أثارت قفزات اليورو في أسواق الصرف العالمية مع تخلص المستثمرين حول العالم من الدولار تكهنات بأن يواجه اقتصاد منطقة اليورو المؤلف من 13 دولة خطراً كبيراً. فعلاوة على تزايد المخاوف بشأن آفاق قطاع تصدير الآلات الرئيسي لمنطقة اليورو فإن وثبات العملة الأوروبية المشتركة من مستوى قياسي إلى مستوى قياسي آخر تأتي وسط مؤشرات على أن اقتصاد منطقة اليورو بدأ في التباطؤ ومواجهة ضغوط تضخمية متجددة.
ويأتي ارتفاع اليورو في الأشهر القليلة الماضية التي بلغ خلالها أعلى مستوياته على الإطلاق أمام الدولار مسجلا أكثر من 41 ,1 دولار في نهاية الأسبوع الماضي أيضا على خلفية تعديل خبراء الاقتصاد توقعاتهم بالانخفاض لنمو اقتصاد منطقة اليورو. وبعد أن نما الاقتصاد بنسبة 5 ,2% هذا العام.
فإن اقتصاديين يتوقعون الآن أن يتراجع النمو إلى أقل من 2% ليصل إلى 9 ,1% في العام القادم حتى قبل أن يتضح حجم التداعيات السلبية لما شهدته أسواق المال مؤخرا من اضطراب. وقال راينر جونتيرمان الاقتصادي البارز في بنك «دريسدنر كلاينفورت الألماني الاستثماري إن «السوق تتوقع سيناريو التباطؤ».
لكن هذا الأمر يثير التساؤل بشأن المدى الذي عنده يمكن للأداء القوي المستمر لاقتصاديات ناشئة كبيرة مثل الصين والهند والشرق الأوسط تعويض ما تظهره مؤشرات متزايدة عن تباطؤ النمو في اقتصاد الولايات المتحدة أكبر اقتصاد في العالم.
لكن من المرجح أن ارتفاع اليورو الذي يبدو أنه بلا نهاية سوف يزيد الدعوات السياسية التي تأتي في مقدمتها دعوات الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بخفض أسعار الفائدة لمنع تعرض الصادرات والنمو الاقتصادي للخطر بسبب قوة سعر صرف اليورو كما أن ارتفاعه يتيح مزيدا من الوقت للبنك المركزي الأوروبي كي يحدد سياسته النقدية.
وفي غضون ذلك، فإن التوقعات الاقتصادية المتشائمة بالنسبة للولايات المتحدة نتيجة أزمة سوق الرهن العقاري عالي المخاطر إضافة إلى توقعات بأن مجلس الاحتياطي الاتحادي الأمريكي سوف يستمر في دورته لخفض أسعار الفائدة التي بدأها الأسبوع الماضي الماضي قد ساهمت في تراجع قيمة العملة الخضراء وتعزيز سعر اليورو للارتفاع.
ويضارب المتعاملون في أسواق الصرف حاليا بشأن الموعد الذي سيخترق عنده اليورو مستوى 45 ,1 دولار وحتى حاجز 50,1 دولار وذلك بعد أن تجاوز مستوى 41, 1 دولار هذا الأسبوع. وبهذا الصعود يكون اليورو قد استغرق مدة طويلة كي يصل إلى هذا المستوى منذ بداية طرحه للتداول عام 1999. فمع تفوق نمو الاقتصاد الأمريكي المزدهر على منطقة اليورو حينذاك، تراجع اليورو إلى مستوى متدن قياسي ليبلغ 52, 82 سنتا من الدولار في أكتوبر عام 2000.
الارتفاع المطرد لأسعار الفائدة في منطقة اليورو منذ ديسمبر عام 2005 والمخاوف بشأن حدوث أزمة ائتمانية بسبب المخاوف من أن ارتفاع حالات التخلف عن سداد قروض الرهن العقاري عالي المخاطر في الولايات المتحدة قد تضرب سوق العقارات في منطقة اليورو وبالتبعية إنفاق المستهلكين في اقتصاديات كبيرة مثل أسبانيا وفرنسا.
