صار مشروع دولفين للطاقة أقرب ما يكون إلى »حالة دراسية« يداعب مخيلة باحثين ومحللين يطمحون إلى التعرف على سر نجاحه ومواطن قوته التي كفلت خروجه إلى حيز الوجود بحسب الرؤى والتصورات الموضوعة له سلفا، في حين، تعثرت الكثير من مشروعات إمدادات الغاز الطبيعي العابرة للحدود.
وتنوعت الإجابات على هذه الإشكالية، وفقا لزاوية التحليل، ما بين تقييم المشروع في سياق تحليل تصاعد الطلبين المحلي والعالمي على الغاز الطبيعي، وتناوله من زاوية قوة العلاقات التي تربط بين الدول المنخرطة فيه، وذهبت بعض الآراء إلى النظر إلى مشروع دولفين على أنه يبشر باحداث تغييرات راديكالية في سوق الغاز الطبيعي العالمي، بل أعربت وجهات نظر عن تقديرها بأن المشروع يكفل تلبية احتياجات جيل أو أكثر من الغاز الطبيعي. وتظهر الخبرات الأخرى لصفقات نقل الغاز الطبيعي عبر الحدود مدي هشاشة اتفاقيات إمدادات الطاقة، وعدم قدرتها على الصمود أمام تغير الأسعار، خاصة عندما تمضي الأسعار قدما نحو الصعود بشكل يفوق الأسعار المتفق عليها، ولكن تمكن مشروع دولفين من تقليل أوجه عدم اليقين والتأكد إلى أدنى مستوى.
وعلى الرغم من التحديات الاقتصادات المخيمة على بيئة أسعار النفط المرتفعة على مستوي العالم، إلا أن الإمارات تمكنت من وضع نفسها في موقع ملائم للتعامل مع هذه التحديات، وحتى لو أفرزت الأسعار المرتفعة وإعادة الهيكلة الاقتصادية مشاكل في المستقبل بالنسبة للمشروع والدول المعتمدة عليه، إلا أنه بالتأكيد يوفر لمنطقة الخليج آفاقا أكثر أمانا بشأن إمدادات الطاقة في المستقبل.
علاقات تحالف وثيقة
وبمعزل عن حقيقة ارتباط مشروع دولفين بأكبر احتياطات للغاز الطبيعي في العالم والتي تمثل إحدى مواطن قوته، تبرز ميزة أخرى من شأنها أن تعضد مكانته في مواجهة التحديات، وهي ضمه دولا ترتبط فيما بينها بعلاقات تحالف وثيقة، فضلا عن وجود درجة عالية من الاعتماد المتبادل فيما بينها، حيث جرى تصميم المشروع بشكل خاص لتوفير إمدادات الغاز الطبيعي إلى محطات توليد الطاقة الكهربائية وكبار مستهلكي الطاقة في الإمارات المتحدة وعمان.
وتجتمع الآراء على أن مشروع دولفين سيمضي قدما في تنفيذ الخطط الموضوعة والرامية إلى توسيع دورة على صعيد الأسواق. وتتجسد أهداف هذه الخطط في رؤية سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس إدارة شركة دولفين للطاقة التي صاغها لدى تدشين سموه اللحظة التاريخية لبدء تدفق إمدادات الغاز بقوله: ان مشروع دولفين جاء تنفيذا لرؤية المغفور له ـ بإذن الله ـ الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله. هذه الرؤية التي نالت دعم صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، والشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير دولة قطر.
وقد أشرف على تنفيذها الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، ورحب سموه بأخبار تدفق إمدادات الغاز الطبيعي من قطر إلى الإمارات قائلا »أصبحت منشآت المشروع الآن قيد العمل ونحن نقوم حالياً بإدارة وتنظيم كافة مراحل الإنتاج، وصولا إلى إمداد عملائنا بالغاز، لتكون المرحلة الأخيرة المتبقية هي زيادة كمية الإنتاج تدريجياً لتصل إلى الكمية القصوى وهي مليارا قدم مكعب يومياً في بداية العام 2008م .
وقادت المنازعات التي أحاطت المشروعات الأخرى لتوريد الغاز عبر الحدود إلى تداعيات على الأجل القصير، ولكنها لم تظهر إمكانية لأن تفضي إلى تأزم في العلاقات الدولية، ويبدو أن الاتفاقيات في مجال إمدادات الطاقة – بحسب بعض الآراء ـ يحكمها قانون الغابة.
