يبدو أن البنوك الاستثمارية لا تتعلم من عبر التاريخ فالرياح العاصفة التي هزت الأسواق العالمية، صيف هذا العام، دفعت بنوك وول ستريت ومدينة لندن، لإجراء مقارنات مع كوارث سابقة. فالأزمة الأخيرة، ذكرت رؤساء البنوك التنفيذيين، بالأزمة الآسيوية عام 1997 فيما كانت بالنسبة لغيرهم لازمة لحركة تصحيحية مؤلمة، وإنما قصيرة الأجل، أعقبت عجز الحكومة الروسية عام 1998 عن سداد ديونها، وانهيار صندوق كابيتال مانجمنت التحوطي، ويعتقد البعض أن البنوك الاستثمارية تواجه هزة أكثر استدامة شبيهة بتلك التي أعقبت نهاية تفجر سوق الأسهم عام 2000.

فيما يظن البعض الآخر أنها قد تكون أكثر سوءاً، ولقد راح بعض المصرفيين، يتنبأ المدة التي ستطول فيها هذه الأزمة، ولكن حتى لو كانت الآثار المباشرة لانكماش السيولة، محدودة الأثر، فإن من الواضح أن الظروف التشغيلية شبه الكاملة التي رفعت نمو البنوك الاستثمارية في أنحاء العالم.

وأرباحها إلى أرقام قياسية لمدة أربع سنوات، قاربت على نهايتها، ويقول ريتشارد بوف محلل الصيرفة الاستثمارية في »بونك زيجيل«، إنه لا يعتقد أن الأسواق ستستعيد عافيتها بسرعة من تلك الزيادة، التي استمرت ثلاث أو أربع سنوات، مضيفاً بأن المشكلة ستبدأ في الظهور خلال أرباح الربع الرابع، وستزداد الأمور صعوبة مع انتهاء العام.

إلا أن النظام، سيعدل ويصحح نفسه في نهاية الأمر، غير أن بنوك وول ستريت لن تكون »جذابة« لبعض الوقت. ولا شك أن الفترة الأخيرة سوف تعمل على حل جدل سيطر على الأسواق الرأسمالية في السنوات الأخيرة.

فالرؤساء التنفيذيون للبنوك الاستثمارية من جانب يحاجون بأن الصناعة هي المستفيد من التغييرات الهيكلية طويلة الأمد، التي رغم أنها ستكون خاضعة لمد وجزر، لن يتم إبطالها، وفي الجانب الآخر تقف الهيئات التنظيمية والمستثمرون يصرون على أن النمو الأخير هو نتاج فقاعة ائتمانية وإصرار البنوك على المخاطرة، التي كان لا بد أن تتضح معالمها. لقد كانت الطفرة البنكية الاستثمارية الأخيرة أكثر اتساعاً سواء في حجم المنتجات، وانتشارها الجغرافي، من أية طفرة سابقة.

كما اتضح أيضاً أن أسعار الفائدة المخفضة، ساهمت في زيادة النمو، وساعدت الأموال الرخيصة مجموعات الملكية الخاصة في القيام بعمليات شراء واسعة، وخفضت في المقابل عوائد الفئات الاستثمارية التقليدية، مما دفع شركات الاستثمار المؤسساتي للبحث عن عوائد أفضل في أماكن أخرى. وقد عزز ذلك من عمليات الهيكلة المالية للبنوك، التي تتخصص في ترتيب الأوراق المالية، وإعادة إصدارها في أشكال مختلفة وغذت أرباحها التجارية، كما دفعت الصناديق التقاعدية لضخ الأموال في استثمارات بديلة، مما عزز من صناديق الملكية الخاصة، وتجارة الصناديق التحوطية.

وفي السنوات الأخيرة انعكست كثير من تلك الاتجاهات فالمستثمرون الذين ركزوا على قروض صناديق الملكية الخاصة طويلا، اتجهوا الآن نحو الفائدة القليلة، تاركة البنوك الاستثمارية بديون قدرت بـ 300 مليار دولار، لا يمكن توزيعها، وفيما لو لم تتحسن الظروف السوقية، فإن البنوك ستضطر لتسجيل قيمة تلك الديون، وتحقيق خسائر فادحة.

