اتفقت دراسات صادرة عن مؤسسات دولية على ضرورة قيام دول مجلس التعاون الخليجي بإعادة النظر في معايير الوحدة النقدية فيما بينها وذلك لضمان الاستقرار الطويل الأجل للوحدة النقدية وعدم تعرضها لهزات في حالة نضوب النفط عند بعض هذه الدول أو في حالة تراجع إيرادات النفط في المستقبل.
وأفرد صندوق النقد الدولي ملحقا خاصا عن تجربة الاتحاد النقدي الخليجي في تقريره السنوي «تقرير التنمية والتجارة 2007» الصادر مؤخرا، قلل فيه من مخاطر ربط العملات الخليجية بالدولار الأميركي على المدى المتوسط بالنسبة للاقتصاديات الخليجية.
وأرجع التقرير محدودية تلك المخاطر إلى أربعة عوامل رئيسية. أولا، باستثناء الأعوام 1991 و 1995، فقد كانت علاقة معدلات التضخم الخليجية والأميركية عكسية خلال الفترة 1980 - 5002، على الرغم من أن الفروقات بين الاثنين آخذة بالتقلص. وثانيا، لكون دول المجلس تعتمد بصورة رئيسية على تصدير النفط الذي يعتبر الطلب عليه غير مرن بالنسبة للأسعار، فإن الارتفاع المعتدل في معدلات الصرف لا يمثل مشكلة رئيسية في المدى القصير.
ولكن سوف يضر بجهود دول مجلس في مجال تنويع الصادرات غير النفطية الموجهة للولايات المتحدة وآسيا. وثالثا، أسواق العمل في دول المجلس سواء حجم العمالة أو كلفة العمل تتمتع بمرونة كبيرة نظرا لاعتمادها الكبير على الأيدي العاملة الأجنبية، وهو ما يمثل عامل إيجابي في تقليص الآثار السعرية للهزات وبالتالي الحاجة لإعادة تقييم أسعار الصرف.
ورابعا، إذا ما استمر انخفاض قيمة الدولار الأميركي أمام اليورو، فإن الأسواق الأوروبية سوف تصبح هدف للصادرات غير النفطية الخليجية مما يسمح بتنويع الصادرات الخليجية بصورة أكبر، وهذا ما يحدث حاليا حيث تتعاظم الشراكة التجارية بين الاتحاد الأوروبي ودول التعاون على الرغم من أن الميزان التجاري يميل لصالح الأوروبيين طوال السنوات العشرين الماضية.
ويلاحظ التقرير ان الارتفاع الكبير في الموارد النفطية منذ عام 2004 ساعد دول التعاون على الإيفاء بمعايير الوحدة النقدية التي وضعتها وهي
ـ أن تقل نسبة العجز في الموازنة عن 3% من الناتج المحلي
ـ أن تقل نسبة الدين العام عن 60% من الناتج المحلي
ـ أن تزيد الاحتياطيات الأجنبية عن 4 مرات من قيمة الواردات ـ أن لا تزيد الزيادة في سعر الفائدة لدى أي دولة نسبة 2% فوق متوسط سعر الفائدة للدول الأعضاء الأقل من حيث معدلات التضخم.
ـ وأن لا يزيد معدل التضخم لدي أي دولة عن 2% فوق متوسط معدل التضخم للمجموعة ككل. وقد أعلنت سلطنة عمان أنها سوف تنظم للاتحاد النقدي في موعد لاحق عن الموعد المحدد. إلا أن المخاوف تثار عندما ينظر في سيناريو الانخفاض الكبير في إيرادات النفط، عندها سوف تواجه دول التعاون عجز مالي كبير.
وبالتالي ارتفاع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي كما حدث خلال فترة الثمانينيات. لذلك، تبرز مقترحات بأن تتبنى دول التعاون معيار الإيرادات غير النفطية لقياس العجز المالي.
إلا أن التقرير يستدرك أيضا أن الطلب على الأنشطة غير النفطية مرتبط بدرجة كبيرة بالإيرادات النفطية، وبالتالي، فإن أداء القطاع غير النفطي معتمد بدوره على أسعار النفط، وهكذا فإن الإيرادات غير النفطية سوف تكون خاضعة للتقلب حالها حال الإيرادات النفطية.
وفي الوقت الذي يبدو واضحا أن معايير التوصل والدخول في وحدة نقدية خليجية عام 2010 تبدو للوهلة الأولى ممكنة التحقق في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، فإن إضفاء الاستقرار الطويل الأجل على هذه الوحدة يتطلب إعادة النظر في بعض معايير الوحدة النقدية المشتقة من التجربة الأوروبية نظرا لاختلاف الأوضاع والهياكل الاقتصادية للبلدان في كلا المجموعتين.
ففي حالة الدول الخليجية الست، فإن الاستقرار الطويل الأجل للوحدة النقدية سوف يعتمد على ثلاثة عوامل رئيسية أولا الانخفاض التدريجي في الإيرادات النفطية، حيث من المعروف أن ثلاث دول خليجية هي البحرين وقطر وسلطنة عمان يتوقع نضوب مواردها النفطية خلال العقدين المقبلين.
