لا يحتاج مشاهد مسلسل «الملك فاروق»، لوقت طويل ليعرف أنه أمام إنتاج ضخم بالمعنى المادي. والمشاهد يدرك من خلال متابعته لبضع حلقات أن الدراما، تعاني من ثقل في بوحها عن ذاتها. تريد أن تصرح لكنها مرهقة وتائهة، فتكلفة الانتاج العالية لوحدها، لا تكفي لصنع عمل فني كصرح.
كتبت المصرية الدكتورة لميس جابر النص والسيناريو، وقام بالإخراج السوري حاتم علي، الحائز على شهرة واسعة بين أقرانه السوريين والعرب، من تجارب فنية خاضها، ونجح فيها أهمها: «الزير سالم»، وهي شهرة أدت إلى الاستعانة ب «المشهور» من قبل «هوليوود» مصر لإخراج حكاية مصرية، عن سيرة آخر ملوك مصر «فاروق».
وأحضر حاتم علي إلى جانبه مواطنه، الممثل السوري (الجيد) تيم الحسن، ليقوم بتجسيد شخصية الملك وبطولة العمل، ولم يكن اختياره موفقاً، وبدا أثقل من شعرة.. فقسم ظهر العمل من البداية، ليس لأن تيم الحسن ممثل رديء، وهو عكس ذلك تماماً، وليس أيضاً لإدارة قاصرة له من قبل المخرج، بل لأن تلعثمه المعنوي باللكنة المصرية، أفقدته الإحساس بالشخصية، بمعنى فهمها والسيطرة عليها، والتماهي معها في آن.
استنفذ الممثل تيم الحسن طاقته في التركيز على اللكنة، ولم يتبق للشخصية ما يذكر. والمخرج انشد نحو بهرجة «ضخامة» العمل.. «ضخامة» على أغلب الظن رافقته منذ تسميته «الملك فاروق»®. وهي تسمية مؤثرة وجذابة للمنتجين، وتستوجب أسماء كبيرة ومشهورة.
هكذا تستكمل دائرة «الضخامة» مشروعها الرابح تجارياً.. وهي استطاعت أن تؤمن للمخرج حاتم علي تقنيات استخدمها بمهارة واضحة ليصنع صورة مثالية بنظافتها. كل عناصر الكادرات الجيدة حاضرة في شغل المخرج، وأقصد الكادر من نواحيه التقنية، وفي جزء يسير من نواحيه الفنية، التي غفل علي عن كثير منها، وفي مقدمتها ما ذكرناه في البدء.
إذ ان العمل على نص ينتمي بكتابته إلى «السيرة»، له أشكال يصعب الخروج عنها، ويمكن الثورة عليها بتأليف أشكال جديدة، لكن هذا لم يفعله المخرج.. بدا أنه لا يلم بها تماماً.. والفطنة تقتضي أن يعرف المخرج بسرعة ان الممثل تيم الحسن لا يصلح للدور، رغم أنه ممثل جيد.. ومن الممكن لو كان أعد للشخصية بزمن أوسع لبدل المعادلة، هذا فقط للتأكيد على موهبة تيم الحسن الأكيدة.
الصورة النظيفة لا تصنع دراما لا في السينما ولا في التلفزيون. لقد بالغ حاتم علي حد الاستعراض في صنع صور «الملك فاروق»®. لم يكترث الى التهشيم الذي قد يتعرض له النسيج الدرامي، من شدة الاندفاع نحو الإبهار البراني. وأغلب الظن أنه هشم نسيجاً في الأصل كان مشكوكا فيه!
وإذا كانت قيمة ما كتبته لميس جابر، يقوم على عدم وقوعها في «التوثيق» الجاف. إلا أن هناك مشكلة في البناء الدرامي ككل.. الكتابة المشهدية تفتقر إلى الصورة. كلام الشخصيات يفسر الأحداث، أما الأحداث ذاتها لا يراها المشاهد ولا يشعر بها.
كذلك الشخصيات تتحرك بإيقاع واحد.. أوزانهم متقاربة، كما هي الأوزان اللونية في صور حاتم علي كلها متقاربة، والكادرات المليئة بظاهرها لم تغط مساحات الفراغ الدرامي الواسعة.. المبالغة بلغت كل شيء، وهذا يظهر باستخدام «الماكياج» بإفراط، والإضاءة على المنوال ذاته.
الممثلة وفاء عامر بشخصية «الملكة نازلي» اشتغلت بأداء تعبيري جيد، لكنه كان تغريداً خارج السرب التائه. عزت أبو عوف اعتاد لعب أدوار مماثلة لـ «حسينين» مستشار الملك، شخصية البرجوازي الخمسيني الطامع بالسلطة والملذات، ولم يجد المخرج بأساً من أن يكرر أبو عوف.
هذه غفلة تضاف إلى أخريات، صنعت بمجملها دراما ركيكة. ولعل الفشل الأكبر حصله دعاة الانتاجات العربية المشتركة، إذ ثمة من في مصر يستطيع ما فعله حاتم علي، وثمة بالتأكيد من هو أكثر خبرة مهنياً، بصناعة دراما هي جزء من حياته.يبقى القول إن سيناريو مسلسل «الملك فاروق»، يفضح العلاقات الاجتماعية، والغرامية لأسرة «الملك»، ولكنه لا يصرح عن درامية مفقودة، أمام عمل صارم في تقنياته
دبي ـ حسين قطايا