ولقد اشعلت تواليات الصدمة الناجمة عن تصدع الرهن العقاري عالي المخاطرة في الولايات المتحدة فتيل أزمة أشد وقعاً، وهي انعدام الثقة في التعاملات الائتمانية المهيكلة، وبالرغم من أن السندات المدعومة بالرهن العقاري عالي المخاطرة لا تشكل سوى نسبة ضئيلة من شريحة الأوراق المالية الإجمالية المدعومة بالسندات.

فإن المستثمرين راحوا يشككون في التصنيفات الائتمانية التي تحدد الآليات الكاملة لإعادة تحزيم وتوزيع المخاطر المالية، وهو الأمر الذي أثار بدوره نقصاً مخيفاً في السيولة بالنسبة للبنوك الكبيرة، التي يتخوف البعض من أنها ستفاقم الأزمة.

ومن جهة أخرى فإن مجموعات الملكية الخاصة التي تواجه أسعار فائدة عالية ستضطر لإبرام صفقات أصغر من ذي قبل، والتي لا تكاد تغطي الألقاب الاستشارية والتمويلية التي شكلت قرابة ربع دخل أتعاب البنوك الاستثمارية العام الماضي. وإن بنوكاً مثل جولدمان ساكس التي تعتبر مؤسسات استثمارية كبيرة في الملكية الخاصة بحق ستشعر بالضغط في جبهات عدة.

وفيما ستجد بعض الصناديق التحوطية طرقاً أخرى للإفادة من الأزمة فإن التجربة الأخيرة توحي بأنه حتى المستثمرين المحنكين سقطوا في المعمعة وقد أغلق بيرستيرتر« صندوقين تحوطيين تعرضا لأصول أزمة الرهن العقاري عالي المخاطر.

وقد ضخ جولدمان ساكس مؤخراً قرابة ملياري دولار من مالها الخاص في صناديق ملكية خاصة عانت من خسائر فادحة نتيجة للاضطرابات في الأسواق.

وإذا ما تقلصت أعداد كبيرة من الصناديق التحوطية أو اضطرت للخروج من العمل، فإن ذلك سيلقي بظلاله على البنوك الاستثمارية التي تفيد من التعاملات الواسعة للصناديق التحوطية في الوقت الذي تمول كثيراً من تلك الأنشطة من خلال عمليات وساطة عالية المخاطر.

ووفقاً لمحللين في »دريسندر بانك« فإن الصناديق التحوطية تشكل ما بين 15 ــ 20 في المئة من عوائد العمليات المصرفية الاستثمارية على مستوى العالم وفي وسط هذا الجو القاتم فإن بعض الرؤساء التنفيذيين حافظوا على تفاؤلهم. مشيرين إلى البنوك الاستثمارية، كانت باستمرار تجني أرباحاً من الأزمات.

كما أن البنوك تستفيد من الأسواق المتقلبة فقد عززت الأزمة الأخيرة أحجام التداول حيث حاول المستثمرون التشبث بأرباحهم، وتعديل محافظهم الاستثمارية وكان بنك باركليز ورويال بانك أوف سكوتلاند، سجلا زيادات حادة في أحجام تعاملاتهما في القطع الأجنبي، ويقول بعض المحللين إنهم أكثر تخوفاً من أزمة اقتصادية أكثر اتساعاً قد تقود إلى تدن في الأنشطة عموماً.

ويقول »ستيوارت جلفر« الرئيس التنفيذي لـ كوربوريت للصيرفة الاستثمارية والسوقية في اتش اس بي سي الذي أدار عمليات البنك السوقية في آسيا، إبان أزمة 1997 إن هبوب العاصفة يخلف وراءه فوضى، وعندما تهدأ العاصفة فإنها تخلف حطاماً«.

وفي الجانب الآخر هناك محللون آخرون رحبوا بالعودة إلى ما اعتبروه ظروفاً سوقية أكثر عقلانية. ويقول أحد تنفيذيي وول ستريت الكبار إن الأسواق لا تعمل إلا في وجود سيولة عقلانية. مضيفاً بأن الأسواق، كانت قبل أزمة الرهن العقاري الأخيرة عالية المخاطر.

