يؤدي تخلف الأمة العربية في إنتاج التكنولوجيا والابتكارات الحديثة وعدم تقديم منتجات تكنولوجية متطورة مثلما يحدث في دول نامية عديدة كالصين والهند ودول جنوب شرق آسيا فعلاً إلى تجميد التقدم لسكانها واتساع مشاكلها السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية، وهي حقيقة يتحدث عنها الأصدقاء ويدعم الأعداء استمرارها.

كما يتساءل الكثيرون عن أسبابها مع توافر ثروة مادية ومعنوية ضخمة في المنطقة العربية بينما لا تتوافر في مناطق عديدة أخرى. على أن الزيارة التي قام بها الوزير طارق كامل وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات المصري إلى الإمارات في النصف الأول من الشهر الجاري على رأس بعثة من 42 شركة تعمل في مجال تكنولوجيا المعلومات،

وكذلك الاتفاقات التي أبرمها مع المسؤولين في هذا القطاع وما رحبوا به من استعداد الإمارات لتمويل مشروعات في التنمية التكنولوجية لاحتضان الأفكار الجديدة للشباب العربي وتنمية وتطوير مجالات الإبداع والابتكارات،

والتعاون الكامل الذي تم الاتفاق عليه بين واحة السليكون بدبي والقرية الذكية في القاهرة وبحث التكامل بينهما، هذه الزيارة وتلك الاتفاقات والروح الأخوية التي سادت المباحثات ستؤدي إلى تقليص التخلف العربي في هذا المجال وبداية عصر حديث لصناعة تكنولوجية عربية تتطلع إليها الشعوب العربية منذ عشرات السنوات.

لقد حققت الزيارة فعلاً نتائج كبيرة على المستوى العلمي وسيكون لها آثارها في دفع الإصلاح العربي الذي ما زال محل مطالبات جانبية لم تصل إلى مستوى التفعيل والتنفيذ العملي رغم أهميته القصوى لكل الدول العربية وفي جميع المجالات الحياتية للشعوب العربية، من بين هذه النتائج:

ـ الاتفاق مع وزير التعاون الحكومي الإماراتي (معالي سلطان المنصوري) على مد الجانب الإماراتي بالخبرات اللازمة لتنفيذ الأعمال لدى الغير وتقديم الخدمات عبر الحدود بنظام (الأوت سورسنجش ) مع الاستفادة في ذلك من شبكة التأثير القوي للإمارات في الأسواق الهندية والآسيوية والأميركية،

ومن الطبيعي أن التركيز سيكون على تنفيذ الأعمال التكنولوجية داخل المنطقة العربية ولصالح الشعوب العربية وهي الأعمال التي يمكن أن يصل أثرها إلى المواطن العربي أيا كان موقعه وفي أي مكان كان. ـ تعزيز التعاون بين أكاديمية اتصالات والمعهد القومي للاتصالات في مجال التدريب المتخصص والاستثمارات وإعداد الكوادر الفنية وتأهيلها لسوق العمل في مجال الشبكات والنظم اللاسلكية،

ولا شك أن هذا التعاون سيقود إلى توسيع المجالات التكنولوجية التي يتطلبها أنظمة العمل اليومية داخل المنطقة العربية وتوجيه المواطنين العرب إلى تغيير سلوكهم التقليدي في العمل والإنتاج وبالشكل الذي يؤدي إلى تحسين وتطوير السلع والمنتجات العربية.

ـ الاتفاق المقترح مع بنك ( إتش إس بي سي ) لإنشاء مركز إقليمي بالقرية الذكية في مجال الخدمات المالية، والذي ينص على أن يتم تشغيل 300 خريج كمرحلة أولى في مجال تصدير الخدمات التكنولوجية الخاصة بالنواحي المصرفية والمالية إلى الأسواق العربية وخاصة منها الأسواق الخليجية،

وعلى أن يصل عدد الخريجين مستقبلاً إلى 800 خريج، ولا شك أن هؤلاء الخريجين سيكون من بينهم من يستطيع قيادة التصنيع التكنولوجي العربي المبني على مبتكرات ينتجها الشباب العربي الحاصل على شهادات علمية بتقديرات مرتفعة

ـ الاتفاق الذي تم مع نائب رئيس شركة (دل) العالمية في مجال تكنولوجيا المعلومات على إنشاء مركز للدعم الفني ومركز اتصال يخدم المنطقة العربية كلها، وسوف يتم قريباً توقيع نائب الشركة على مذكرة نظام أثناء زيارته للقاهرة،

وهذا المركز سيكون بمثابة إشعاع تكنولوجي تمتد خدماته إلى كافة المناطق العربية كما سيضم أكفأ الخبراء العرب الفنيين الذين يمكنهم التوجيه والإرشاد وخلق أجيال تكنولوجية جديدة داخل المنطقة العربية.

إن هذه النتائج يتوقع لها أثرها الكبير في دعم التعاون التكنولوجي بين البلدين وبداية عهد جديد لتصنيع التكنولوجيا العربية وجذب العلماء العرب المنتشرين في عدد كبير من دول العالم الذين يخدمون فيها بعيداً عن المنطقة العربية،

علماً بأن الإحصائيات الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة ذكرت أن ما يقرب من 50% من الأطباء و23% من المهندسين و 15%من العلماء من مجموع الكفاءات العربية المتخرجة من الجامعات العربية يهاجرون متوجهين إلى أوروبا وكندا والولايات المتحدة الأميركية، وتستقطب 75% منهم ثلاث دول فقط هي الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وكندا.