ويؤمن المحللون بأنه من غير المحتمل أن تثار مثل هذه التوترات بين دول مجلس التعاون الخليجي، وذلك على الرغم من بروز أوضاع تشير إلى عدم تطابق وجهات نظر هذه الدول بشأن قضايا معينة.
خانة المشروعات الرابحة
ويعود سر انجذاب المحللين نحو المشروع إلى بروزه كحقيقة نابضة بالحياة على أرض الواقع، وتجلي عناصر ومقومات نجاحه أمام الأعين، فمن ناحية، صار الإنتاج متاحا للمستهلكين، مع بدء تدفق الغاز الطبيعي من حقل الشمال القطري إلى المستهلكين والمتعاقدين في الدولة.
ومن ناحية ثانية، أظهرت الأطراف المتعاقدة تمسكا باستمرار تقديم الدعم، ومن ناحية ثالثة، تأسست عناصر بنيته التحتية، وتم كل ذلك، من دون أن تلوح آفاق تنذر بوجود عثرات تعترض نموه في المستقبل، ومن دون ظهور أية بوادر تنم عن مشاكل مستقبلية ومن ثم، دخل المشروع في خانة المشروعات الرابحة.
يضاف إلى ما سبق، حقيقة أن المشروع يعتبر من المشروعات الضخمة، فهو يعد أحد أهم مشروعات البنية التحتية في دول مجلس التعاون الخليجي، ويعتبر كذلك أكبر مبادرة للطاقة في الشرق الأوسط قد جرى اتخاذها حتى الآن، ويجلب المشروع معا ثلاث دول في مجلس التعاون الخليجي في إطار شبكة طاقة إقليمية ذات أهمية استراتيجية.
ومن ثم، لا يعتبر مشروع دولفين للطاقة واحدا من أكبر مشروعات الغاز الطبيعي على مستوى العالم فحسب، بل يعد كذلك برنامجا فريدا ومتميزا لتوفير الإمدادات الهيدروكربونية لكل من قطر والإمارات وسلطنة عمان في إطار شبكة جديدة للغاز الطبيعي بمنطقة مجلس التعاون الخليجي.
واثر تدفق الغاز الطبيعي من حقول الإنتاج البحرية لمشروع دولفين في قطر إلى الإمارات المتحدة، على أن المشروع الذي استغرق تنفيذه تسع سنوات، وتكلف ما يقرب من 7 مليارات دولار، قد بدأ يؤتي ثماره، الأمر الذي يبشر – من وجهة نظر البعض - بإحداث تغييرات جذرية في سوق الغاز الطبيعي العالمي، بل تذهب بعض التقديرات إلى القول بأن المشروع يكفل تلبية احتياجات جيل أو أكثر من الغاز الطبيعي.
وسيسهم مشروع دولفين في رأي بعض المحللين في زيادة حصة الدول الخليجية في الإنتاج العالمي من الغاز الطبيعي بشكل مؤثر خلال السنوات القليلة المقبلة، وتشير بعض التقديرات إلى ان إنتاج قطر من الغاز الطبيعي المسال سيقفز خلال السنوات الثلاث المقبلة ليشكل 30% من إجمالي الإنتاج العالمي، حيث تظهر أحدث الأرقام أن منتجي دول مجلس التعاون الخليجي يضخون حوالي 10% من إنتاج الغاز الطبيعي على مستوى العالم.
ومن بين كبار المستهلكين الذين جرى التوقيع معهم على عقود إمداد طويلة الأجل، كل من هيئة مياه وكهرباء أبوظبي، وشركة »الاتحاد« للماء والكهرباء، وهيئة دبي للتجهيزات والتي توصلت إلى اتفاق مدته 25 عاما لتوريد منطقة جبل على بنحو 200 مليون قدم مكعب يوميا، وفي السياق ذاته، وقع مشروع دولفين للطاقة اتفاقا بتوفير 200 مليون قدم مكعب يوميا من الغاز الطبيعي لشركة النفط العمانية بدءا من عام 2009.
وأرجعت بعض الآراء أسباب قوة المشروع إلى كونه يرتبط بأكبر حقول الغاز على مستوى العالم، وهو الأمر الذي يجعل المشروع أحد صفقات الطاقة الأكثر أهمية على مستوى العالم، حيث تمتلك قطر في مياهها الإقليمية أكبر حقل للغاز الطبيعي على مستوى العالم، وهو حقل الشمال الذي يحتوي على احتياطيات ضخمة من الغاز الطبيعي، وسوف يقوم مشروع دولفين بضخ الغاز عبر خط أنابيب طوله 400 كلم وقطره 48 بوصة إلى مصنع للمعالجة في المدينة الصناعية برأس لفان في قطر شمال مدينة الدوحة، وهناك، يجري استخلاص المكثفات والغاز البترولي المسال والمنتجات الأخرى المصاحبة.
