اختارت الجهة المنظمة لمهرجان «سان سيباستيان» السينمائي الاسباني العالمي في دورته 55؛ الفيلم السينمائي «عربة الروح» للكاتب الإماراتي صالح كرامة ليكون ضمن أفلام المسابقة الرسمية الخامسة عشرة، والفيلم الذي سيتنافس على جوائز المهرجان العالمية، من إخراج الإنجليزي كونراد كلارك وأنتجته الصينية «وندي كوان» وتم تصوير جميع مشاهده في «شانغهاي».

وتم ترجمة الفيلم من اللغة الصينية إلى الإنجليزية، وهو أول فيلم عالمي لكاتب إماراتي يشارك في هكذا مهرجان عالمي، كما أنه يعتبر الفيلم الأول الذي يحمل اسماً إماراتياً ويجري توزيعه وبيعه من خلال موقع «أمازون» العالمي على الشبكة.

حول فيلم «عربة الروح» والأجواء التي أحاطت بإنتاج الفيلم؛ «البيان» التقت مخرج الفيلم الإنجليزي «كونراد كلارك» حيث تحدث عن تعاونه مع الأديب الإماراتي صالح كرامة قائلاً: لم تك هذه المرة الأولى التي أتعاون فيها مع المبدع «كرامة» بل كان لي تعاون سابق معه في أول فيلم قصير قمت بتنفيذه معه وهو «ما تبقى» الذي حاز على جائزة أفضل فيلم في مسابقة أفلام من الإمارات لعام 2003م.

أما فيلم «عربة الروح» فله حكاية أخرى يتشعب فيها الحديث من الإبداعي والفني إلى الوجودي الإنساني المحض، حيث تقوم أعمال هذا الكاتب الإماراتي الرائع على «ثيمة» رمزية تستشعر بواطن الأمور وتلامس قضايا إنسانية، يمكن أن يقال عنها «انها سهل ممتنع» بمعنى أننا نراها ونتعامل معها يومياً، ولكن لا نلتفت إلى تفاصيلها التي تبدو في أعيننا صغيرة، لكنها في حقيقتها تحمل جوهر الوجود وفلسفة العالم البشري بأسره.

ولد المخرج «كونراد كلارك» في بريطانيا عام 1979م، وأثناء عمله في مجال التصوير والإخراج السينمائي في أسبانيا والإمارات وإنجلترا والصين؛ نال شهادة الماجستير في الأنثروبولوجيا من الجامعة الشرقية الافريقية بعد دراسته المقارنة بين اللغة والثقافة، حيث درس اللغة الصينية وآدابها.

كما أنه يجيد العربية وبعض اللغات الأوروبية، مما يجعله مبدعاً عالمياً عابراً للقارات، لا توقفه حدود الجغرافيا أو اختلاف الثقافات، وهذا ما جعل من تجربته مع فيلم «عربة الروح» عاملا غنيا لا يتوفر في العديد من الأعمال الفنية المعاصرة.

فلسفة الفن

كما أسلفنا؛ فإن كلارك يرى السينما من منظار فني وجمالي بحت، بعيداً عن إطارها التجاري المعتاد، حول رؤيته للسينما التي يرسمها؛ يقول: عندما فكرت في صناعة سينما إنما كان كل همي أن أرسم عالمي الخاص بي وانا أتجول بداخله وأمرح فيه، وبالفعل استطعت من خلال السنوات التي واكبت تطور الحركة السينمائية بالعالم أن أعي ما يمكن أن أرصده من أحداث وأن أتواصل مع ما يحيط بي من تغيرات عالمية حتى التقيت صدفة مع الكاتب «صالح كرامه» المسكون بالهم السينمائي واستطعت من قراءة كثيرة لأفكاره.

