لا عجب ان يلقب المخرج الأميركي ستيفن سبيلبرغ بـ «فتى هوليوود الذهبي»، فقد وصفه العديد من كبار الفنانين ممن عملوا معه بأنه عبقري من الدرجة الأولى، فالفنان انتوني هوبكنز على سبيل المثال أشاد بحركته الدائمة بين طاقم الفيلم وسرعة بديهته وقبعته الرياضية التي لا تفارقه أثناء التصوير، فيما قال عنه الفنان توم كروز لقد أبدع سبيلبرغ بفيلم «حرب العوالم» من خلال تصويره لمشاهد تدمير الحضارة الحديثة.
لم يكن نجاح سبيلبرغ الذي يعد من أهم المخرجين السينمائيين الأميركيين الذين حققت أفلامهم أعلى إيرادات في تاريخ السينما في العالم محض الصدفة، فقد ترعرع في أسرة ورث عنها الحس الفني والإتقان والحرفية في العمل، فوالده كان يعمل مهندساً كهربائياً فيما كانت والدته تعمل عازفة على البيانو.
ولد المخرج والمنتج ستيفن ألن سبيلبرغ بمدينة سينسيناتي في ولاية أوهايو، وحملت عائلته لقب «سبيلبرغ» ككنية للمدينة النمساوية «سبيلبرغ» التي كان يعيش فيها جده في القرن السابع عشر ميلادي، إلا ان هذا لا يعني ان ستيفن لا ينحدر من أصول يهودية، فلطالما تبرعت مؤسسته «الشخص المستقيم الخيرية» لدعم جهود الإغاثة في إسرائيل.
بدأ سبيلبرغ العمل في مجال الإخراج منذ الثالثة عشرة من عمره حيث قام بإخراج فيلم escape to nowhere مدته 40 دقيقة من باب الهواية، وفاز فيلمه هذا بالجائزة الأولى في إحدى المسابقات المحلية، وبعد ثلاث سنوات أخرج ستيفن فيلماً آخرا بعنوان fire light ، إلا ان هذا الفيلم قام بإعادة إخراجه وإنتاجه مرة أخرى في عام 1977 ليحقق الفيلم في ذلك الوقت نجاحاً باهراً.
وعلى الرغم من تعلق سبيلبرغ بالسينما إلا انه لم يستطع دخول أي مدرسة سينمائية، فبعد تخرجه من مدرسة اركاديا الثانوية في فينكس، قدم ستيفن طلباً للالتحاق بمدرسة «يو اس سي» للسينما مرتين إلا ان طلبه قوبل بالرفض، فاضطر لدراسة الأدب الانجليزي في جامعة كاليفورنيا، وظل حلمه الكبير يراوده طيلة سنوات دراسته على أمل أن يجد فرصة مناسبة لاقتحام عالم السينما.
وأخيراً، سنحت له الفرصة عندما تسلل إلى إحدى غرف استديوهات يونفيرسال الشهيرة التي وجدها مهجورة وغير مستخدمة، فقام بتنظيفها وصنع بداخلها مكتباً له، وبدأ يتردد على مكتبه بشكل يومي بدون علم من أحد.
وأثناء عمله في المكتب قام بجمع 15 ألف دولار من أصدقائه لإنتاج فيلم على مستوى أفلام هوليوود تحت عنوان amblin عام 1968، وحقق فيلمه هذا نجاحاً كبيراً وفاز بعدة جوائز محلية، الأمر الذي ساهم في لفت أنظار استوديوهات يونيفرسال لموهبته، فوقعت معه عقداً لمدة سبع سنوات في القسم التلفزيوني.
وخلال السنوات السبع من عمله الدؤوب في التلفزيون قدم سبيلبرغ أعمالاً تلفزيونية كثيرة كان أشهرها Duelالذي أنتج عام 1971 وحقق نجاحاً باهراً في أميركا والدول الأوروبية التي عرض فيها بطريقة سينمائية على خشبات المسرح.
وبعد انتهاء عقده مع استديوهات يونيفرسال قدم سبيلبرغ أول فيلم سينمائي له ذي طابع درامي Sugarland Express عام 1974، وحاز هذا الفيلم على جائزة أفضل سيناريو في مهرجان كان بالرغم من انه لم يعجب الجمهور إلا انه أعجب النقاد، وفي عام 1975 فاجأ سبيلبرغ الجمهور بفيلم jaws الذي حقق نجاحاً باهراً وشهرة جارفة، وتم ترشيحه لجائزة الأوسكار في عام 1977.
وتوالت نجاحات أفلام سبيلبرغ عاماً بعد الآخر، حيث قدم في عام 1977 فيلماً آخر تحت عنوان close enocounters of the third kind ، وفي عام 1981 قدم سبيلبرغ الجزء الأول من سلسلة مغامرات أنديانا جونز وحقق هذا الفيلم نجاحاً كبيراً،
وفي العام التالي عاد إلى مستواه المعهود ليقدم فيلم the extra terrestrial الذي حصد ما يقارب 700 مليون دولار أميركي، وهو أول فيلم من إنتاج شركته الخاصة التي أسماها على اسم فيلمه الأول amblin entertainment ،
وفي عام 1984 قدم سبيلبرغ الجزء الثاني من أنديانا جونز، أما الجزء الثالث فأنتج عام 1989 وكان عنوانه Indiana Jones and the last crusade . وفي العام 1985 قام سبيلبرغ بإخراج فيلم color purple الذي رشح لأحد عشرة أوسكار إلا انه لم يفز بأي منها، كما أخرج فيلماً بعنوان hook من بطولة روبن ويليامز عام 1991.
ولم تتوقف إبداعات سبيلبرغ عند هذا الحد بل إنه قام بتحويل رواية بسيطة إلى فيلم مغامرات ضخم وناجح بعنوان Jurassic park عام 1993، كما قام بتقديم فيلمه الشهير «قائمة شندلر» بإبداعات سبيلبرغية، وهذا الفيلم كان يحكي معاناة اليهود ومذبحتهم التي يدعون حدوثها، وفاز بجائزة الأوسكار لأحسن فيلم، فيما أخرج عام 2002 الفيلم الرائع minority report ثم فيلم catch me if you can .
وقدم سبيلبرغ فيلماً عن عملية ميونيخ التي كانت تشكل حدثاً بارزاً في تاريخ الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، وأدرك في إخراجه لهذا الفيلم حساسية الموضوع فأحاط عملية الإخراج بسرية مطلقة وأجبر فريق العمل على التكتم ولم يكشف للممثلين إلا جزءاً من السيناريو.
عمان ـ «البيان»