كان جو مونتانا لاعب كرة قدم أميركية محترفا لمدة ستة عشر عاما. وهو من أفضل من مارس تلك اللعبة، بالإضافة إلى أنه اللاعب الوحيد الذي حصل ثلاث مرات على جائزة تميز رياضي. كما أنه القائد الذي قاد فريقه إلى الفوز بالدوري الأميركي لأربع مرات متتالية.
ومنذ استقالته من مجال الرياضة الاحترافية عمل مونتانا بنجاح كبير كمحدث محفز محترف. كما قام بتأسيس معهد استشاري، يهدف إلى تحسين أداء المؤسسات. ويقول الكثيرون عنه إنه يمثل بحق مفهوم «التميز في الأداء»، سواء كلاعب أو كمحدث محفز.
يرى مونتانا أن التميز في الأداء واحد في جميع المجالات، العملية منها والشخصية. ويرى كذلك أن الطريق إليه واحدة، وهي طريق الأخلاق والنزاهة الشخصية. ويصفها أنها معركة داخلية، تدور حول مساءلة النفس والحماس وبذل مجهودات مضاعفة والتقدير.
فالتميز ليس حكرا على منطقة جغرافية معينة أو مهنة معينة أو حتى تخصص معين، كما أن التميز ليس له حدود وإنما السماء هي الحدود وإذا أردنا أن نحقق التميز فإنه لن يتحقق عن طريق تحسين ما مضى وإنما تجويد ما هو آت، فالتميز باختصار فلسفة إدارية وليس وظيفة تنظيمية فهو ليس غاية وإنما وسيلة لتحقيق الأهداف المرجوة.
فكيف يمكن أن نتميز بالعدالة؟ القانون في مجمله مجموعة من القواعد التي تحكم وتنظم سلوك الأفراد في الجماعة وتوفق بين مصالحهم والتي يفرض على مخالفها جزاء توقعه السلطة العامة. القانون يوضع لتنظيم سلوك الأشخاص في المجتمع والسلوك يتغير بتغير الزمان والمكان لهذا فإن القوانين تتغير وفقا لذلك،
والقانون يتكون من نوعين من القواعد إحداها موضوعية والأخرى إجرائية وفي اعتقادي أن التميز القانوني محله يكمن في القواعد الإجرائية على اعتبار أن التميز الذي هو بيت القصيد والذي نستهدفه وتكمن فلسفته في الإجراءات المتبعة التي من خلالها توصلنا إلى تحقيق الأهداف والهدف من القواعد الإجرائية هو تحقيق العدالة
وليست أي عدالة وإنما العدالة السريعة والناجزة غير المعيبة بمعنى أن العدالة لو تحققت بعد مرور زمن طويل ليست بعدالة وإنما العدالة المرجوة هي التي تحقق بسرعة وأرجو ألا يساء فهمي من قبل القراء بمصطلح السرعة فلا أعني هنا بعدالة الوجبات السريعة وإنما الذي أعنيه أن العدالة التي يجب أن تتحقق في شهر يجب أن تتحقق في شهر ولن يكون ذلك إلا من خلال تميزنا في الإجراءات القانونية.
نحن بحاجة لمسح شامل لكافة قوانيننا الإجرائية بحيث نحصر تلك النصوص التي من شأنها أن تؤثر على سرعة نظر القضايا، ثم علينا بمراجعة تلك النصوص بحيث ننقحها ونجري عليها التعديلات اللازمة أو حتى نلغيها إذا تطلب الأمر ما دام الهدف هو التميز،
كما أننا يجب نستعين بأفضل الممارسات العدلية في هذا الجانب. فعلى سبيل المثال فإن نص المادة 74 من قانون الإثبات إذا كان الخبير غير مقيد بالجدول أن يحلف أمام المحكمة التي ندبته وإلا بات عمله باطلا، مثل هذا النص من شأنه أن يطيل أمد العدالة لو كان المطلوب تحليفه لجنة طبية مثلاً لأن الأمر سيتطلب وقتاً بينما كان الأمر سيكون أيسر لو تم تخويل رئيس المستشفى ليكون الحلف أمامه.
إننا مطالبون بتبني أفضل الممارسات في الجانب الإجرائي من القانون التي من شأنها أن تزيح تلك الإجراءات المترسبة والتي قد كانت مناسبة لفترة زمنية لاعتبارات معينة إلا أنه يجب أن يعاد النظر فيها
كما أن تبنّينا لأفضل الممارسات القانونية وإدخال بعض الإضافات عليها سيجعلنا متميزين وممن يسيرون في الركب ويقودون القافلة ومن تلك الممارسات القانونية المتميزة فيما يتعلق بقانون الإجراءات تتبع خطى القانون الإنجليزي الحديث.
إذ يقرر ذلك القانون، تأسياً بالقواعد المعمول بها أمام جهات التحكيم، حق الأطراف في الاتفاق على وضع قواعد إجرائية مناسبة لدعواهم. فقد يجد الأطراف أن من المناسب لهم بعض الأحكام الإجرائية غير المتفقة والمعمول بها طبقاً لقانون المرافعات.
وعلى ذلك يمكن إسناد هذا العمل المهم إلى قاضي التحضير، الذي يعد من الممارسات القضائية المتميزة في حد ذاته وأطالب بتبنيه وأعني هنا قاضي التحضير، فيحدد جلسة تسمى الجلسة التحضيرية، يستمع فيها حول إجراءات الخصوم حول الإجراءات وقواعد الإثبات. فإذا جاء المحامون متفقين على إجراءات معينة اعتمدها وصارت ملزمة للأطراف في نطاق الدعوى المعنية.
قد يعارضني كثيرون على منهج التغيير هذا وسبب المعارضة تكمن في الأيديولوجية المترسبة لدى القائمين على العدالة التي تنادي إلى ضرورة استقرار القواعد القانونية فضلا عن اعتبار تلك القواعد وكأنها نصوص قرآنية غير قابلة للتغيير،
وهنا دخلنا في مسألة أخرى متمثلة في «فلسفة التغيير» التي تلقى معارضة شديدة وخاصة من قبل رجال السلك العدلي على اعتبار أن النظام العدلي يجب أن يتمتع بالقداسة لهذا فلا يجب أن يمس، أنا لا أرى مبرر لتلك المعارضة
ويجب أن نكون واقعيين في الزمن الذي نعيشه فالقافلة تسير ولا تنتظر أحد ومن يعتقد أنها ستنتظره فإنه سيخسر الكثير لأنه يكون قد فوّت على نفسه مواكبة الركب بل يجب أن يكون الطموح أوسع من ذلك بأن نكون نحن من يقود تلك القافلة فالمبادرة مطلوبة والخوف سيجعلنا مترددين ومن يتردد لا يتقدم.
نقطة وأول السطر...
من الصعب أن تعود المنظمة إلى الخلف وتبدأ بداية جديدة، ولكن يمكنها بالتأكيد أن تخطط من الآن لنهاية سعيدة.
كاتب وباحث سياسي