وفي الوقت نفسه، من المتوقع أن تظهر مؤشرات رئيسية سيتم الإعلان عنها الأسبوع القادم أن التوقعات الاقتصادية في أنحاء منطقة اليورو تتراجع. وتشمل تلك المؤشرات مؤشر مناخ الأعمال «آيفو» الألماني ومؤشر ثقة الشركات الذي تصدره المفوضية الأوروبية.
ويقول محللون إن من المتوقع بعد أن انخفض مؤشر آيفو إلى 1ر105 نقطة في سبتمبر أن يستمر في التراجع حتى ديسمبر ليصل إلى حوالي 100 نقطة مما يجعل الأمر أكثر صعوبة على البنك المركزي الأوروبي
لرفع أسعار الفائدة التي اضطر إلى تأجيل زيادتها هذا الشهر بسبب اضطراب أسواق المال.
ويرى محللون ان اليورو سيواصل تحقيق قفزات على حساب الدولار وقد يبلغ قريبا عتبة 45,1 دولار بسبب الشكوك التي تحوم حول الاقتصاد الاميركي. ورغم ترحيب الاسواق بخطوة خفض الفائدة الأميركية، إلا أن المحللون أجمعوا على انها عرضت الدولار لضغوط وادت إلى ارتفاع قيمة اليورو، لافتين إلى ان العملة الأوروبية قد تبلغ سقوفا غير مسبوقة على المدى القريب. ويتحدث معظمهم عن يورو يساوي 45,1 دولار.
وقال جون سيلفيا كبير الاقتصاديين في «فاشوفيا» «لا نعلم حقيقة ضعف الاقتصاد الاميركي، في حين ان الاقتصاد الاوروبي مستقر. نجهل إلى اي مدى سيخفض الاحتياطي الفدرالي فائدته ونجهل ايضا بعض المشاكل في السوق المالية».
واقر رئيس الاحتياطي الفدرالي الاميركي امام الكونغرس بان عدم استقرار الاسواق «ضاعف المخاوف حول افاق النمو العالمي» وبان تداعيات ازمة الائتمان العقاري تجاوزت «التوقعات الاكثر تشاؤما». وتوقع سيلفيا ان يواصل الدولار تراجعه، مؤكدا انه سيتجاوز عتبة 45 ,1 «في غضون الاشهر الستة المقبلة».
وعلى غراره، يعزو المحللون ارتفاع اليورو إلى التساؤلات حول مدى صحة الاقتصاد الاميركي، ما قد يدفع الاحتياطي الفدرالي إلى خفض فائدته مجددا. ويعزز هذه الفرضية تراجع اسعار الاستهلاك في الولايات المتحدة بنسبة 1,0 في المئة في اغسطس مقارنة بيوليو، الامر الذي يخفف من اخطار التضخم.
وفي ذات السياق لاحظ رافاييل مارتوريل من بنك ناسيونال دو باري- باريبا ان «الاحتياطي الفدرالي قد يخفض مجددا معدل فائدته الرئيسية، في حين قد لا يعدل البنك المركزي الاوروبي فائدته وربما يرفعها». ومع بلوغ نسبة الفائدة في منطقة اليورو اربعة في المئة، فان الفرق مع النسبة الأميركية تقلص في شكل ملحوظ، ما يشجع اكثر على الاستثمار في العملة الأوروبية على حساب الدولار.
واوضح ديريك هالبني الاقتصادي في بنك اوف طوكيو ميتسوبيشي+ انه «تم تجاوز عتبة 1,40 دولار، والضعف الاكيد للعملة الأميركية حيال كل العملات يدفع إلى التوقع ان فوارق نسب الفائدة بازاء الدولار ستتحرك». واذا كان الفارق بين الفائدة الأميركية وفوائد العملات الاخرى يتقلص اكثر بحسب معظم المحللين، يشدد مارتوريل على ان الدولار قد يدخل مرحلة ضعف جديدة تنعكس ايجابا على العملة الأوروبية «الا اذا ظل الوضع النقدي في منطقة اليورو على حاله».
وازداد ضعف العملة الأميركية مع قرار المملكة السعودية عدم خفض نسبة فائدتها الرئيسية ردا على خطوة الاحتياطي الفدرالي، علما ان الريال السعودي مرتبط عادة بالدولار. وكتب المحللون في موقع «دايلي اف اكس دوت كوم» ان «تكهنات حول اتجاه السعودية إلى عدم ربط الريال بالدولار ترخي بثقلها» على العملة الخضراء.