إن الوطن العربي فعلاً أصبح في مستوى متدن من التكنولوجيا الحديثة وذلك بالمقارنة بما عليه الحال في باقي مناطق العالم خاصة وأن الإنفاق على البحث العلمي في اغلب الدول العربية لا يزيد على 2. 0% بينما يبلغ في إسرائيل 6. 2% من موازنتها السنوية، كما يبلغ في الولايات المتحدة الأميركية 6. 3% وفي السويد 8. 3%،

وهو ما يساعد هذه الدول على استقطاب العلماء والخبراء الفنيين من جميع أنحاء العالم خاصة من المنطقة العربية التي لا تقدم حوافز مناسبة لعلمائها والخريجين المتقدمين فيها لدفعهم إلى مواصلة البحوث والخروج بمبتكرات تكنولوجية مستحدثة تنقل المنطقة العربية إلى مستوى الدول التي تقدمت في هذا المجال.

ونظام التعليم في أغلب الدول العربية هو أحد الأسباب الرئيسية التي تؤدي إلى هذا التردي التكنولوجي العربي، فنظام القبول بالجامعات العربية على سبيل المثال يؤدي في حالات كثيرة إلى تكالب أنبغ الطلاب على كليات معينة مثل الطب والهندسة بينما يتوجه أكثر الطلاب كسلاً وأقلهم ذكاء إلى كليات نظرية كالاقتصاد والتجارة والحقوق

وهو وضع يتم عكسه في الدول المتقدمة حيث يكون الامتحان دائماً وسيلة لاختبار الذاكرة دون الاهتمام بالبحث العلمي والإبداع في مجال التخصص، وقد امتلأت جامعات عربية عديدة بطوفان من البشر بينما هجرها النابهون من الأساتذة تحت إغراء أماكن كبيرة ووظائف مجزية وفرص إبداع في الخارج،

وبالتالي أصبح الخريجون أشباه متخصصين وأشباه متعلمين يلقى بهم إلى الوظائف دون تفرقة بين القدرات الذهنية والإمكانيات العلمية والعملية، وهو ما يقتل لديهم الرغبة في الإنتاج والابتكار ويؤدي إلى هجرة النابهين منهم إلى الخارج.

لقد أجرت جامعة الدول العربية ومنظمة العمل العربية دراسة عن الخسائر الناتجة من هجرة العقول العربية إلى الخارج وأوضحت الدراسة أن حجمها يبلغ 200 مليار دولار سنوياً، ويتم ذلك بسبب عدم الاهتمام العربي بالبحث العلمي خاصة في النواحي التي يمكن أن تُوَصِّل إلى تكنولوجيا ومبتكرات جديدة في القطاعات الحيوية التي تهم حياة الشعوب العربية في مسيرتهم العملية وفي استهلاكهم وفي مواردهم،

وقد أكدت الدراسة أن 54% من الطلاب العرب الذين يدرسون بالخارج لا يعودون إلى بلادهم العربية، وذلك لعدم وجود المناخ الملائم للبحث العلمي والعجز عن إيجاد العمل المناسب في تخصصاتهم العلمية والذي يحقق لهم الدخول المادية والمعنوية المناسبة، وهو ما يتطلب البحث عن معالجات جادة لإعادة استقطابهم وتوفير المناخ الملائم لأعمالهم وأبحاثهم طالما كانت هناك إرادة لبداية ودعم صناعة تكنولوجية عربية.

إن اتفاقيات التعاون والتكامل التي تم توقيعها بين الإمارات ومصر وخاصة تلك التي تم توقيعها بين هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات وشركة أبيكور لإنشاء مركز تطوير البرمجيات والذي سيكون الأول على مستوى المنطقة العربية حيث سيضم أكفأ المبرمجين والمطورين العرب الذين يمكنهم دفع العمل التكنولوجي العربي،

هذه الاتفاقيات ستساعد على تشجيع الابتكارات والاختراعات التي يمكن أن ينتجها الخريجون العرب الأكفاء مع دفعهم إلى العمل داخل المنطقة العربية طالما توافر لهم المناخ المناسب والأماكن التي تتفق مع قدراتهم العلمية والفنية والذهنية وبالشكل الذي يؤدي إلى خروج المنطقة العربية بمبتكرات جديدة تساهم بنسبة كبيرة في تطور الحركة العلمية والتكنولوجية العالمية.

ولا شك أن متابعة تنفيذ هذه الاتفاقيات وتفعيلها على مستوى جيد وجاد وتعظيم نتائجها في المستقبل وفق برنامج زمني وخطوات محددة، سيؤدي إلى اعتراف الجميع بأن صناعة التكنولوجيا العربية قد بدأت فعلاً .. وعلى أن يتم ذلك عن طريق تشكيل مجموعة عمل تضم أكفأ العلماء والخبرات الفنية والإدارية .. ليس على مستوى البلدين فقط ولكن على مستوى المنطقة العربية ككل.

كاتب اقتصادي مصري