يرى محللون أن هناك حيزا متسعا من الخيارات التي تمكن من احتواء تداعيات قرار بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي بخفض سعر الفائدة.

واقترح محللون رفع رأسمال البنوك العاملة في الدولة كآلية تعين الدرهم على مواجهة التحدي الذي خلفه قرار بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي بخفض سعر الفائدة بمقدار نصف نقطة مئوية، ورأي أصحاب هذا الرأي أنه من شأن اتخاذ مثل هذه الخطوة، أن يوفر آلية لمصرف الإمارات المركزي في السيطرة على الضغوط التضخمية التي ينذر قرار خفض الفائدة الأميركية بتفاقمها في ضوء التراجعات المتوقعة في سعر صرف الدولار في مواجهة العملات الرئيسية.

وما يتبعه من ضغوط تثقل على العملات الأخرى المرتبطة به، وعدد المحللون فوائد إتباع مثل هذه الآلية بأنها تمكن من السيطرة على مستويات السيولة وكبح معدلات التضخم، من دون أن يضطر مصرف الإمارات المركزي إلى التخلي عن سياسة ربط الدرهم الإماراتي بالدولار الأميركي، كما تمكنه من مواجهة الضغوط المرشحة للتفاقم في حالة تحقق التوقعات القائلة بأن بنك الاحتياط الفيدرالي سيقوم بخفض أسعار الفائدة بنسبة 1 % بحلول نهاية العام الجاري.

تعدد الاحتمالات والخيارات

وقد رد مصرف الإمارات المركزي على قرار بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي في 18 سبتمبر والخاص بخفض الفائدة بأن قام بخفض أسعار الفائدة على شهادات الإيداع لآجال أسبوع وشهر وثلاثة أشهر بواقع 15 نقطة أساس.

حيث خفض سعر الفائدة على شهادات الإيداع لأجل أسبوع إلى 60, 4% من 75 ,4%، كما خفض الفائدة على شهادات الإيداع لأجل شهر إلى 70 ,4% من 85 ,4% وعلى الشهادات لأجل ثلاثة أشهر إلى 80 ,4% من 95 ,4%. وخفض البنك الفائدة على الشهادات لأجل ستة أشهر 20 نقطة أساس إلى 80 ,4%.

وأعتبر محللون أن رد المصرف المركزي الإماراتي بإجراء خفض أقل من الخفض الذي قام به بنك الاحتياط الفيدرالي، قد فتح الباب على مصراعيه أمام احتمالات عده، فعلي الرغم أن معدل الفائدة الأميركية يمثل سعر الفائدة لليلة واحدة، باعتبار أن بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي يسيطر فقط على هذا النوع من الفائدة ،فيما يحدد السوق أسعار فائدة الآجال الأخرى.

ومن ثم، فأن خفض الفائدة الأميركية بمقدار نصف نقطة مئوية أي 50 نقطة أساس لتبلغ 75, 4 % من مستواها السابق البالغ 25, 5 %، وبالنظر إلى الحلات السابقة التي كان فيها يقتفي مصرف الإمارات المركزي قرارات الفائدة الأميركية كان من المفترض أن يتراوح سعر الفائدة على شهادات الإيداع لأجل شهر بين 8 ,4 و9 ,4 % كحد أقصي، بحيث لا يكون الفارق بين سعري الفائدة في البلدين كبيرا، بيد أن رد فعل مصرف الإمارات المركزي قد أشر على وضع الخيارات على مائدة البحث والدراسة.

وقد عمق قرار بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي من حالة الفجوة بين الأوضاع النقدية في الولايات المتحدة، وتلك الموجودة في دول مجلس التعاون الخليجي التي ترتبط عملتها بالدولار الأميركي، حيث أظهر هذا القرار أن صانعي السياسة النقدية في الولايات المتحدة صاروا يعطون أولية لتوسع النمو الاقتصادي على نحو يفوق أولوية محاربة التضخم، والقرار بحد ذاته ليس مفاجئا.