أن تتقارب وجهات نظرنا وتتطابق المفاهيم الوجودية والفلسفية وانا اعتقد؛ أنه من دون الفلسفة لا ينشأ أدبا ولا فكرا فكلاهما يصبان في خندق واحد ومن اطلاعي على مسرحية كرامه «الهواء«المترجمة استشفيت من أن هذا الكاتب لديه شيء يريد أن يقوله والتقيت معه ثانية وعندما اطلعت على قصته القصيرة «عربة الروح» أسرتني هذه القصة لما تحمل من أجواء وفضاءات إنسانية وفلسفية ضخمة وهنا تم التحاور معه والمكاشفة وبدينا بالبحث وتطلب هذا منا عملا مضنيا لمدة سنة كاملة من كتابة للسيناريو والأحداث.

وأضاف كونراد كلارك: باعتقادي فإن التقاء الكاتب والمخرج في تقاطع فكري واحد يشكل عملا فنيا متكاملاً بحد ذاته، وهذا ما لمسته مع «كرامة» فأطروحاته الفلسفية هي التي أسرتني فيه وجعلتني أتشبث به أكثر، فعمل مثل «عربة الروح» ليس بالعمل السهل بل يحمل كل الدلالات الإنسانية المكتنزة في صناعة حدث وهذا يتطلب من الكاتب والمخرج وضع حلول لها، وعندما نعود إلى النص نجده مثخنا بالتأويلات المكانية والزمانية الضخمة المتكاثرة وعليك أنت اللحاق بها وهذه عادة «كرامة» في جل أعماله.

وعن فلسفة النص؛ يقول المخرج: إذ يعذبك وأنت مقبل على الفرح، ولا يفرح معك بل يضعك في حزنك المكاني والزماني، وتحاول الإمساك بعباراته المخنوقة، أنا اعتقد أن فتح النص على تأويلاته يجبرك أن تحترمه لان النص يحتمل الكثير من الحزن والقليل من الفرح هكذا عليك أن تتعقب أي فرصة سانحة ناحية الضوء قفزك في المساحات الفارغة هي التي تضنيك، وقصة الفيلم عالمية إنسانية لا تخضع لبلد واحد.

فيمكن أن تجدها في عشرات البلدان من آسيا شرقاً إلى أميركا اللاتينية غرباً، وأعتقد أننا خضنا مغامرة كبيرة في إنتاج الفيلم في الصين لأننا تعرضنا لرقابة كبيرة ـ ولا أضيف أكثر ـ كما أننا اضطررنا إلى إعادة صياغة السيناريو أكثر من مرة كي ننجز الفيلم.

أما عن مشاركة الفيلم في المسابقة الرسمية لمهرجان «سان سيباستيان» السينمائي الأسباني العالمي؛ فقال كلارك: باعتقادي أنها مرحلة متقدمة بالنسبة لي، لأن هذا المهرجان ـ إضافة لثلاثة أو أربعة مهرجانات في العالم ـ يعتبر من مهرجانات النخبة الحقيقية التي تبحث عن جديد السينما من كل أنحاء العالم، كما أن المهرجان يبحث عن الإبداع السينمائي الحقيقي البعيد عن الروح التجارية أو السطحية، وأعتقد أن اختيار «عربة الروح» ضمن المنافسة الرسمية، يعتبر إنجازاً كبيراً أفخر به.

جثة تبحث عن وطن!

قصة فيلم «عربة الروح» هي قصة فلسفية شفافة تبحث عن إجابات مبهمة وتناضل من أجل أن يعتريها الوقت، قد تحدث في كل مكان وفي كل زمان وبين عالم مصلوب، تتلخص القصة في أن شابا أرسل في مهمة إيصال جثة رجل بعربته ولا يعرف له عنوانا محددا، فيعبر الوهاد ويقطع الغابات لكي يوصل جثة لرجل الميت، وخوفا من تعفن الجثة تحت هطول الأمطار يطرق البيوت بغية أن يعرفهم بوجه الرجل الميت ويمر على أهل زفاف وينتظر حتى ينتهي الزفاف ويكشف عن الجثة لأهل العرس.

ولكنه ليس بابنهم، ويستمر الشاب طيلة الفيلم يبحث عن ذوي الميت ولا يجده عندها يكون قد مر على كثير من البشر والقرى وتحاور مع من في الطريق وأنماط بشرية عدة، وتحدث أثناء تلك الرحلة، مواقف تراجيدية تلامس حالات إنسانية غاية في الحساسية.

