يستورد الاتحاد الأوروبي ثلث وارداته من الغاز الطبيعي من روسيا، وهذا النوع من الاعتماد، يحمل في طياته منفعة للجانبين، فهو بالنسبة للاتحاد الأوروبي مصدر دخل مهم، من العملات الأجنبية الصعبة، فجميع خطوط أنابيب الغاز الروسي تتجه إلى الاتحاد الأوروبي، وستمضي سنوات لبناء خطوط الأنابيب ومحطات الغاز الطبيعي لشحن الغاز الروسي إلى الصين أو الاتحاد الأوروبي.
ورغم ذلك، فإن أوروبا تشعر بالقلق، وهي محقة تماماً في ذلك، فخلافة الرئاسة في عام 2008، قد تؤدي إلى بسط سيادة الدولة على قطاعي الطاقة والعقارات، فالكرملين يسيطر على «غاز بروم»، شركة احتكار الغاز، أم أن الأمر معكوس؟ إذ لا يمكن استبعاد إلحاق الضرر بصناعة الطاقة، وقد يكون التوتر السياسي أحد الأسباب التي أدت إلى انخفاض الاستثمارات في حقول غاز جديدة، خلال السنوات العشر الماضية.
وقد تكون قبضة الكرملين المحكمة السبب الآخر. وبدلاً من الترحيب بالأموال الأجنبية والتكنولوجيا، فإن جاز بروم، أبعدت الشركات الغربية من مشاريع سخالين 2 و«كو فيتكايا»، وقد اتسم انتاج جاز بروم بالثبات طيلة السنوات الماضية، في الوقت الذي يزداد فيه الطلب المحلي. ويقول خبراء ان تدني الاستثمار الروسي، قد يفتح «فجوة غازية» في أوروبا بحلول عام 2010.
وتفادياً للوصول إلى هذه المرحلة، توصل الاتحاد الأوروبي إلى حل، وهو «التبادلية» ويتمثل في حصول جاز بروم على حصة في أسواق الغاز في الاتحاد الأوروبي، في حين تحصل الشركات الأوروبية على فرص استثمارية واسعة في روسيا. وقد تبدو فكرة «التبادلية» جيدة، فهي تحمل في طياتها منافع متبادلة.
وقد اعتبر كل من انجيلا ميركل المستشارة الألماني، وخوزيه مانيويل باروسو، رئيس المفوضية الأوروبية، وفلاديمير بوتين الرئيس الروسي، هذه الفكرة بأنها خطوة إلى الأمام، والمشكلة أنها تعني أشياء مختلفة لدى كل من أوروبا وروسيا، فالاتحاد الأوروبي، يرغب في إظهار قانوني متفق عليه لتسهيل عملية الاستثمار المتبادلة، فيما يرغب الكرملين في مقايضة للأصول.
وأوروبا تدعو للانفتاح، فيما روسيا تميل إلى السيطرة، أما الآن «فالتبادلية» تسير إلى صالح روسيا، حيث تمتلك جاز بروم استثمارات في 27 بلداً أوروبيا، وهي تمتلك شبكات توزيع في بعضها، وتبني صهاريج تخزين في بلدان أخرى.
ومنذ العام الماضي، أبرمت صفقات متبادلة كبرى مع ألمانيا وفرنسا وشركات إيطالية، منحتها حرية الوصول إلى مستخدمي الغاز في الاتحاد الأوروبي في غضون ذلك، لم يفلح الاتحاد الأوروبي في إقناع روسيا، بالتصديق على معاهدة ميثاق الطاقة، التي تجبر روسيا على فتح قطاع الطاقة بصورة جزئية.
وتفكر المفوضية الأوروبية حالياً في منع جاز بروم من الاستثمار في الاتحاد الأوروبي، إلى أن تسمح روسيا بمزيد من التدفقات الاستثمارية الأوروبية، ومع ذلك فإن الاتحاد الأوروبي لا يستطيع تبني المقاربة الروسية من دون التخلي عن مبادئ سوقه الحرة. والقوانين الأوروبية تحظر التمييز ضد أي مستثمر على أساس جنسيته.. كما يصعب على الاتحاد الأوروبي الانسحاب من العملية، فهل ستصبح المشاريع المشتركة لجاز بروم غير قانونية؟ ومن سيخبر شركات الطاقة الأوروبية على الأصول التي يجب أن تسلمها أو لا تسلمها لجاز بروم؟
والحل الوحيد للمضي قدماً هو التأكد مما إذا كانت استثمارات غاز بروم، ستسير وفق القواعد الأوروبية، وفي ضوء سجل الشركة في الإدارة المتعثرة وسيطرتها على الأصول، وتدخلها السياسي، فإن الاتحاد الأوروبي سيكون معذوراً في السؤال حول ما إذا كانت تتفهم المبادئ السوقية.
ولحسن الحظ فإن الاتحاد الأوروبي يملك الأداة التي تمكنه من فرض الروح التنافسية، والثقافية، والمعاملة على قدم المساواة. وفي شهر مارس، طالب قادة الاتحاد الأوروبي، نيلي كوريس، مفوضية التنافسية، بالتحقيق فيما إذا كان الدور المتنامي لجاز بروم من شأنه عرقلة تحرير سوق الطاقة.
وعندما أبدى بوتين تذمره، يقال إن ميركل ردت عليه بالقول إن جاز بروم يجب أن تعتبره شرفاً أن تعامل مثلها مثل مايكروسوفت، ولو أن الأوروبيين كانوا بالفعل متخوفين من دور جاز بروم المتنامي، فإن الواجب يقتضي منهم دعم جهود المفوضية، الداعية إلى تسريع عملية تحرير سوق الغاز الخاصة بهم.
وستطلق المفوضية خلال هذا الشهر، مشروع قانون جديد يحظر على أية شركة منفردة إنتاج أو نقل أو بيع الطاقة، وكانت كل من فرنسا وألمانيا تعارضان هذا القانون حتى الآن. غير أن الواجب يقتضي منهما إعادة النظر، فالمنافسة تعني تقليص هامش الأرباح في الأسواق، وبالتالي فإن جاز بروم ستفقد اهتمامها بالأصول الأوروبية، وتستثمر في بلادها التي أحوج ما تكون إليها.
ترجمة: وائل الخطيب