يعتبر التطوير الأمثل لاحتياطات العراق الهائلة من النفط والغاز من أهم المفاتيح الاقتصادية لتحقيق مستقبل واعد للبلاد، ذلك أنه يأتي في أعقاب عقود من سوء الإدارة وقلة الاستثمار في المشاريع النفطية المنتجة، زائداً الاستغلال السياسي غير المسؤول. من هنا يمكن القول إن أمام العراق اليوم فرصة ذهبية نادرة من أجل رسم سياسة نفطية صحيحة مبنية على اطر تنظيمية حديثة.

ويرى الخبراء أن هذه الفرصة قد تضيع في حال وضع القانون على عجل أو إذا جرى تسييسه من قبل المستفيدين، بحيث يحرم العراق من توظيف خيراته وإمكاناته. ومن المتوقع أن يؤدي هذا الخلل اذا ما وقع إلى إيجاد ظروف أمنية سيئة قد تقود البلاد إلى نزاعات داخلية وتمنع العراق من بناء نظام ديمقراطي صحيح يخدم المجتمع وينمي طاقاته.

اقتناص الفرص

لهذه الأسباب وسواها يجب اقتناص الفرصة لاتخاذ القرار الصائب وتطوير الاحتياطات النفطية بطريقة مثالية.

ولكن ماذا يعني «التطوير الأمثل» من الناحية العملية؟

إنه وببساطة، أن يكون هدف العراق الأساسي والواضح هو زيادة الإنتاج إلى أقصى حد في أقرب وقت ممكن، من أجل زيادة عائدات الدولة. ولا تتوافر أي طريقة أخرى غير ذلك لتحقيق أقصى عائد للدولة ولصالح الشعب العراقي.

وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا بعد أن تقوم شركة النفط الوطنية العراقية بالتركيز على الحقول المنتجة حالياً وإعادة تأهيلها وزيادة إنتاجها ليصل إلى أربعة ملايين برميل يومياً (وهذه مهمة كبرى في حد ذاتها)، إضافة الى القيام بدعوة شركات القطاع الخاص (العراقية وغير العراقية) لاستثمار مئات المليارات من الدولارات اللازمة لتطوير الحقول الباقية والقيام بعمليات التنقيب بموجب عقود المخاطرة والربح (وليس بموجب عقود الخدمة) والتي بدورها تحقق أعلى قدرة استثمارية وتضمن أعلى عائد للدولة.

إن المبدأ الأساسي لوضع إطار تشريعي ناجح يكمن في الفصل الواضح الذي لا لبس فيه بين سلطات وأدوار الجهة التنظيمية (وهي الحكومة ممثلة بالوزارة المعنية) والجهة التي تخضع للتنظيم (وهذا يشمل جميع الشركات الاستثمارية بما فيها شركة النفط الوطنية العراقية وشركات القطاع الخاص للنفط والغاز المتعاقد معها للتنقيب والتطوير).

ولهذا فإن مسودة قانون النفط الحالية تمثل بالتأكيد بداية طيبة على رغم أنها تتضمن بعض الالتباسات الكبيرة التي يتوجب تسويتها. إضافة إلى ذلك، فإن ملاحق مسودة القانون، كما اقترحها البعض، تشير إلى منح 90 في المئة من احتياطات العراق المؤكدة الى شركة نفط وطنية عراقية لم تؤسس بعد ولا تخضع للمساءلة.

ومن الناحية العملية، وبعد الأخذ في الاعتبار الوقائع الحالية ونقص الموارد، فإن ذلك سيكون بمثابة ضربة قاتلة لأي أمل في التقدم والتطوير السريعين لهذا القطاع، بل إنه سيكون مناقضاً لما ورد في الدستور، وبالتحديد المادة 110 المتعلقة بالسياسة النفطية وتشريعاتها التي تتطلب «الاعتماد على أحدث تقنيات مبادئ السوق وتشجيع الاستثمار».

