حول هذا الموضوع إن أصل المسألة أن بعض المديرين يقوم باستغلال المعلومات السرية المميزة التي يحوزونها بسبب وظائفهم او مهنهم في إجراء عمليات في البورصة قبل ان تصل هذه المعلومات إلى الجمهور وعرفت هذه الممارسات بجرائم الـ insiders ونص عليها القانون الأميركي عام 1934 ودخلت القانون الفرنسي عام 1970 كونها تعني إهدارا لمبدأ التكافؤ في الحصول على المعلومات.

وبين البربري انه لكي تفقد المعلومة صفتها السرية يجب ان تنشر وفقا للشروط القانونية حيث يجب على الشركة ان تقوم بنشر المعلومات او ان ترسل منشورا للمساهمين وان تكون المعلومة ذات اثر على سعر الورقة المالية. وأردف قائلا إن مفهوم المعلومة السرية المميزة يعني تلك المعلومة التي لم تصل بعد إلى الجمهور وانها ذات طابع محدد تتعلق بورقة او عدة أوراق مالية من شأنها لو شاعت ان تؤثر على سعر الورقة أو الأوراق المالية في السوق.

تفاصيل حظر التداول

هذا وتحظر أنظمة السوق المالية السعودية على أي شخص يحصل بحكم علاقة عائلية أو علاقة عمل أو علاقة تعاقدية على معلومات داخلية بأن يتداول بطريق مباشر أو غير مباشر الأسهم التي تتعلق بها هذه المعلومات، أو أن يفصح عن هذه المعلومات لشخص آخر توقعا منه أن يقوم ذلك الشخص الآخر بتداول تلك الأسهم.

وإذا تبين لهيئة السوق المالية أن أي شخص قد اشترك أو يشترك أو شرع في أعمال أو ممارسات تشكل مخالفة لنظامها أو اللوائح والقواعد التي تصدرها الهيئة، فإنه يحق لها في هذه الحالات إقامة دعوى ضده أمام اللجنة لاستصدار قرار بالعقوبة المناسبة.

وقد تشمل العقوبات إنذار الشخص المعني، إلزام الشخص المعني بالتوقف، أو الامتناع عن القيام بالعمل موضوع الدعوى، إلزام الشخص المعني باتخاذ الخطوات الضرورية لتجنب وقوع المخالفة، أو اتخاذ الخطوات التصحيحية اللازمة لمعالجة نتائج المخالفة، تعويض الأشخاص الذين لحقت بهم أضرار نتيجة للمخالفة المرتكبة.

أو إلزام المخالف بدفع المكاسب التي حققها نتيجة هذه المخالفة إلى حساب الهيئة، تعليق تداول الورقة المالية، منع الشخص المخالف من مزاولة الوساطة، أو إدارة المحافظ، أو العمل مستشار استثمار للفترة الزمنية اللازمة لسلامة السوق وحماية المستثمرين، الحجز والتنفيذ على الممتلكات، المنع من السفر، المنع من العمل في الشركات التي تتداول أسهمها في السوق.

يذكر أن الفترة الثانية من الحظر بالنسبة للشركات التي تتبع التاريخ الهجري في سنتها المالية وتنتهي فترتها المالية الأولية في 29 من شوال الموافق 10 نوفمبر المقبل، فهي تبدأ من 16 شوال الموافق 28 أكتوبر المقبل، وتنتهي في تاريخ نشر إعلان بالنتائج المالية الأولية للشركة.

نظام يكشف تحركات كبار التنفيذيين

وأشار المحللون إلى أن القرار الأهم أن يتم تطبيق نظام يكشف تحركات المتملكين في السهم بكميات كبيرة سواء كان بيعا أو شراء، وإطلاع المتداولين على التغيرات الجوهرية التي تحدث على ملكيات الأسهم، ليكون الأمر أكثر شفافية.

وقلل محللون من أهمية هذا الإجراء وتأثيره في سوق الأسهم السعودية باعتباره لا يحقق المطلوب منه في تعاملات السوق، إذا لم يرتكز على إلزام أعضاء مجالس إدارات الشركات المساهمة وكبار التنفيذيين بالإفصاح عن نسب الملكية والإعلان عن أية تغييرات تطرأ على أسهم الشركات.

ويستند المحللون في تقليلهم من أهمية تطبيق مثل هذا الحظر، إلى عدم وجود ما يضمن عدم التحايل على هذه القرارات كالشراء الذي يسبق فترة الحظر بناء على استغلال معلومات داخلية، والبيع بعد فترة الحظر المنتهية بتاريخ نشر إعلان القوائم المالية، ولم يستبعد المحللون أن يكون هناك استخدام لأسماء أخرى من العائلة أو الأقارب للتحايل على قرار الحظر كما يحدث في معظم البورصات العربية على حد قولهم.

دور حوكمة الشركات

وحول دور الحوكمة في منع استغلال المعلومات الداخلية يرى بعض المحللين أن المستثمرين والمضاربين إن التطبيق الحقيقي لقواعد وضوابط الحوكمة يحقق الشفافية والعدالة ويجيز مساءلة إدارات الشركات مما يحمي المساهمين وحملة الوثائق جميعا ويراعي مصالح العمل والعمال والحد من استغلال السلطة في غير المصلحة العامة ما ينعكس إيجابيا على تنمية الاستثمار وتشجيع تدفقه وتنمية المدخرات وتعظيم الربحية وإتاحة فرص عمل جديدة، وسيما أن الحوكمة تزيد من الثقة في الاقتصاد القومي وتعمق دور سوق المال وزيادة قدراته على تعبئة المدخرات ورفع معدلات الاستثمار.

والمحافظة على حقوق الأقلية من صغار المستثمرين ما يشجع على نمو القطاع الخاص ويدعم قدراته التنافسية ويساعد المشاريع في الحصول على التمويل، وتوليد الأرباح كما إن عملية الإفصاح عن المعلومات المالية تعتبر عاملا مهما في تخفيض تكلفة رأسمال المنشأة وضمان استمراريتها في أداء أعمالها.

حيث إن الحوكمة تسهم في جذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية وتساعد على الحد من هروب رؤوس الأموال ومكافحة الفساد المالي والإداري اللذين يقفان عثرة في طريق التنمية الاقتصادية ويؤديان إلى ازدياد إتاحة فرص التمويل ذي التكلفة المنخفضة ما يزيد من أهمية الحوكمة بشكل خاص في الدول النامية إلى جانب أن حوكمة الشركات الجيدة التي ترفع من معدل الإفصاح والشفافية .

وتقدم المعلومات المالية المهمة تخفض من تكلفة رأسمال المنشآت الصغيرة والمتوسطة من خلال اكتشاف نقاط القوة والضعف حتى يمكنّها من تحسين أدائها التشغيلي وتنويع استثماراتها ما يرفع من العائد على استثماراتها.

دبي ـ حسين حمادنة