يحسب للتلفزيون الإيراني عرض المسلسل الدرامي الجديد (مدار صفر درجة)، الذي يتناول لأوّل مرّة في إيران موضوع الهولوكوست والتنكيل النازي باليهود،وهي خطوة جريئة، ويؤكد المسلسل ان إيران الرسمية ضد دولة إسرائيل المغتصبة وليست ضد اليهود.

المسلسل قام على قصة حقيقية ،ربما تكون من ملفات الاستخبارات الإيرانية السابقة وسمحت السلطات الحالية بإطلاقها لأسباب لاتزال مجهولة، وحققت الرسالة من المسلسل - الذي يذكرنا بفيلم ستيفن سبيلبيرغ الشهير (قائمة تشلندر)- نتائج كثيرة بعضها مستهدف والبعض الآخر غير متوقع على الإطلاق.

المعالجة الدرامية في المسلسل تتمحور حول دبلوماسي إيراني شاب يعمل في السفارة الإيرانية في باريس أثناء فترة الحرب العالمية الثانية ويساهم في إنقاذ مئات اليهود من أيدي النازيين الذين يحاولون شحنهم إلى المحرقة.

المسلسل نجح في جذب الإيرانيين إلى شاشة التلفزيون وهم يشاهدون المئات من النساء والأطفال والشيوخ اليهود الموشحين بنجمة صفراء ينتزعهم الجنود النازيين بقسوة من بيوتهم ويزجون بهم في شاحنات كبيرة معدة لنقلهم إلى مركز تجميع اليهود.

ويسأل الدبلوماسي الشاب أحد مرافقيه الفرنسيين إلى أين يأخذونهم؟ فيرد عليه ببرود إلى المحرقة، فيقرر الدبلوماسي الإيراني حبيب بارسا (يلعب دوره في المسلسل الممثل شهاب الدين حسيني) التدخل لإنقاذ ما يستطيع من اليهود بواسطة منح جوازات سفر إيرانية ليتمكنوا من الهرب، مبتدأً بالشابة الفرنسية اليهودية سارا، ويتمكن الدبلوماسي الإيراني من إنقاذ أكثر من خمسمائة يهودي، بطل المسلسل يتعرض إلى الاعتقال بعد أن يكتشف أمره، لكن صفته الدبلوماسية تجعل الألمان يطلقون سراحه ليعود إلى طهران حيث تنتظره هناك تهمة إصدار جوازات سفر مزيفة لمئات اليهود.

الدراما الإيرانية الجديدة تعد استثناءً على كافة الأصعدة، سيما وأنها تبث من التلفزيون الإيراني الرسمي الذي يخضع لسيطرة ورقابة رجال الدين، ورغم ذلك يظهر باريس في فترة الأربعينات بكامل ألقها وحاناتها والنساء اللواتي لا يرتدين الشادور، على الرغم من أن جميع النساء اللواتي يظهرن في التلفزيون يرتدين الشادور.

هل يعترف الإيرانيون بالمحرقة ؟ هذا السؤال لا يجيب عنه المسلسل في الحقيقة، لأن عصابات الصهيونية، كما يعتقد صانعوه، وظفت مأساة اليهود في الحرب العالمية وحاولت إضفاء المزيد من الأبعاد التراجيدية عليها لأغراض سياسية، من مثل غرف الغاز التي كان يجمّع فيها اليهود ويقتلون خنقاً، وقد تجنبها المسلسل المصنوع بطريقة ممتازة ومستندة إلى الإرث السينمائي الكبير الذي تتمتع به السينما الإيرانية.

إن قوة الحبكة وبراعة المعالجة وإدارة المشاهد الكبيرة التي توفر عليها المسلسل تذكرنا بقول المخرج الإيراني الكبير محسن مخملباف وهو يصف السينما الإيرانية التي شبهها بشجرة معمّرة ووارفة الظلال قطعت قمتها بعد مجئ نظام الملالي وبقي الجذع راسخاً في الأرض، فأنبتت قمماً جديدة، صغيرة ويافعة ومتعددة، لكنّها تستند إلى جذع راسخ ومتين. مسلسل «مدار صفر درجة» ،إخراج حسن فتحي، ،تمثيل شهاب الدين حسيني، لعيا زنكنة، زويا تيموريان، مسعود رايكان.

أمستردام ـ محمد حيّاوي