صومعة الوجود

في صومعته المنعزلة عن أجواء النخبة؛ الغارقة بضجيج الناس وأحلامهم وآمالهم المنكسرة على صخرة الحياة؛ التقينا الكاتب الإماراتي المبدع صالح كرامة، وسألناه ماذا تعني لك «عربة الروح«؟ فقال: عندما اتصل بي المخرج البريطاني «كونراد كلارك» مهنئاً من أن فيلمه تم قبوله في مهرجان «سيباستيان» بأسبانيا وهو من المهرجانات المهمة في أوروبا لم أفاجأ أبدا.

إنما كان جل تفكيري كيف السبيل في انجاز عمل آخر يعبر عن الإنسان، لأن اعتقادي أن الإنسان هو حجر الزاوية في الكون وهو الذي يعمر الكون، وهو ليس مادة كطبيعة الأشياء الضائعة، حيث تكمن التساؤلات الضخمة العميقة في حتمية الإنسان وهذا ما صادفته عندما كتبت مسرحية «عيناها» قبل سنوات وشاهدتها على مسارح القاهرة العام الماضي.

كان هناك شخصيات تنزف وشخصيات تبحث عن الخلاص وعن أشيائها المقذوفة من النافذة، وراودني سؤال لا يجيبه غيري في كيفية مساهمة الشخوص في البوح والصراع، وهذا يعود إلى تكنيك الكتابة الفنية سوى كان في القصص أو المسرح وهذا ما تطرق له «بكيت» في جل مسرحيات واختلف معه «ابسن» في الكثير.

ويضيف المبدع كرامة: في فيلم «عربة الروح» دخلت مع عراك فكري مع مخرج أوروبي يحمل رائحة الشرق ويريد أن يطور ماهية نفسه، إضافة إلى أنه متخصص في علم «الميثوبولوجيا» ودراسة الشعوب المنقطعة المصير، وهذا عبء آخر سأكابده مع مفهومين للشرق والغرب، وعندما فتح النص على مصراعيه كنا نحاور أنفسنا في البداية ولكن مع تعدد المناقشات وجدنا أنفسنا أمام فضاء أشبه بعربة خيالية يقودها سكير، ونحن كمغمضي العينين حتى استطعنا من خلال جولة من المناقشات الطويلة أن نلتهم أحزاننا الموجعة ونتفرغ للنص.

وعبّر الكاتب الإماراتي صالح كرامة، عن امتعاضه للطريقة الرقابية التي رافقت إنتاج الفيلم، حيث قال: أعتقد أن الرقابة في الصين قد عبثت بروحية الفيلم وفرضت حصارا فكريا عليه، ولو قدر للفيلم أن يصور بالطريقة التي كنا سنختارها لأصبح يحمل مضامين أكثر عمقا وأكثر فلسفة ولكن هكذا تكمن الكثير من الرغبات طي الدرج، بالرغم من أن المخرج قام بالالتفاف على الرقابة واستخدم تقنيات حديثة ليهرب منها.

واعتبر أن فيلم «عربة الروح» قد وفق في تجاوز أزمته واللعب خارج الإطار العام، هكذا طبيعة أن نكتب ونحن مع القلق نحمل أنفسنا على المشقة، فانطلاق المهم في الفيلم هو الفارق الزمني بين التفكير بين الموت والحياة المصافحة التي تمت، بين أن تعيش وأن تطمر روحك في مياه آسنة، فأنت تحيا بمشقة.

بطاقة

عنوان الفيلم: عربة الروح- Soul Carriage- بالصينية (Ling Che)

المخرج: كونراد كلارك- قصة: صالح كرامة- إنتاج: وندي كوان

بطولة: يانغ فينغ، جي هونغ، شين جيو- مدة الفيلم: 88 دقيقة

اللغة: صينية مع ترجمة للغة الإنجليزية- الموضوع- دراما إنسانية

موقع أمازون: يتوفر الفيلم في موقع «أمازون» العالمي كأول فيلم عالمي لكاتب إماراتي.

أبوظبي ـ محمد الأنصاري