السياسة النفطية

ومن هذا المنطلق، هناك ثمانية مبادئ أساسية يمكن أن تفعل أو تقوض نجاح سياسة العراق النفطية والإطار التنظيمي لها:

1 ـ الهدف المركزي: هناك قدر كبير من الجدل والضجيج السياسي الذي أثير في الأسابيع والأشهر الأخيرة على قانون النفط والغاز المقترح. وبقدر تعلق الأمر بالسياسة النفطية وإطارها التنظيمي، فإن للعراق هدفاً واضحاً ومحدداً، هو زيادة العائد الاقتصادي للشعب العراقي إلى أقصى حد ممكن. وتحقيق هذا الهدف يتم بالأساس بواسطة ثلاثة عناصر هي: زيادة الإنتاج الى أقصى حد، في أسرع وقت ممكن، وفي ظل أفضل الشروط التجارية للدولة. هذا فقط لا غير، من دون تزويق أو تعقيدات مربكة.

وبصراحة، فإن كل الأهداف الأخرى التي يتم الادعاء بها والتصريحات المنمقة حول «تحقيق الوحدة الوطنية» و «حماية المصلحة الوطنية ضد الملكية الأجنبية»، وما إلى ذلك، ما هي إلا محاولات تضليلية من مخلفات الماضي وألاعيب فجة لتحويل أنظار العراقيين الذين ملوا من سماعها طوال العقدين الماضيين.

إن المادة 109 من الدستور العراقي تنص بوضوح على أن «ثروة النفط والغاز هي ملك لكل الشعب العراقي في جميع المناطق والمحافظات»، ولذلك لا يوجد خلاف على من يملك نفط العراق. ويمكن التعامل مع مسألة تقاسم الإيرادات في تشريع مستقل.

وهو في الحقيقة حول كيفية تقاسم «الكعكة» (كعكة الإيرادات)، الذي سيتم على أساس نسب توزيع السكان وكما نص عليه الدستور العراقي. ولذلك عندما يتعلق الأمر بسياسة نفطية فعالة، فإن ما يهمنا هو كيفية زيادة حجم هذه الكعكة لجميع العراقيين، وأفضل السبل لتحقيق ذلك هو إيجاد إطار قانوني يشجع التنمية القصوى للموارد النفطية للبلد. ولا شيء سوى ذلك.

2 ـ دور الدولة: يعتبر دور الدولة المتمثل بحكومة العراق أمراً مطلوباً ومهماً باعتبارها الأداة القوية والفعالة لصوغ سياسة البلاد النفطية وتنظيم الإشراف على القطاع النفطي بكامله وجميع الشركات العاملة داخله. وكذلك وضع السياسات والمعايير اللازمة والتركيز على زيادة الحد الأقصى للريع الاقتصادي للدولة من هذه العمليات. وإذا قررت الحكومة المشاركة في تشغيل وإدارة القطاع النفطي تجارياً بنفسها، فإنها بذلك تقوض دورها كمنظم فعال له. إذ لا يمكنها القيام بالمهمتين معاً.

وأثبتت التجربة على نطاق عالمي أن إدارة القطاع العام لمنشأة تجارية هي عملية غير ناجعة وتفسح المجال للاستغلال السياسي. وخير دليل على ذلك تاريخ العراق الذي يزخر بأمثلة توضح ذلك. وعلى رغم وجود أقلية بارزة تواقة حتماً لعودة ملكية الدولة، إلا أن نموذج الاقتصاد الاشتراكي والتخطيط المركزي والإدارة المركزية للدولة في العراق قد ولّى وإلى الأبد.

3 ـ الحاجة إلى القطاع الخاص:

إن إنتاج العراق الحالي من النفط يصل إلى حوالي مليوني برميل في اليوم، وهو المستوى ذاته الذي كان عليه في عام 1975، عام تأميم النفط، وهذا لا يمثل سوى جزء بسيط من المستوى الذي ينبغي أن يكون عليه الإنتاج في العراق في ضوء الاحتياطات والقدرات الكامنة من النفط والغاز.