حيث ترقبته الأسواق ولكن المفاجأة تمثّلت في حجم الخفض والذي أجمع أغلب المحللين على أنه لن يتجاوز ربع نقط مئوية، ويعد الخفض المرة الأولى التي يلجأ فيها بنك الاحتياط الفيدرالي إلى إجراء خفض في نسب الفائدة منذ أربع سنوات، وجاء القرار بعدما أبدى عدد من خبراء الاقتصاد والنقد في الولايات المتحدة قلقهم البالغ حيال مستقبل الوضع الاقتصادي في البلاد، إذا لم يتمّ خفض النسبة.

وجاءت مطالبة الخبراء بعدما أظهرت بيانات العمل في الولايات المتحدة نتائج سلبية للشهر الجاري، مما دفع البعض منهم إلى قرع ناقوس الخطر، محذرين من أن أزمة القطاع العقاري بدأت ترخي بظلالها على مجمل الأوضاع الاقتصادية.

وكان سريان توقعات خفض الفائدة الأميركية كفيلا بإثارة قلق المصارف المركزية من تزايد صعوبة المساعي الرامية لاحتواء التضخم الذي بدأ يستشري في دول التعاون الست، حيث صرح حينذاك معالي سلطان ناصر السويدي محافظ مصرف الإمارات المركزي بأن البنوك المركزية في الدول الخليجية الست ستجتمع لتنسيق رد فعلها تجاه أي خفض لأسعار الفائدة من جانب مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي) مشيرا أن تراجع الدولار أفاد اقتصاد الإمارات في المحصلة النهائية ويفيد الصناعة المحلية والصناعات التحويلية والسياحة.

ورغم تأكيدات السويدي، أن البنوك المركزية تخطط لتنسيق رد فعلها تجاه أي خفض لأسعار الفائدة من جانب مجلس الاحتياطي الاتحادي، إلا أن حمد السياري محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي قد أكد في وقت سابق من هذا العام أن «ساما» ليست مضطرة لمجاراة تغييرات أسعار الفائدة التي يجريها مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي) وان خياراتها مفتوحة، مؤكدا أن المملكة يربطها اتفاق بالبقاء في حدود السعر الساري وعدم تغيير سياسة الصرف الأجنبي حتى تنتهي الترتيبات للوحدة النقدية التي تعتزم دول الخليج تطبيقها.

تجدد الجدل

ومع الانفصام الحاصل بين الأوضاع النقدية في الولايات المتحدة وتلك الموجودة في دول مجلس التعاون الخليجي، ظهر مجددا السؤال الذي جري تداوله منذ وقت طويل مضي، وهو، هل يقوم مصرف الإمارات المركزي بإعادة تقييم سعر صرف الدرهم الإماراتي ؟ وهل يتخذ قرار بفض علاقة الارتباط بين الدرهم الإماراتي والدولار الأميركي ؟.

ويرصد محللون أن الخيارات الطبيعية المتاحة لمصرف الإمارات المركزي أسوة بالمصارف المركزية الأخرى تتراوح بين الاستمرار في سياسة ربط الدرهم مع الدولار الأميركي، مع ما يعنيه ذلك من تفاقم ضغوط التضخم المستورد، أو فك ارتباط الدرهم بالعملة الأميركية، والسعي إلى وضع نظام نقدي يستند إلى سلة عملات، يجري وضعها وتصميها بدرجة عالية من الإتقان.

ولكن أغلبية الخبراء الماليين - حسبما ورد في مجلة بيزنيس ويكلي في عددها الأخير - يرون أن الإستراتيجية المثلي المتاحة أمام مصرف الإمارات المركزي هو رفع نسبة احتياطيات المصارف العاملة في الدولة، وهو الأمر الذي سيسهم في كبح السيولة الزائدة واحتواء نمو الائتمان ، وأشار هؤلاء الخبراء أنه يتوافر أمام مصرف الإمارات المركزي حيزا متسعا لتبني مثل هذه الآلية.

حيث أن نسبة احتياطيات المصارف في الدولة مازالت منخفضة بالمقارنة مع العديد من الاقتصاديات، ومن ثم، يستطيع مصرف الإمارات المركزي احتواء معدل التضخم، من دون أن يغير سياسة ربط الدرهم بالدولار الأميركي، وذلك حتى في حالة قيام بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي بإجراء المزيد من التخفيضات في أسعار الفائدة.