غير انه في حالة قطر سوف تعوض ذلك عن طريق إنتاج الغاز الذي يتوقع أن تكفي احتياطياته لمدة 300 سنة وفقا لمعدلات الاستهلاك الحالية. وثانيا عملية التنويع الاقتصادي وخفض الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية، حيث يلاحظ هنا أيضا تفاوت درجة نجاح الدول الست في تحقيق هذا الهدف.
وثالثا، الضغوط المتعلقة بالنمو السكاني وأسواق العمل، حيث تعاني بعض الدول الخليجية من ضغوط حادة فيما يخص توفير فرص العمل للمواطنين بينما لا تزال هذه الضغوط في بدايتها في دول أخرى. وتبلغ نسبة المواطنين الخليجيين ما دون سن العشرين نحو 50% من السكان، بينما يتوقع نمو حجم القوى العاملة بنسبة 3% حتى عام 2020. لذلك، فإن معدلات البطالة في بعض هذه الدول بدأت منذ الآن بالارتفاع إلى مستويات مقلقة.
ونظرا لهذه الأوضاع، فإن دول الخليج الست سوف تواجه تحدي التعويض عن الإيرادات النفطية في أزمنة متفاوتة بعضها خلال عشرين عاما والبعض الآخر مثل دولة الإمارات خلال مئة عام.
كما أن زيادة مساهمة العمالة الوطنية في القوى العاملة سوف يكون له مردود إيجابي على الاقتصاد ككل، إلا أنه سيقلص من مرونة تكيف هذه الأسواق من حيث الأجور في حالة تراجع النشاط الاقتصادي. كما أن معدلات الصرف سوف تتأثر بدورها من هذه الفروق في الأداء الاقتصادي.
ونتيجة لهذه المعطيات، توضح الدراسة أن معايير الوحدة النقدية الأوروبية غير دقيقة في حالة الدول الخليجية الست، وخاصة معيار نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي والذي يفترض أن لا يتجاوز نسبة 60%.
ففي حالة الدول الأوروبية، تم وضع النسبة كمعيار حمائي كي لا ينتقل الوضع المالي المتدهور في أي بلد أوروبي إلى البلدان الأخرى، ويعرض الاستقرار النقدي الأوروبي للخطر.
كما أن اختيار هذا المعيار والمعيار الأول الخاص بنسبة العجز إلى الناتج المحلي استند على التوقعات المستقبلية الطويلة الأجل لمعدلات التضخم (2%) والنمو الاقتصادي (3%). إلا أنه في حالة الدول الخليجية، فإنه لا يمكن الركون على مثل هذه التوقعات كونها تتجاهل حقيقة دور الإيرادات النفطية وتأثيرها على نسبة العجز إلى الناتج المحلي ونسبة الدين العام إلى الناتج المحلي (المعيارين الأول والثاني).
ففي الدول المعتمدة على النفط، فإن زيادة الإنفاق العام مرتبطة بزيادة الإيرادات النفطية المرتبطة بدروها بزيادة أسعار النفط في الأسواق العالمية.
ولكن أظهرت التجربة السابقة في حالة عدم استمرار ارتفاع أسعار النفط العالمية، فإن دول الخليج الست لا تتمكن من خفض النفقات بنفس وتيرة انخفاض الإيرادات، وأنها تلجأ أما إلى استخدام الاحتياطيات النفطية أو الدين العام كما حصل في الثمانينات والتسعينيات حيث بلغت نسبة الدين العام 120% من الناتج المحلي الإجمالي، كما تجاوزت نسبة العجز 15% من الناتج المحلي الإجمالي في بعض هذه الدول.
لذلك، تقترح الدراسة أن يتم تبني معايير مالية للوحدة النقدية تمثل بشكل أدق العوامل الأساسية المتحكمة في استقرار الأوضاع المالية في دول التعاون الست، وتساعدها في المحصلة النهائية على الاستعداد التدريجي لمرحلة نضوب النفط والإيرادات المتأتية منه. ويمكن تحقيق ذلك من خلال تبني معيار العجز المالي غير النفطي.
وهو يعني الرصيد المالي الكلي مطروح منه الإيرادات النفطية. وبالتالي، فإن على السياسة المالية لدى هذه الدول أن تعمل على تحقيق نسبة من العجز المالي غير النفطي التي تسمح بتراكم الموجودات المالية، وبحيث يمول العائد المتأتي من هذه الموجودات العجز المالي غير النفطي المستهدف عندما يحين موعد نضوب الموراد المتأتية من النفط والغاز.
وهذا يضمن بدوره توزيع مدة استهلاك الثروة النفطية على الأجيال بصورة عادلة، كما يضمن لدول المجلس أن كل دولة عضو قد ضمنت الاستقرار لمواردها المالية على المدى الطويل. أن تقدير حجم العجز المالي غير النفطي لكل دولة خليجية سوف يعتمد على حساب حجم الثروات النفطية لدى كل منها، وتقدير معدلات النمو السكاني المستقبلية.
المنامة ـ حسن العالي