وقبل »أمارانت« (صندوق تحوط الطاقة الفاشل) كانت غير عقلانية. ويقول التنفيذي البارز، أنه عندما تتلاشى الأزمة فإن البنوك تتلقى أجوراً أكثر لتحملها المخاطر وستتمكن من ضمان الرهونات. والتوقف عن التعامل في ممارسات لا ترغب فيها، مثل التمويلات قصيرة الأجل، لمشتريات صناديق الملكية الخاصة. ومن جهته يرى بوب ديا موند« رئيس باركليز، بوجود »شق في فقاعة السيولة« متوقعاً أن يدرك المستثمرون في النهاية، أن أزمة الائتمان الحقيقية، كانت محصورة كلياً في الرهن العقاري عالي المخاطر في الولايات المتحدة.

الوجه الآخر للسيناريو

يعتقد أن سندات أخرى مدعومة الأصول، ستواصل جذبها كما أن بنوكاً أخرى، وجدت تشجيعاً من حقيقة كون الاقتصاد العالمي يواجه نموه، وأنه لا توجد أي مؤشرات على أي تدهور في الائتمان التجاري الأكثر من ذلك، فإن البنوك الاستثمارية، حققت انتشاراً جغرافياً أوسع من ذي قبل. وكانت الأزمة في وول ستريت، في السابق تهز أركان البنوك التي كانت تعتمد اعتماداً كلياً على أسواق الرساميل الأميركية.

غير أن العملية المصرفية صارت أكثر عالمية، وأصبحت الولايات المتحدة، رغم بقائها أكبر مصدر فردي لأرباح معظم البنوك، أقل أهمية، فجولد مان ساكس، يحقق أكثر من نصف إيراداته من خارج الولايات المتحدة، وتقول ميرل لينش إن عملياتها العالمية، نمت بصورة أسرع من عملياتها الداخلية.

ومن المتوقع أن يستمد هذا التحول، في ضوء مواكبة أسواق رساميل في أوروبا وآسيا، للولايات المتحدة، وأن الحكومات في آسيا والشرق الأوسط باتت توزع حصصاً كبيرة من الرساميل التي جمعتها في السنوات الأخيرة.

وفي هذا السياق، قال »هيوفان ستينس« رئيس الدراسات المصرفية الأوروبية في مورجان ستانلي، »إن أكثر من ثلاثة أرباع النمو العالمي يأتي من خارج الولايات المتحدة، وفي الوقت الراهن فإن المستثمرين بدأوا ينظرون نظرة قاتمة. فالبنوك الأميركية والأوروبية والبيوت الاستثمارية في وول ستريت شهدت انخفاضاً في أسعار أسهمها وسط مخاوف من معاناتها بخسائر تداولية ضخمة. ومع ذلك،إذا كان الانخفاض محصوراً في حركة تصحيحية قصيرة الأمد فلا حاجة لإحداث كارثة مالية.

وبالرغم من ذلك، فإن يو بي أس 485، وميريل لينش، سجلا انخفاضاً حاداً في أرباحهما في عام 1998، نتيجة لتعرضهما إلى ال تي سي ام، فيما تجاوزت بنوك أخرى العاصفة دون صعوبات تذكر.

كما سجل جولد مان ساكس، الذي مازال شراكة خاصة، أرباحاً قبل الاقتطاع الضريبي، بلغت 2.9 مليار دولار عام 1998، كالذي سجله في العام السابق. وفي العام الذي تلاه، كشفت معظم البنوك الاستثمارية عن أرباح قياسية مع اقتراب فقاعة سوق الأسهم من ذروتها.

وبالمقارنة، فإن بنوكاً استثمارية قليلة تجاوزت الهزة بين عامي 2001 و2002، وظل الوضع على حاله حتى عام 2004، عندما ارتدت معظم الأرباح إلى مستوياتها التي وصلتها قبل أربع سنوات من ذلك. وستكون الهزة الأخيرة، اختباراً لمزاعم البنوك، بأنها عند انخفاض الإيرادات، تستطيع تعديل نفقاتها بتخفيض المنح.

وفي النهاية، فإن شهوراً عدة ستمر قبل أن تتضح الصورة، عندها سيدرك المصرفيون، ما إذا كانوا تجاوزوا حركة 2007 التصحيحية، أو أنهم شهدوا بداية أزمة أكثر طولاً.

ترجمة ـ وائل الخطيب