وفي مارس من العام الجاري، رددت وسائل الإعلام معلومات عن قيام الجهات المختصة بدراسة اقتراحا لرفع الحد الأدنى لرأسمال أي مصرف تجاري أو إسلامي يعمل بالدولة إلى 100 مليون درهم مدفوعا بالكامل مقابل حد أدنى يبلغ 40 مليون درهم حاليا بزيادة تبلغ 60 مليون درهم وبنسبة 150%.

وجاء هذا الاقتراح ضمن التعديلات المقترحة على بعض مواد القانون الاتحادي رقم 10 لسنة 1980 في شأن المصرف المركزي والنظام النقدي وتنظيم المهنة المصرفية التي يجري مناقشتها حاليا من قبل الدوائر المختصة في المصرف المركزي والجهات التشريعية والمالية الأخرى بالدولة، ويأتي هذا التوجه لرفع الحد الأدنى لرأسمال المصارف التجارية والإسلامية العاملة بالدولة بهذه النسبة بعد ان أصبح مبلغ 40 مليون درهم الحد الأدنى الحالي لرأس المال لا يتناسب مع متطلبات مواجهة المخاطر لدى البنوك.

كما أن بنوك الاستثمار وبنوك الأعمال ستقوم بتمويل المشاريع الكبيرة لذلك فهي بحاجة لرأسمال اكبر، وأفادت المعلومات المنشورة بأنه من المقترح تعديل المادة 80 من القانون الاتحادي رقم 10 لسنة 1980 بالفصل الأول من الباب الثالث المتعلقة بتنظيم المهنة المصرفية والمالية لتنص في بندها الأول على انه لا يجوز ان يقل رأسمال المصرف التجاري أو الإسلامي عن مئة مليون درهم مدفوعا بكامله وفي بندها الثاني على انه لا يجوز أن يقل رأسمال المصرف الاستثماري أو مصرف الأعمال عن خمسمائة مليون درهم مدفوعة.

كما انه من المقترح أن ينص البند الثالث بالمادة نفسها على انه على فروع أي مصرف أجنبي أن تثبت أنها خصصت مثل هذا المبلغ لعملياتها في الإمارات ويمكن لمجلس إدارة المصرف المركزي الموافقة لفروع المصارف الأجنبية التي تستوفي شروط ومعايير محددة أن تودع كفالة مصرفية من مركزها الرئيسي مقابل رأس المال المطلوب.

ومن المقترح كذلك تعديل المادة 77 بالقانون الحالي لتنص على سريان أحكام هذا الباب على المصارف التجارية والمصارف الإسلامية والمصارف الاستثمارية ومصارف الأعمال وشركات التمويل وشركات الاستثمار وشركات أو مؤسسات الصرافة والوسطاء النقديين وصناديق الاستثمار والمستشارين اقتراح توسيع النشاطات التي تقع تحت مسؤولية المصرف المركزي بسبب إيجاد صنف جديد من البنوك وهي بنوك الأعمال وضرورة تحديد المقصود بالمؤسسات المالية وتحديد مسؤولية المصرف المركزي شأن صناديق الاستثمار ومديري الأموال.

مساحات الثقة

ويعزز مساحة الخيارات المتاحة أمام مصرف الإمارات المركزي، وجود أفق تتسم بتألق الثقة في مستقبل الاقتصاد الإماراتي، فرغم ارتفاع الأسعار وتصاعد تكاليف المعيشة، إلا أن دراسات المسحية التي أجريت مؤخرا حول الثقة في الاقتصاد الإماراتي، قد كشفت عن بلوغ الثقة درجات عالية من القوة .

حيث أحتل الاقتصاد الإماراتي احتل المرتبة الرابعة عالمياً، بعد الهند والنرويج والدنمارك، من حيث ثقة المستهلكين وفقاً للاستطلاع العالمي الثاني لثقة المستهلكين الذي أجرته عبر الإنترنت (ذا نيلسن كومباني)، التي تعمل في مجال أبحاث السوق.

وورد كذلك في سياق دراسة أعدتها شركة «دي إس إل» للمعارض، والتي تنظم معرض إعادة بيع وتأجير العقارات حول قياس تأثير التضخم على نمو سوق العقارات في دبي ونوعية أسلوب حياة سكان الإمارة والتغيرات الحاصلة على أنماط إنفاقهم.