ويكفينا أن نتأمل إنتاج روسيا التي تمتلك احتياطات نفطية اقل بكثير مما لدى العراق بينما يفوق إنتاجها ستة أضعاف إنتاج العراق! وهنا أريد الكشف عن حقيقة هي أن 60 في المئة من احتياطات العراق الحالية المؤكدة تم في الواقع اكتشافها من قبل شركات القطاع الخاص، في حين يعود تحديد وجود 20 في المئة أخرى من الاحتياطات الى شركات تنتمي أصلاً الى القطاع الخاص.

أعمال التنقيب

وينبغي أن لا يكون هناك أدنى شك بأن أعمال التنقيب عن النفط وتطوير حقول النفط والغاز غير المستغلة يجب أن يقوم بها القطاع الخاص من أجل مصلحة البلاد. وهنا لا بد من القول إن كل هذا العمل يجب أن ينظم بدقة من جانب الحكومة لضمان التقيد بالالتزامات التعاقدية.

ولقد أثبتت التجربة على نطاق عالمي أن الحكومات تفتقر إلى الكفاءة المطلوبة في إدارة المؤسسات التجارية، والعراق بالتأكيد لا يمثل استثناء لذلك. وعلاوة على ذلك، ففي مثل حال العراق تكون الحاجة للاستثمار من قبل القطاع الخاص أكثر الحاحاً من أجل معالجة النقص الحاد في الموارد المالية والتقنية والكوادر البشرية المؤهلة الذي تعاني منه الدولة العراقية.

والسبيل الوحيد لإشراك القطاع الخاص بما في ذلك شركات النفط العراقية، هو عن طريق منح عقود المخاطرة الملائمة (عقود الربح والخسارة) وبأي شكل كان، كي تتوحد مصالح شركات القطاع الخاص مع مصالح الدولة بما يجعل هذه الشركات تضع كامل مواردها المالية والتقنية والإدارية في خدمة هذا المجهود.

ومرة أخرى، لا يهم شكل العقود المعتمدة للاستثمار، طالما أنها تستند إلى مبدأ المخاطرة وتوفر الحوافز المناسبة للمستثمرين بما يؤمن الاستفادة القصوى من تحسين الريع الاقتصادي للعراق. وهنا لا بد من القول إن السرعة والكفاءة الفائقة هما أمران متلازمان وفي غاية الأهمية، كما هي الحال بالنسبة إلى مسألة تعظيم المنافسة.

وإذا ما تركنا دول الخليج الصغيرة مثل قطر أو الإمارات اللتين حققتا تطوراً سريعاً من فوائد استثمارات القطاع الخاص، نجد اليوم حتى الدول العربية الكبرى (ذات التوجه الاشتراكي) مثل مصر وسوريا وليبيا قد بدأت باستقبال عدد كبير من شركات القطاع الخاص للاستثمار وضمن إطار اتفاقات تقاسم الإنتاج.

فمصر، على سبيل المثال، لديها 64 شركة تعمل في قطاع النفط والغاز، بدءاً من شركات دولية كبيرة إلى أصغر شركة إقليمية أو مستقلة. ومن خلال نشاطات هذه الشركات والمنافسة الناجمة، حققت مصر تقدماً سريعاً في زيادة احتياطيها وإنتاجها، وبالتالي زيادة عائدات الدولة بطريقة لا يمكن أن يحققها لها احتكار الدولة للاستثمار.

