مع قرب انعقاد القمة الخليجية في الدوحة، نقول ان التطورات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدناها خلال العام المنصرم ولاسيما على صعيد الجدل الدائر بشأن العمالة الأجنبية في بلداننا وحقوقها التي تطالب بها المنظمات الدولية، نقول ان هذه التطورات تفرض على دول التعاون مراجعة الاستراتيجية السكانية الخليجية التي سبق للقادة الخليجيين إقرارها.

فهذه الاستراتيجية باتت بحاجة جادة إلى دراسات ومسوحات عملية تترجمها على أرض الواقع. ورغم قلة هذه الدراسات والمسوحات، فإننا نتناول هنا واحدة منها على جانب كبير من الأهمية وهي الورقة التي سبق للمكتب التنفيذي لمجلس وزارء العمل والشؤون الاجتماعية بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية إعدادها.

حيث تناولت أهم المؤشرات الديموغرافية في دول مجلس لاستيضاح انعكاساتها على تنفيذ الاستراتيجية السكانية الموحدة لدول المجلس. إن المؤشرات الديموغرافية والمقارنات الاحصائية والتوزيعات النسبية للنشاط الاقتصادي وسوق العمل والعمالة ومستوى التعليم والجنسية والنمو السكاني وتوزيعاته على حسب العمر والجنس والجنسية وغيرها من المؤشرات تبرز أهميتها في أي معادلات تنبؤية للتخطيط الراهن أو المستقبلي للسكان بشكل عام والقوى العاملة فيه على وجه الخصوص.

وتتمثل المشكلة الكمية للسكان في عموم الدول النامية في بعض الظواهر الديموغرافية الكمية والمعبر عنها بمصطلحات مختلفة كالتضخم السكاني والانفجار السكاني والاكتظاظ السكاني او الفائض السكاني.. الخ.

وفي أواسط الثمانينات تم التحول الديموغرافي الآخر نتيجة لعوامل عديدة أهمها انخفاض أسعار النفط وبروز العجوزات لأول مرة في موازين دول المجلس مما أدى الى تغيير استراتيجيات الإنفاق الحكومي.

كذلك الانتهاء النسبي من معظم مشاريع البيئة التحتية التي بدأت قبل عقد من الزمن والتوسع الهائل في خدمات الصحة العلاجية والوقائية أدى الى انخفاض ملحوظ في معدلات الوفيات في معظم دول المجلس وزيادة معدلات المواليد، وبالتالي بروز الاتساع بين المعدلين، ومن ثم ارتفاع المعدلات الطبيعية للسكان.

كل العوامل أعلاه أفرزت ظاهرة البطالة ولأول مرة في صفوف المواطنين نظرا لتفاعل هذه العوامل مع وجود منافسة شديدة من قبل العمالة الأجنبية الوافدة، كما أدت الى إدخال تغييرات جوهرية على المؤشرات الديموغرافية في دول المجلس.

ويعزا ارتفاع معدلات النمو السكاني في دول المجلس الى الزيادة الطبيعية وصافي الهجرة الخارجية (العمالة الوافدة). وحتى بعد استبعاد تأثير الهجرة الوافدة فان معدلات الزيادة الطبيعية ستبقى عالية بالنسبة للمواطنين من سكان دول المجلس

وذلك نتيجة ارتفاع دخل الفرد وتحسين مستوى المعيشة والتوسع في التعليم وخاصة تعليم المرأة وانخفاض معدلات الوفيات لم يصاحبه انخفاض ملحوظ في معدلات المواليد، حيث ظلت معدلات المواليد على مستوياتها العالية، مما أدى الى ارتفاع معدلات الزيادة الطبيعية.

كما تتميز مجتمعات دول مجلس التعاون بأنها مجتمعات فتية، حيث ترتفع نسبة الافراد الذين تقل أعمارهم عن 15 سنة. كما تختلف اعداد القوى العاملة ومعدلات نموها السنوية اختلافا واضحا بين الوافدين والمواطنين بدول المجلس، فعلى الرغم من ان نسبة السكان الوافدين لدول المجلس تزيد على 35% من اجمالي سكان المنطقة،

الا ان نسبتهم من اجمالي القوى العاملة تزيد على (65%). اما بالنسبة لمعدلات النمو السنوية للقوى العاملة فانها أيضا تختلف اختلافا كبيرا بين الوافدين والمواطنين، فبينما بلغ هذا المعدل (12. 8%) للوافدين نجده لا يزيد على (1. 4%) للمواطنين خلال السنوات الخمس الماضية. ان غالبية العمالة المواطنة في دول مجلس التعاون تعمل في القطاع الحكومي في حين تتمركز العمالة الآسيوية الوافدة في مؤسسات وشركات القطاع الخاص.

وفي منتصف الثمانينات شهدت دول مجلس التعاون تراجعا في عائداتها النفطية نتيجة لانخفاض أسعار النفط وتذبذبها، مما افرز ولأول مرة عجوزات في ميزانياتها بعد فوائض ضخمة استمرت عقدا من الزمن تقريبا.

هذا التراجع الاقتصادي وفي مرحلته الأولى لم يصاحبه انخفاض في حجم العمالة الوافدة الموجودة داخل المنطقة او القادمة بل كانت ردود فعل الحكومات هي تخفيض الاتفاق العام الى حدود لا تؤثر كثيرا على المشاريع القائمة او في طريقها الى الاكتمال او الخدمات الأساسية للمواطنين،

وردود فعل مؤسسات القطاع الخاص كانت تتركز على تخفيض التكاليف الثابتة نتيجة التراجع الذي حصل على أرباحها، في حين ظلت مشكلة العمالة الأجنبية تتفاقم حتى وصلت أعدادها اليوم 13 مليون عامل وهو ما شجع حكومات دولها على المطالبة بحقوقها في حرية العمل والحركة وتشكيل مجتمعاتها المدنية الخاصة ومساواة حقوقها مع العمالة الوطنية في بلداننا، ولربما تطالب قريبا بإعطائها الحقوق السياسية أيضا.

ان التعرف على المؤشرات الديموغرافية في دول المجلس وفي مقدمتها هيكلية السكان من حيث العمر والسكن ومستوى المعيشة، وكذلك توزيع قوة العمل حسب المجموعات المهنية والنشاطات الاقتصادية والقطاعية وحسب الجنسية حسبما ما ورد في الاستراتيجية السكانية لدول المجلس سوف تساعد بالتأكيد على وضع

وتنفيذ سياسات الاستخدام وتوزيع فرص العمل، كما تساعد على رسم السياسات الخاصة باستبدال العمالة الوافدة بالعمالة المواطنة عن طريق وضع البرامج الخاصة بالتأهيل والتدريب، وهذا ما يبدو أنه مطلوب بإلحاح هذه الأيام.

كاتب ومحلل اقتصادي