لا أعرف ما الذي تريده الثورة إنها لم تعد تعني أحداً وليس ثمة من يهتم بها يرد أحد المتصلين بمقدم البرنامج الذي يحاول أن يقدم حلقة خاصة عن أحداث 19 سبتمبر 1989 في رومانيا والتجمع الشعبي الحاشد الذي قيل إنه كان شرارة لثورة ديمقراطية، هل كنت هناك في الساعة 08. 12 هل كانت هناك ثورة حقا يستمر المقدم في طرح أسئلته حتى النهاية، نهاية النهار الذي هو عمر الفيلم، ثم إضاءة مصابيح الشوارع (الفيلم بدأ بمشاهد صامتة لمصابيح الشوارع وهي تطفيء).

لا يكاد فيلم المخرج الروماني كورنيليو بورومبويو (08. 12 شرق بوخارست) الفائز بجائزة الكاميرا الذهبية في مهرجان كان الأخير، يشذ عن بقية الأفلام الرومانية الجديدة. فالفيلم يتناول أحداث العام 1989 في رومانيا التي أدت إلى انهيار نظام نيكولاي تشاوشيسكو، حيث يحاول اثنان من الضيوف في برنامج تلفزيوني إضفاء البطولة على الدور الذي يفترض أن يكونا قد لعباه قبل ستة عشر عاماً عندما انطلقت الثورة ضد تشاوشيسكو.

الأول مدرس فاشل وسكير ومدان للجميع، والثاني متقاعد يلعب دور بابانوئيل في أعياد الميلاد، وهما يجسدان تاريخ رومانيا القريب حيث لا يوجد أبطال، ولا توجد حقيقة في المحصلة النهائية، مخرج الفيلم بورومبويو يعد حلقة في سلسلة جيل المخرجين الرومانيين الجدد الذين صاروا يحوزون الجائزة تلو الأخرى في المهرجانات السينمائية العالمية، منذ أول ظهور لهم في العام 2001.

على الرغم من أن أغلبهم كان في العاشرة من العمر عندما سقط نظام الديكتاتور الشيوعي، هذا النظام الذي تحول إلى ما يشبه الديكور الخلفي لأغلب الأفلام الرومانية الجديدة التي تحاول أن تتلمس طريقها الخاص ولغتها السينمائية المبتكرة، في منطقة ما بين التراجيديا المرة والكوميديا الساخرة من الواقع الجديد.

جوائز

بالإضافة إلى فيلم كريستيان مونجيو (أربعة أشهر، ثلاثة أسابيع، ويومان) الذي فاز بالسعفة الذهبية في مهرجان كان الأخير، وفيلم (08. 12 شرق بوخارست) الفائز بجائزة النقاد في المهرجان نفسه، فاز فيلم الروماني الآخر كريستيان نيمسكو (كالفورنيا الحلم) بجائزة كانفاس الذهبية كأفضل فيلم في مهرجان أوروبا للأفلام الذي اختتم مؤخراً في بروكسل، وكان الفيلم نفسه قد فاز بجائزة الجمهور وجائزة التلفزيون كأفضل فيلم أيضاً، بالإضافة إلى جائزة أون جريتن ريجارد في مهرجان كان، المخصصة لمجموعة من الأفلام التي تشتغل على الثقافات المتنوعة وتحاول التقريب بين تجارب الشعوب المتنوعة.

كاليفورنيا الحلم

تدور أحداث الفيلم حول العلاقة بين سكان قرية رومانية صغيرة وأحد الجنود الأميركان الذي يشارك ضمن وحدته الصغيرة في الدفاع عن إقليم كوسوفو ابان الحرب اليوغسلافية في العام 1999، حيث تعلق وحدة أميركية صغيرة في محطة قطار القرية الرومانية بسبب عدم سماح عامل تحويلات السكك الحديد الروماني بمرور القطار الذي يحمل تلك الوحدة في طريقه إلى كوسوفو، لأن المسؤولين عن القطار لا يمتلكون موافقات خطية من مركز السكك الحديد.

الأمر الذي يؤدي إلى عرقلة مهمة الوحدة ضمن فعاليات حلف الناتو المخيف بسبب الروتين (لاحظ المفارقة)، ويضطر الجنود الأميركان إلى النزول في القرية الرومانية الصغيرة وتمضية الوقت في التعرف على سكانها، مخرج الفيلم، كريستيان نيمسكو، كان توفي نتيجة حادث سيارة أثناء مراحل مونتاج الفيلم، واحتراماً لذكراه قرر زملاؤه تقديم الفيلم كما هو، إذ لم يكن نيمسكو قد انتهى تماماً من عملية المونتاج، ويلاحظ من يشاهد الفيلم أول مرة القفزات المتباعدة في المشاهد، وإن كانت هذه العملية أضفت على الفيلم نوعاً من التجريبية والغموض في بعض الأحيان.

لوسيان بنتيلي

حتى سنوات قليلة ماضية لم نكن نعرف شيئاً عن السينما الرومانية، سوى أفلام المخرج الروماني الكبير لوسيان بنتيلي(63 عاماً) الذي بقي وحده سنوات طويلة رافعاً علم السينما الرومانية في المحافل الدولية بواسطة أفلام ممتازة من مثل، (البلوط 1992) و(ذات صيف لا ينسى 1998) و(محطة الجنة 1998)، وعلى الرغم من أن أفلام بنتلي الأخيرة لم تلق اهتماماً يذكر.

إلا إنه نجح في تحقيق التأثير الواضح للثقافة الرومانية في السينما التي حظيت بجرعة منشطات قوية بعد سقوط تشاوشيسكو، بعد أن تم تأسيس ما يسمى هناك (استوديوهات السينما الخلاقة) التي يشرف عليها حالياً المخرج الروماني كريستي يويو لرعاية المواهب السينمائية الجديدة، مستفيداً من تأثير بنتيلي القوي على جيل المخرجين الجدد ودعمهم في المهرجانات الدولية.

وبدأت السينما الرومانية بلفت الانتباه في العام 2004، عندما فاز فيلم كريستي بوبو نفسه (سيكارة وقهوة) بجائزة الدب الذهبي المخصصة للأفلام القصيرة في مهرجان برلين السينمائي الدولي، وبعد بضعة أشهر حصل المخرج الروماني الآخر كاتالين ميتولوسكو على السعفة الذهبية لأفضل فيلم قصير في مهرجان كان السينمائي الدولي، عن فيلمه (مرور) قبل أن يصنع فيلمه الروائي الطويل الأول (طريقة مالبلوغي نهاية العالم ) الذي يتناول فيه حياة عائلة رومانية قبل سقوط نظام تشاوشيسكو ببضعة أشهر.

إذ تحاول فتاة شابة الهرب إلى الغرب بمساعدة شقيقها الذي يقرر دخول ميدان السياسة لمساعدتها وتحقيق رغباتها، إذ يرصد الفيلم بنجاح سلوكيات المواطنين الرومانيين العاديين تحت حكم الديكتاتور والرغبات والهواجس التي كانت تتنازعهم.

بروكسل ـ محمد حيّاوي