تقاسم الانتاج

وبالفعل فإن اتفاقات تقاسم الإنتاج لا تعتبر من أدوات الهيمنة الخارجية، كما يزعم البعض جوراً، مما أدى إلى تشويه سمعتها بشكل غير مسؤول، إذ ان هذا النموذج من العقود قد أوجدته اندونيسيا، وهي عضو بارز في منظمة «أوبك». بل إن مبدأ تقاسم الإنتاج هو وسيلة لضمان الحد الأدنى المطلوب لمكافأة الشركة المستثمرة وزيادة عوائد الدولة. وأي وصف عكس ذلك هو محض خيال.

اما عقود عدم المخاطرة التي اقترحها البعض كوسيلة أخرى والتي تتبعها إيران بشكل كبير فهي اتفاقات (إعادة شراء العقود)، وهي محدودة النجاح وتتبعها إيران بسبب القيود الدستورية الخاصة بذلك البلد. ولكن في حقيقة الأمر ان المادة 110 من الدستور العراقي تقضي (بالاعتماد على أحدث تقنيات مبادئ السوق وتشجيع الاستثمار) لإدارة قطاع النفط.

4 ـ الغاية من إنشاء شركة نفط وطنية عراقية: ان الغاية من إنشاء شركة نفط وطنية عراقية هي إدارة وإعادة تأهيل الحقول النفطية المنتجة حالياً وممتلكاتها، والارتقاء بمستويات إنتاجها كي تصل الى طاقة تتراوح بين 5,3 ملايين - 4 ملايين برميل يومياً.

وهذا يشكل تحدياً كبيراً وفق المقاييس الدولية، ولا سيما اذا ما نظرنا الى الحالة المزرية الراهنة لمنشآت العراق النفطية والكادر الوطني العراقي الذي تفكك من جراء الحروب والعقوبات والهجرة غير المسبوقة للعقول العراقية، فضلا عن الافتقار للأموال ونقص التكنولوجيا.

ولذا فإن مهمة إنشاء شركة نفط وطنية عراقية ستتطلب موارد مالية وإدارية هائلة. ولكن اذا ما أحسن توجيهها وتنفيذها، فإن ذلك من شأنه ان يؤدي الى ظهور واحدة من أكبر شركات النفط في العالم تكون قادرة على تشغيل أكثر من نصف طاقة العراق الإنتاجية الممكنة.

ولذا ينبغي على شركة النفط الوطنية العراقية ألا تحوّل اهتمامها ومواردها عن هذه المهمة الكبيرة، وبالتالي ينبغي ان لا يسمح لها بممارسة أعمال أخرى مثل تطوير حقول النفط، والقيام بأعمال التنقيب، او الاستثمارات الأجنبية، أو الخدمات العراقية البترولية غير المطورة.

كما يجب ان تبقى بمنأى عن التدخلات السياسية، ويجب كذلك ان تعمل كمؤسسة تجارية تحت الإشراف التنظيمي للوزارة، كسائر غيرها من الشركات العاملة.

ولهذا، لا بد من وضع معايير وضوابط المساءلة لها كغيرها من المؤسسات التجارية، لضمان كفاءة أدائها وعدم تبديد الموارد الوطنية. وعلى شركة النفط الوطنية العراقية الجديدة ان تعمل وبسرعة كبيرة، كأي كيان تجاري آخر، كي تصبح معتمدة على نفسها ماليا، وأن لا تعتمد على أي تمويل من خزينة الدولة. وفي المقابل، ينبغي ان يسمح لها في تحقيق الأرباح كغيرها من الشركات الصناعية الأخرى.

وبهذه الطريقة، ستكون شركة النفط الوطنية العراقية مسؤولة أمام المساهمين (أمام الدولة وليس وزارة النفط) لبيان كفاءة عملياتها ونتائجها. وعليه، يجب ان تكون الشركة الوطنية حرة في إدارة أعمالها بكفاءة من دون تدخل الأحزاب السياسية. ويجب ان يقر تفويضها وسلطتها وهيكلها تبعا لذلك. كما يجب ألا يكون رئيسها وزير النفط او اي شخصية سياسية أخرى، ويجب ان يتم تعيين أعضاء مجلس إدارتها لفترات محددة غير قابلة للتجديد وهكذا.