وذلك قبل ضخ الغاز المكرر إلى محطة الطويلة في أبوظبي عبر خط أنابيب طوله 370 كيلو مترا، ومن هناك، يتم توريد الغاز الطبيعي إلى المستهلكين في أبوظبي والإمارات الشمالية وسلطنة عمان. وفي عام 2004، تسلمت دولفين أولى إمدادات الغاز الطبيعي عبر خط الأنابيب الممتد من سلطنة عمان إلى محطة التحكم الواقعة بمدينة العين في أول عملية من نوعها بين دولتين من دول مجلس التعاون وفي عام 2005، جرى توسيع دائرة التوريد لتشمل إمارة رأس الخيمة.
وبالتالي، يشكل المشروع احد المشروعات الاستراتيجية ويفتح المجال أمام المستثمرين وأمام مزيد من الأعمال الناجحة التي تساعد على تعميق أواصر الترابط بين شعوب المنطقة وتحقق التكامل الاقتصادي المنشود بين بلدان المجلس، كما يعد المشروع تتويجا لمسيرة التكامل الاقتصادي بين دول مجلس التعاون الخليجي.
صعود الطلب على الغاز الطبيعي
ويعتبر فيل فلين نائب رئيس شركة »آلارون فيوتشيرز« ومقرها شيكاغو في حديثه لمجلة جلف بيزنيس في عددها الصادر في سبتمبر الجاري ان مشروع دولفين يدخل في خانة المشروعات الكبيرة والضخمة، وذلك بمعزل عن قدرته على تحقيق التطلعات من زاوية تلبية الطلب.
وقدر فلين أن الطلب على الغاز الطبيعي سيصعد بشكل درامي على مستوي العالم، وأنه سوف يواصل هذا المنحى، حيث ان الكثير من الحقول في أميركا الشمالية آخذة في النضوب بوتيرة أسرع مما كان متوقعا لها، وأنه من المتوقع أن يواجه الاقتصاد العالمي أوقات صعبة حتى إذا ما نجحت الحقول الجديدة في ضخ إمدادات إضافية.
وتعتبر هذه التقديرات بمثابة أخبار سارة بالنسبة لمشروع دولفين، وعلي أية حال، تظهر التقديرات أن حقل الشمال القطري يحتوي على ما يزيد على 900 تريليون قدم مكعب من الغاز، وحتى مع ازدهار الطلب خلال العقود القليلة المقبلة، ومن ثم، يمتلك مشروع دولفين نفاذا ضخما إلى سلعة تتزايد ندرتها بمرور الوقت، ومن ثم، من المحتمل أن يتصاعد سعرها على نحو متواصل.
وفي ظل وضع كهذا، يرى فلين أنه من المحتمل أن يجلب نمو الطلب على الغاز الطبيعي مشاكل على مستوى العالم بأسره، بل وستطول آثار ارتفاع تكلفة الطاقة فقط الدول الثرية بموارد الطاقة الهيدروكربونية التي لن يكون في إمكانها أن تنأى بنفسها عن انعكاسات هذا الارتفاع، فمع نمو الطلب على إمدادات الطاقة في كل من الهند والصين، من المحتمل أن تمتد التداعيات إلى أماكن غير موضوعة في الحسبان تماما.
كما ستؤثر عملية إعادة هيكلة الاقتصاد العالمي التي بدأت بالفعل، على الدول الخليجية كذلك، وبالتالي، ستواجه دول الخليج مشاكل تصاعد أسعار الطاقة على غرار المناطق الأخرى في العالم، ومن ثم، تعتبر هذه المشاكل ذات طبيعة عالمية، ومن الناحية الواقعية، يجب النظر إليها على أنها ستؤثر على منطقة الخليج.
وتقدر هنا وكالة معلومات الطاقة الأميركية أن الطلب العالمي على الغاز الطبيعي سوف ينمو من 22 تريليون قدم مكعب في عام 2005 إلى 26 تريليون قدم مكعب بحلول عام 2030، وسيأتي معظم هذا النمو خلال السنوات العشر المقبلة، كما تفيد التقديرات أن الطلب في الإمارات على الغاز الطبيعي ينمو بوتيرة سريعة، ومن ثم، يعتبر مشروع دولفين خطوة في الاتجاه الصحيح.
