واجهت طموحات الاتحاد الأوروبي لفتح قطاع الطاقة أمام المنافسة الحرة لطمة قاسية غداة إعلان شركة الغاز الطبيعي الفرنسية الحكومية »جازدوفرانس« نيتها الاندماج مع شركة المرافق العامة »سويز« لتكوين واحدة من أكبر مجموعات الطاقة العالمية ومن شأن تلك الصفقة التي أثمرت عن ولادة أكبر مشتر وبائع للغاز الطبيعي بالإضافة إلى أكبر موزع للغاز الطبيعي تعزيز وضع فرنسا كلاعب كبير في أسواق الطاقة الأوروبية والعالمية لكسر احتكار انتاج وتوزيع الطاقة بحسب تحذيرات المحللين.
وفي هذا الإطار قال كريستيان أجنهوفر محلل الطاقة في مركز دراسات السياسة الأوروبية مجموعة البحوث في بروكسل: »إن صفقة جازدوفرانس وسويز تظهر أن خطة المفوضية لفتح الأسواق الداخلية أمام المنافسة في قطاع الطاقة تسير في طريق شبه مسدود«.
مضيفاً أنها تفتقر للأسس السليمة في مجال الطاقة، مؤكداً في الوقت ذاته أن الصفقة تعود إلى مزيد من تركيز القوة السوقية، ولقد حاولت المفوضية الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي تسعى منذ عام 2003 لتفكيك تركيز القوة، في أيدي شركات كبرى كجزء من مبادرة أوسع لزيادة المنافسة وتحفيز النمو الاقتصادي.
وذلك يحمل في طياته دلالة على أن الموعد المضروب للتحرير الكامل للقطاع بحلول شهر يوليو المقبل عند زوال آخر الحواجز الوطنية لفتح التجارة في الطاقة حفز تحالفات سريعة في القطاع ودفع الحكومات إلى دعم شركاتها الوطنية.
والحقيقة أن اندماج سويز جاز دو فرانس، الذي تحتفظ فيه الحكومة الفرنسية بأغلبية معطلة، يعني أن قطاع الغاز الطبيعي الأوروبي، سيهيمن عليه حفنة من اللاعبين، بمن فيهم جاز بروم الروسية، واي أون الألمانية، وايني الإيطالية، وجازوفي الهولندية، ونورسك ــ هايدرو النرويجية، وإلى جانب »جازو فرانس«، فإن تلك الشركات حرصت على الذود عن مواقعها، حائلة في بعض الأحيان دون دخول اتفاقات غير رسمية إلى أسواق بعضها بعضاً.
ولقد أوجدت قبضتها المحكمة صعوبات أمام الشركات الأصغر لدخول القطاع، ما لم تقم باستثمارات ضخمة مثل تمديد خطوط الأنابيب أون ميروكسل إلى الإصرار على السماح لشركات طاقة أخرى بدخول شبكاتها. ولقد سعت المفوضية الأوروبية لتجميل الصفقة الفرنسية.
وقال جوناثان تود، الناطق باسم مفوض المنافسة، إن المفوضية درست بعناية التفاصيل الخاصة بعملية الدمج على مدى فترة زمنية طويلة. وأضاف قائلاً: تبيّن لنا أن الشركات تسيء استخدام سلطتها الاحتكارية، بتقيد الدخول إلى الغاز أو الكهرباء، فإننا سنلجأ إلى تغريمها«. ولقد عزز الدور البارز الذي لعبته الحكومة الفرنسية، في التوسط للصفقة، الشكوك في بروكسل. من أن المعالم الوطنية، وليست الأوروبية، تبقى العنصر الرئيسي في قطاع الطاقة الخاص.
كما أنه أثار تساؤلاً أوسع عما إذا كانت سياسة تدليل الشركات الصناعية الوطنية تتوافق مع الطموحات الأوروبية تفتح سوق الطاقة. ولقد رحّب رئيس الوزراء فرانسوا قبلون باندماج جاز دو فرانس سويز، باعتباره »عملية استراتيجية«، مضيفاً أنها ستسمح لفرنسا بتغيير مشهد الطاقة في القارة.
وأبلغ الإذاعة الفرنسية أن عملية الدمج ستسمح بهيكلة سوق الطاقة في أوروبا، ومن المحتمل أن تمنح عملية الدمج قوة أكبر لأوروبا، عندما تدخل مرحلة التفاوض على عقود طاقة مع بلدان أخرى، كروسيا مثلاً، حسبما قالت سوزان دروج محللة الطاقة في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية في برلين. مضيفاً أنها قد تقود حتى إلى مزيد من التنويع في واردات أوروبا من الطاقة، وربما تقليص اعتمادها على الغاز الروسي، إذا ما أصبحت جازو فرانس، أكثر نشاطاً في الجزائر، وهي مصدرة كبيرة للغاز.
كما أن هورس كبير محللي الطاقة في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية في باريس، قلل من شأن المخاوف الخاصة بإضعاف المنافسة، على الأقل في فرنسا. مضيفاً أن سويز ستتمكن من استغلالها. ومن جانب آخر، فإن شركات الطاقة الكبرى، مارست مراراً وتكراراً، ضغوطها بقوة للحصول على الدعم الحكومي لإفشال خطط بروكسل لكسر احتكارها على كل شيء من الإنتاج إلى النقل إلى التوزيع إلى التسويق. وفي السياق، قال اجنهوفر إن شركات الطاقة الكبرى قريبة جداً من العمود العقاري للحمض النووي السياسي.
مؤكداً على قربها الدائم من الحكومة، فالحكومات تمتلك حصصاً في مستقبلها لأنها تتعلق بأصولها الوطنية والاستراتيجية والواقع، أن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوازي، الذي لعب دوراً حاسماً في عملية الدمج، حض علانية على ايجاد كيان استراتيجي للطاقة، للدفاع عن فرنسا ضد أي استحواذات خارجية والدفاع عن القطاع ضد المفوضية.
وفي النهاية أراد ايجاد بطل قومي وفي مؤتمر صحافي مشترك لسويز وجازدوفرانس، قال رئيس جازدوفرانس التنفيذي جان فرانسوا سيريلي، إن الطاقة قطاع استراتيجي مضيفاً ان الحكومات ليست غائبة عن قطاع الطاقة.
ومن جهة أخرى، اعتبر محللون ان عملية الدمج، هي عملية تأميم فعلية لتجارة سويز في مجال الطاقة، وتأكيد على تصميم فرنسا على ايجاد أبطال قوميين في الصناعات الاستراتيجية حيث تصل حصة الدولة في المجموعة الاندماجية إلى حدود 40 في المئة. مما يجعلها أكبر مساهم، ويمنحها دوراً مؤثراً في التأثير على استراتيجية المجموعة.
ومن جهة أخرى فإن قيمة المجموعة الجديدة تساوي 80 مليار يورو أو 109 مليارات دولار بحسب التقديرات الحكومية، رغم أن الرقم الحقيقي سوف يعتمد على تقييم سعر أسهم فرع المياه والفضلات التابع لسويز عند إدراجها هذا العام وتعتبر الصفقة نصراً لساركوزي الذي طالما عرف بدفاعه المستميت عن دور الدولة في تعزيز الأبطال القوميين في الصناعات الاستراتيجية.
ترجمة وائل الخطيب