وفوق كل اعتبار يجب أن لا تقوم شركة النفط الوطنية العراقية وبأي حال من الأحوال، بدور الجهة التنظيمية، إذ يجب ان تبقى هذه المهمة مستقلة وضمن مسؤولية الهيئات التنظيمية للدولة الاتحادية مثل مجلس النفط والغاز، والوزارات المعنية على مستوى الدولة والمحافظات. وفي نهاية المطاف، يمكن خصخصة شركة النفط الوطنية جزئيا في السنوات التالية من خلال توزيع ملكيتها بشكل واسع وشفاف بين العراقيين وبطريقة الاكتتاب العام.

دوافع سياسية

وأخيراً، فإن محاولات بعض الاطراف وبدوافع سياسية لمنح ما بين 80 و90 في المئة من احتياطي العراق بما في ذلك حقول النفط غير المطورة الى شركة النفط الوطنية من خلال ملاحق مقترحة على القانون، ستقضي على أي أمل في تحقيق تقدم اقتصادي سريع للعراق.

كما ستؤدي الى تكريس التخلف وتقويض امكانية تطوير قطاع الطاقة الحيوي في العراق وإعادة العراق الى المركزية والنموذج القديم المتمثل بسيطرة الدولة.

(على رغم انه حتى نظام البعث الاشتراكي قد بدأ بالتخلي عن هذا النموذج في ثمانينات القرن الماضي)، بل ان ذلك سيكون جريمة ترتكب بحق الشعب العراقي وانتهاكاً واضحاً للدستور العراقي في كل الأحوال. وسيخسر العراق سنوات من فرص التقدم، وسيضيِّع العراقيون المليارات من أموال الدولة التي هم بأمس الحاجة لها لتحقيق الازدهار والرخاء وبأسرع وقت ممكن.

علينا ان نرفض هذه الأفكار البالية من نماذج الاقتصاد المركزي. وكما قال أحد الحائزين جائزة نوبل مرة: «إننا لا نستطيع ان نحل مشاكل الأمس بالعقلية نفسها التي أوجدت هذه المشاكل»!.

5 ـ استخدام أموال الدولة: تتراوح تقديرات أموال الاستثمارات المطلوبة للتطوير الكامل والسليم للقطاع النفطي العراقي بين عشرات الى مئات المليارات من الدولارات. ومن دون الخوض في مناقشة الأرقام، فمن الواضح ان احتياجات العراق المالية هائلة وهو يعاني اليوم بالفعل من ديون كبيرة من الحجم نفسه، وأولويات عليا متنافسة على أموال الدولة مثل البنية التحتية والأمن والصحة والتعليم.

كيفية الاستثمار

وفي كل الأحوال، وكمبدأ أساسي، ينبغي ان لا تستنزف أموال الدولة او خطوط الائتمان للاستثمارات التجارية في الوقت الذي تتوافر فيه استثمارات القطاع الخاص المتاحة، وهذه سياسة متبعة حالياً على نطاق واسع، إقليميا وعالمياً، بل حتى في بلدان متقدمة يتوافر فيها الأموال والأفراد المؤهلون فعلاً.

ولكن لماذا ؟ لأنه وبكل بساطة مبدأ اقتصادي جيد وهو الأفضل من اجل ضمان كفاءة تحقيق أفضل النتائج وتحقيق الاستغلال الأمثل لأموال الدولة. وهذا سبب آخر لتحديد وتقييد دور الحكومة في الاستثمار والتشغيل في قطاع البترول: اذ لا جدوى من إضاعة أموال العراق في استثمارات يمكن ان يقوم به القطاع الخاص وبكفاءة أكثر وبعائد اقتصادي أكبر للعراق.

6 ـ الشروط التجارية: تتهم بعض الردود على قانون النفط والغاز المقترح بأنه يبيع ثروة العراق (للمصالح الأجنبية) أو (التخلي عن 70 في المئة من ثروة العراق النفطية).