وخلصت الدراسة إلى أنه فيما تُشّكل المسائل المتعلقة بارتفاع تكلفة المعيشة مشكلةً معقدة بالنسبة إلى عدد من السكان في الوقت الحالي بطبيعة الحال في إمارة دبي، يستمر سكان الإمارة في إظهار مرونة وثقة واضحة في مستقبل اقتصاد الإمارات من خلال استمرارهم في التفاؤل وروحهم المعنوية العالية».

وانه على الرغم من تغير أنماط العيش في الإمارة وتزايد معدلات التضخم الذي رافق طفرة الأعمال السريعة، إلا أن هناك تزايداً في معدلات الأرباح على مستوى الأفراد والشركات، ومع أن معظم المستطلعة آرائهم أعربوا عن حدوث انخفاض في حجم مدخراتهم، إلا أنهم وبشكلٍ عام يدفعون اليوم فوائد أكبر على قروضهم المصرفية، وهو ما يعكس بوضوح التفاؤل الذي يحدوهم حول إمكانية حدوث تغير إيجابي في مستقبلهم المالي بشكلٍ عام.

تفاقم مشاعر القلق

تفاقم الشعور بالقلق من مضاعفات أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة، وطفا على السطح التساؤل حول كيفية مواجهة تصاعد الضغوط التضخمية في الدول الخليجية، ومن ثم ،راجت تحليلات تتحدث عما إذا كانت السياسة النقدية في الإمارات صارت مهيأة لأن تتخذ مسار خاص على قائم استهداف التضخم أسوة ببعض المصارف المركزية في أوربا وآسيا.

وعالجت هذه التحليلات الخيارات الماثلة أمام مصرف الإمارات المركزي، حيث أوضحت أن قرار بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي قد وضع المصارف المركزية في الدول التي تتبع سياسة ربط عملتها مع الدولار، إزاء خيارين يتمثلان في مواصلة الربط مع الدولار، بما يعنيه ذلك من ضرورة التهيؤ لمواجهة تخفيضات أخري في أسعار الفائدة .

والتي ربما تصل إلى 1 % بحلول نهاية العام الحالي، أو فض علاقة الربط مع الدولار، بما يعنيه ذلك من إتباع سياسات صرف أخري، كتلك القائمة على سلة عملات، وبالتالي، صار المحللون يتساءلون عن الخطوة التالية التي تعتزم دول مجلس التعاون الخليجي اتخاذها إذا ما قام بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي بإجراء من المزيد من التخفيضات في أسعار الفائدة.

حيث ستكون التداعيات أكثر فداحة، وسيطل التضخم بوجه الكئيب على مختلف النشاط الاقتصادي من العقارات وأسعار مواد الغذائية وإيجارات، أكثر من ذلك، فأن المزيد من الخفض في الفائدة الأميركية سيكون له أثر سلبي على الدولار الأميركي.

وستفقد العملة الأميركية الكثير من المقومات السوقية الداعمة لها، وهو ما سيدفعها نحو المزيد من التراجع، وهو ما سيرسل أسعار صرف العملات المرتبطة نحو مستويات منخفضة في مواجهة كافة العملات الأخرى، الأمر الذي من شأنه أن يمهد الطريق نحو زيادة وطأة التضخم.

وفي هذا المجال، رجح تقرير حديث أعدته مؤسسة الوساطة المالية «إتش سي بروكريدج» إن اقتصاديات دول المجلس والتي تربط عملاتها المحلية بالدولار الأميركي سوف تواجه تهديدات خطرة بارتفاع مستويات التضخم لدى قيام المركزي الأميركي بخفض الفائدة، مؤكدة أن الوضع سيكون أكثر صعوبة بالنسبة للإمارات ولقطر مع وصول مستوى التضخم، وفقاً لبعض التقديرات الرسمية، في الدولتين إلى 3 ,11% و8, 12% على التوالي.

وبحسب التقرير يوجد خياران أمام دول المنطقة لمواجهة الموقف فإما أن تكتفي بخفض الفائدة لتواجه خطر خروج مستويات التضخم فيها عن نطاق السيطرة، أو أن تحذو حذو الكويت التي تخلت عن ربط عملتها المحلية بالدولار الأميركي في مايو الماضي.

دبي ـ مجدي عبيد