وسع مسلسل «فريج» الكرتوني من هامش الانتقاد والسخرية، ولتصب بطلاته العجائز كما كبيرا من السخرية أثار بعض الأفراد والمؤسسات على حد سواء في حلقات العمل التي قاربت على نهايتها. ويبدو أن محمد سعيد حارب، مخرج العمل وصاحب فكرته، قد ادخر حلقات ذات إشكالية ما لينهي بها مادته الكرتونية تلك والتي أصبحت محط أنظار الناس الذين تابعوها بحب شديد.
بطبيعة الحال لا يمكن أن تمر مادة ساخرة في الأعمال الكوميدية بدون أن تطالها بعض الأقلام والآراء التي تنال منها، ولكن هذا لا يمكن أن يؤثر بأي حال من الأحوال على سوية عمل قدم نفسه من الصفر ووصل لقمم كثيرة وهو وما زال يحصد النجاح وقد تحول إلى مؤسسة فنية تتابع تفاصيل هذا النجاح وتسعى إلى تقديم الجديد دائما. المتابع لمسلسل «فريج» يمكن أن يلحظ تطورا وفاعلية درامية على عدة مستويات، المستوى الأول هو مستوى لغة الكتابة الدرامية الراقية التي عالجت الكثير من الأزمات، ولفتت الأنظار إلى جهود نوعية ومهمة على مستوى الإفادة من الموروث الشعبي وتطوير الشخصية من خلال لعبة النمط الدرامي، وحسنا فعل حارب بتوزيعه مهام الكتابة على عدة كتاب شباب منوها بأهمية أن يكون لكل كاتب دور ما في العملية الدرامية.
وهذه سابقة في الدراما العربية أن يكون هناك أكثر من كاتب في العمل الواحد، وربما استطاعت الكوميديا أن تمهد لحضور نشيط لكتاب الدراما حسب ما قاله المخرج الشاب محمد سعيد حارب في حديث ل«البيان» قال فيه مؤكدا: «أن الجزء الثالث من «فريج» سيحفل بمفاجآت مهمة على أكثر من صعيد، ونحن نحاول الإفادة من الكتابة الدرامية الراقية للعمل لأن النص هو الأساس في العمل التلفزيوني وتحديدا في أعمال تأخذ شكل السلسلة الدرامية.
وبالتالي نحن نعول على النص، والحمد لله وفقن بثلاث كاتبات كان لكل واحدة فيهن اختصاص في العمل، ولاحظت أن التخصص في هذا الأمر قد يسهل علينا المهمة ولأنني أحب أن يقدم العمل في صيغة التراث والسخرية فقد اعتمدت على كتاب وزعت المهام عليهم بحيث يختص كاتب بالتراث ومفرداته، وكاتب آخر يختص بخلق الجو الكوميدي للعمل اعتمادا على هذه القصص، وكاتب ثالث يطبخ القصة والموقف ويرسم لها الخطوط النهائية.
والموضع برمته يمر عبر مصفاة الإخراج، وهذا كله عمل صعب بطبيعة الحال هناك في طاقم الإعداد من هو مسؤول عن المفردات التراثية، وهناك من هو مسؤول عن الحس الكوميدي، وثمة من يتابع إيقاع النص وعلاقات الشخصيات بعضها البعض، بالنسبة لي هناك حرص على أن يكون إيقاع العمل حيويا لأنه ببساطة قد يصاب المشاهد بالملل أذا أحس أن هناك تكرارا أو أن العمل استنفذ أهدافه».
وإذا تعرضنا لمستوى آخر فإن الجزء الثاني أظهر عناية بمبدأ التحريك والانتقالات الزمانية والمكانية، وهنا يمكن أن نشيد بجهود تجهيز الجو العام للحلقات وتقديم اكسسوارات وديكورات تتناسب والطريقة الإخراجية في التحريك، وقد راعى الجزء الثاني حركة العجائز الطاعنات في السن وبالتالي استفاد من بطء حركتهن لتوليد مواقف كوميدية.
ويبرز الجانب الأكبر في عملية التطوير تلك التي تمثلت بتوسيع هامش الانتقاد والسخرية، الأمر الذي خلق معارك بين مؤيد ومعارض لما طرحه «فريج» قبل أيام لقيام العمل بانتهاك المحظورات، ولا شك أن تصريحات كهذه من شأنها أن تخلق بلبلة كبيرة في الأوساط العامة والاجتماعية لا سيما وأن هناك فئات تصطاد في الماء العكر - حسب ما وصفه المخرج محمد سعيد حارب - كي تروج لمواقفها الرخيصة لأن الحلقة، والكلام لحارب طبعا.
مدروسة بعناية وكل كلمة فيها لها دلالتها الدرامية واللفظية المحددة بدون شطط، وفي المقابل نحن حريصون على ديننا الحنيف وحريصون أيضا على تسليط الضوء على الفئة التي تتخذ من الدين وسيلة لتمرير مشاريع مزيفة، ويضيف حارب قائلا: «لن أخاف من أن أتحدث عن كل ما من شأنه أن يؤذي الناس ويسيء إليهم، لن أضيق الهوامش التي رسمناها لأنفسنا.
وسأترك الباب مفتوحا للنقد البناء وحبذا لو توقف البعض عن بيع المواقف الوطنية والدينية، ففي داخلنا وطنيات بحجم أوطاننا، وكلنا مسلمون ونفخر بديننا الحنيف ولا يمكن أن أتراجع عن هذا المشروع الذي صار ملك الناس، كما لا أريد أن أظهر بمظهر المدافع لأن «فريج» بكامله مكتوب بطريقة مبرمجمة وهادفة لا لبس فيها، ونفخر بأننا نحقق نجاحا هاما للعام الثاني على التوالي».
نودع «فريج» هذا العام ونحن نأمل أن تمتد حلقاته لتغطي شهر رمضان بالكامل بعد ان تحدث عن الكثير من القضايا والمشاكل التي تواجهها المجتمعات الخليجية والعربية، والبصمة التي يفخر بها طاقم العمل أنه إماراتي ومشغول بنفس إماراتي، وإذا كان عند العجائز كل شيء جائز، ففي عالم الدراما كل عمل قدم له جهدا سيلقى إقبالا عند الناس، ولم يسبق أن حظيت دراما إماراتية بمثل هذا الانتشار والقبول بين الناس، كما لم يسبق أن تطوعت قناة بث محلية لعرض مسلسل كرتوني ناطق باللهجة المحلية.
ولكن مسلسل «فريج» في جزأيه الأول والثاني استطاع أن يخطف الأضواء من الأعمال الأخرى، وهو يقدم عبر أثير دبي وسما دبي، بحيث اخترقت تلك الرسوم المتحركة العقول والقلوب لدى الكبار والصغار، محدثة بمادتها الانتقادية الساخرة أثرا طيبا وحديثا يطول لساعات بين الناس في المقاهي والبيوت والأماكن العامة.
دبي ـ جمال آدم