وهذا محض هراء بطبيعة الحال، اذ ان أيام الحكومات الاستعمارية التي تملي شروطها قد ولت ومنذ أمد بعيد، ويجب أن لا يغطي الخطاب السياسي القومي الفارغ على واقعية المنطق الاقتصادي العملي.

فالدول المنتجة للنفط والواثقة ليست بحاجة للتفكير بهذه الطريقة، واذا كانت الدول العربية التي تتبع النهج الاشتراكي مثل مصر وسوريا وليبيا يمكنها أن تحقق تطوراً اقتصادياً بتطبيق هذا النوع من عقود المخاطرة، فمن المهين حقاً ان نفترض ان العراقيين غير قادرين على القيام بذلك ومن أجل المصلحة الوطنية العليا.

ان العراق بإمكانه وينبغي عليه ان ينتزع أفضل الشروط التجارية من الشركات باعتباره يمثل اكبر حوض للنفط غير مستغل في العالم ونظراً لقلة تكاليف الإنتاج ولوجود احتياطيات كبيرة وفي ضوء ارتفاع أسعار النفط في الوقت الحاضر.

فعلى سبيل المثال، لتطوير حقل رئيسي، تكون نسبة الربح النفطي الممنوح لشركة خاصة تقوم بالاستثمار بموجب اتفاق تقاسم الإنتاج هي خمسة في المئة او حتى أقل. وهذا يعني ان الدولة تحتفظ ب95 في المئة او أكثر من عائدات الإنتاج من الحقل بعد حساب التكاليف، ومن دون المجازفة بالاستثمار من قبلها.

وعلى النقيض من ذلك، فإن كل سنة من التأخير في تطوير هذا الحقل النفطي هي خسارة اقتصادية دائمة للشعب العراقي لا تقل عن 10 في المئة (معدلات البنك المركزي العراقي اليوم تقترب في الحقيقة من نسبة 20 في المئة).

7 ـ الجوانب الغامضة في مشروع القانون الحالي: يتناول المشروع الحالي لقانون النفط والغاز قضايا كثيرة بطريقة حديثة متطورة، لكنه لا يزال يتضمن جوانب غامضة تتطلب المعالجة.

فالجانب الايجابي فيه انه يميز تمييزاً واضحاً بين الجهة التنظيمية والجهة الخاضعة للتنظيم، وبالتالي يقضي على التضارب والغموض المتعلقين بإشراف الحكومة، وهو يسعى الى كسب استثمار القطاع الخاص في جميع جوانب عمليات ما قبل الإنتاج، بما في ذلك (وهو الأهم) تشجيع القطاع العراقي الخاص، كما انه يتضمن إقامة شركة نفط وطنية عراقية ويمنحها السلطة لإعادة تأهيل الحقول العراقية المنتجة حاليا وهذا في حد ذاته يمثل مهمة كبيرة كما ذكر سابقاً.

ولكن للأسف، يبدو ايضاً ان مشروع القانون يخول شركة النفط الوطنية الحق في تطوير الحقول غير المستغلة، وحتى إجراء عمليات التنقيب، ولكن من دون مساءلة او تخطيط مدروس حول التكاليف من خزينة الدولة. وهنا «يكمن الشيطان في التفاصيل».

واذا لم تحدد هذه التفاصيل بشكل واضح لا لبس فيه، يمكن ان تعيدنا وبسهولة الى النظام القديم غير الموثوق به وهو نظام سيطرة الدولة: فاذا ما أعطيت شركة النفط الوطنية العراقية الحق للاستيلاء على كل شيء حينئذ سوف لن نتقدم ولا خطوة واحدة للأمام وعندها سيكون قانون النفط والغاز لتنظيم الاستثمار في هذا القطاع من دون جدوى.

حميد ضياء جعفر