وينظر إلى الغاز الطبيعي على نطاق واسع على انه مصدر مهم للطاقة النظيفة والتي سيتزايد استهلاكها في المستقبل، وترى بعض التقديرات أنه من المتوقع وخلال السنوات الأربع المقبلة أن يشغل الغاز المرتبة الثانية بعد النفط كأكبر مورد للطاقة، ومع تراجع الإنتاج الأميركي، فان هذا يعني أن الولايات المتحدة سوف تضخ المزيد من الدولارات في الأسواق لتلبية احتياجاتها المتنامية من موارد الطاقة، وهو ما يدفع الأسعار نحو الصعود.
ويتفق معظم المحللين أن إمدادات دولفين سوف تكون كافية للإمارات فقط خلال الأعوام الثلاثة المقبلة، ومن المحتمل بحلول عام 2009، أن تصبح سلطنة عمان مستوردا صافيا للغاز الطبيعي، وعلى كل حال، سوفت تتنافس الإمارات وسلطنة عمان مع بقية الدول الأخرى في ذلك السوق الذي يتسم بتراجع المخزونات وصعود الأسعار.
وهكذا، يعبر مشروع دولفين عن وضع مؤداه أنه لا توجد حلول سهلة في عالم إمدادات الطاقة، كما أنه لن يكون هناك مكانا في العالم بمنأى عن مشكلة الأسعار المرتفعة الناجمة عن تصاعد الطلب، وتظل مكمن قوة مشروع دولفين في كونه يوفر أساسا قويا لخلق الثروة الاقتصادية وتوليد وفرص الأعمال لمواطني دول مجلس التعاون الخليجي على الأجل الطويل.
برواز
تعثر الصفقات الأخرى
يقابل النجاح الذي سجله مشروع دولفين، تعثر صفقات أخرى لنقل الغاز الطبيعي المسال عبر الحدود، وتبرز العديد من الأمثلة الدالة على ذلك، حيث توصلت كل من إيران والهند وباكستان إلى اتفاق في عام 2005 لإقامة خط أنابيب للغاز الطبيعي بقيمة تبلغ 7 مليارات دولار، يتم بموجبه، ضخ الغاز الطبيعي عبر خط أنابيب طوله 2600 كلم من حقل بارس في إيران إلى الهند بحلول نهاية عام 2009.
وهناك صفقة منفصلة تلزم إيران بإمداد 5 ملايين من الغاز الطبيعي المسال سنويا، وانطوت هذه الترتيبات على العديد من التعقيدات، وطفت على السطح قضايا تتعلق بالاستثمارات وتحديد الطرف المعني بإقامة خط الأنابيب، وقد تم التوصل إلى تسوية، بموجبها، تقوم كل دولة بتوفير البنية التحتية في الأراضي التابعة لها، ولكن يبدو الآن من المحتمل أن تختلف هذه الدول فيما يتعلق بقضية التسعير.
وقد تم صياغة المسودة الإيرانية للاتفاق على نحو يخول طهران حق مراجعة سعر الغاز في أي وقت تشاء خلال طول فترة التعاقد، وذلك في خط مواز للتقلبات في أسعار الغاز، وهو ما حدا بوزير النفط والغاز الهندي مورلي ديورا إلى الإعراب عن شكواه بخصوص هذا الأمر، وردت الحكومة الإيرانية أنها لم تعد راغبة في إمداد الغاز بالأسعار المتفق عليها في عام 2005.
وتبحث الهند الآن عن ترتيبات بديلة تتيح لها الحصول على الغاز الطبيعي عبر خطوط أنابيب من أفغانستان وترکمانستان. فيما وقعت ترکمانستان على اتفاق مدته 30 عاما لتوريد الصين بالغاز الطبيعي عبر خط أنابيب يقوم الصينيون بتشييده، وبعض المراقبين يتشككون في إمكانية تنفيذ الاتفاق.
وذلك في ظل الصعود المستمر في أسعار الغاز الطبيعي، وقال جوليان لي محلل الطاقة في مركز دراسات الطاقة العالمي أن ترکمانستان قامت في الماضي بالتلاعب مع كل مستهلك في مواجهة الآخر، وأنها من المتوقع أن تواصل هذه السياسة في المستقبل، وذلك بهدف دفع المشترين إلى رفع أسعار الغاز إلى مستويات عالية. وثارت مؤخرا منازعات بين روسيا والاتحاد الأوروبي، ووجهت الثانية اتهاما للأولى بأنها تستخدم مكانتها كمورد للغاز الطبيعي لممارسة ضغوط سياسية.
دبي ـ مجدي عبيد:
