تسعي مومباي الى استلهام الدروس من النموذج الذي تمكنت إمارة دبي من إرسائه في ارتقائها سلم الصعود نحو التألق كمركز عالمي لتجارة وصناعة الألماس، وتتطلع هذه المدينة التي تعتبر مركزا للأعمال والتجارة في شبه القارة الهندية الى الاستفادة من هذه الدروس في تطبيق خطة عمل تهدف ليس فحسب الى منافسه دبي على خريطة الألماس العالمية، بل تتطلع كذلك الى أن تحل محل أنتو يريب كعاصمة للألماس على مستوى العالم.
وينهض نموذج دبي على مقومات وعناصر قوة تجعلها خارج دائرة المنافسة، وتحصن أدورها ضد المنافسين، مما يكسبها مكانة متفردة غير ممكن النيل منها، وهو الأمر الذي تحقق نتيجة لإطلاق العديد من مبادرات القيمة المضافة، والحرص على اغتنام جميع الفرص التي تدعم وتسهل هذه التجارة.
وقد ألهم نجاح دبي على بزوغ مدن تتطلع الى القيام بدور البوابة لكي توطد مكانتها كمراكز لتجارة الألماس، وفي هذا المجال، تتطلع الهند الى وضع مدينة مومباي ليس كمنافس لدبي فحسب، بل لتحل محل مدينة أنتو يريب كمركز عالمي لتجارة الألماس والتي يأتي منها نحو 70% من إجمالي مبيعات الألماس للمستهلكين على مستوى العالم.
وقد وضعت لجنة في وزارة المالية الهندية خططا لتطوير مومباي كمركز عالمي رائد في مجال تجارة الألماس، وأوصت اللجنة - بحسب ما نشرته مجلة «كوميديتي أون لاين» - بوضع نظام مالي جديد لصناعة المجوهرات والأحجار الكريمة لتتمكن من الارتقاء الى مصاف العالمية.
وتتركز صناعة الألماس في الهند في ولاتي ماهاراشترا وكوجرات اللتين تستحوذان على 80 % من إجمالي صادرات المجوهرات والأحجار الكريمة على مستوى العالم، ويصل عدد العاملين في هذه الصناعة الى نحو مليون شخص، وتعتبر الهند أحد أكبر مستوردي الألماس في العالم،
ومع بروزها كمركز لمعالجة الألماس المقطوع والمصقول، استوردت الهند ما قيمته 9. 1 مليار دولار من الألماس المصقول والمقطوع خلال السنة المالية 2006/2007، وعالجت حوالي 58% من الألماس المصقول في العالم بقيمة تبلغ 84. 10 مليارات دولار،فيما بلغت قيمة كميات الألماس المصقول التي جرت معالجتها في عام 2006 على مستوى العالم نحو 72. 18 مليار دولار.
المكانة الأدبية
وتعززت مؤخرا المكانة الأدبية للهند في مجال صناعة وتجارة الألماس بتوليها منصب نائب رئيس عملية كمبيرلي، مع وجود احتمالات لتوليها منصب الرئاسة في عام 2008. وتهدف عملية كمبيرلي إلى إيقاف تدفّق «الألماس الدموي» خارج إفريقيا، أي منع تجارة الألماس التي تمول بإيراداتها الحركات المسلحة في أنجولا وسيراليون والكونغو، وألا يسمح بتسويق سوى الألماس المنتج من مناطق خالية من الصراعات.
وقد قام بالتوقيع على اتفاقية كيمبيرلي 54 دولة لتقضي بأنّه يجب أن يكون الألماس مصدّقاً من بلد المنشأ قبل تصديره، وتعتبر بورصة دبي للألماس الجهة المسؤولة عن عملية كيمبيرلي في الإمارات المتحدة التي أصدرت القانون الاتحادي رقم 13 لعام 2004 الذي رسخ إطارا تشريعيا ينظم تجارة تصدير واستيراد وإعادة تصدير الألماس،
وذلك بما ينسجم مع المقاييس والقواعد العالمية، بتضمنه قواعد صارمة تحظر تجارة الألماس غير المقطوع التي تباشر من قبل الجماعات المسلحة المتمردة لتمويل حملاتها ضد حكوماتها، وبذلك تعد الإمارات أول دولة عربية توقع على هذه المبادرة العالمية التي ترعاها الأمم المتحدة بهدف حل مشكلة ماس الصراعات.
مشتقات الألماس
وتنخرط الهند كذلك في تطوير مشتقات جديدة مرتبطة بالألماس، بيد أن هذه المبادرة التي جرى إطلاقها على المستوى الدولي مازالت في طور التشكيل، ويعتبر بنك «آي سي آى سي آى» أحد الداعمين لخطة تطوير مشتقات مرتبطة بالألماس، حيث شارك في اجتماع جرى تنظيمه مؤخرا في بلجيكا وضم خبراء في مجالات العمل المصرفي وتجارة الألماس والبورصات،
واستهدف الاجتماع تطوير عقود مشتقات مرتبطة بالأسعار العالمية للألماس وضم الاجتماع ممثلين عن بنك «أيه بي إن آمرو» الهولندي ومكتب التجارة بشيكاغو، وقدر خبراء أنه يمكن أن تصل قيمة التداول على هذه العقود الى 200 مليار دولار.
ويصنف مصرف آي سي آي سي آي كثاني أكبر بنك في الهند من حيث حجم موجوداته الإجمالية التي بلغت 3446 مليار روبية هندية، أي ما يعادل 79 مليار دولار أميركي في 31 مارس 2007. ويعتبر المصرف الأكثر أهمية في الهند من حيث مجموع رأسماله في السوق وترتيبه ثالثاً بين الشركات المدرجة على لائحة سوق المال الهندي على صعيد حجم الأسهم القابلة للتداول الحر في السوق.
ويدير البنك شبكة فروع يصل عددها إلى حوالي 950 فرعا و3300 آلة للصرف الآلي في الهند، ويتواجد المصرف في 17 دولة.كما أن البنك مسجل في مركز دبي المالي العالمي ويتواجد في منطقة الخليج منذ أكثر من 4 سنوات.
وتتيح عقود مشتقات الألماس لمشتري الألماس والمستثمرين إمكانية التكهن بتحركات الأسعار الآجلة، ومن المعتقد أن يستغرق طرح هذا المنتج الجديد فترة زمنية تصل الى عام، وهو ما سوف يسمح لشركات الألماس بتقليل المخاطر من خلال وضع مواصفات لعقود وآلية تسعير تمكنان من التحصن ضد مخاطر تقلب الأسعار.
وبالفعل، بمقدور الهند أن تسوق العديد من المبررات المقبولة والمنطقية لاضطلاعها بدور رئيسي في مجال تجارة وصناعة الألماس، إلا أن بعض المراقبين يرون أن هناك أوجه جوانب سلبية تظلل هذه المكانة، من بينها، اعتماد الصادرات الهندية بشكل كبير على الواردات سواء تعلق الأمر بالألماس أو الذهب أو الأحجار الكريمة، ولأجل الخروج من هذه المعضلة،
وعليه، تعمل الهند على تشكيل تحالفات مع الدول الإفريقية، من خلال تقديمها عروض المساعدة الفنية لتنمية الموارد البشرية وإرساء البنية التحتية المادية اللازمة لتطوير القطاع وتشجيع تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى الدول الأفريقية المنتجة للألماس،
وتزويد مواطني هذه الدول بالكفاءات والمهارات اللازمة، وذلك في مقابل، تأمين حصول الهند على إمدادات منتظمة من الألماس الخام، ولهذا، أجرت الهند خلال الأشهر القليلة الماضية مباحثات مع عدد من الدول المنتجة للألماس بما في ذلك روسيا وكندا واستراليا وأرمينيا وأذربيجان وفنزويلا.
وتجلت قوة التزام دبي بمكافحة الاتجار غير الشرعي في الألماس في تأييدها مطالب الدول المنتجة للألماس بتطوير صناعة الألماس، بل وأخذت خطوة متقدمة، بطرحها مبادرة «تطوير أفريقيا» وتتضمن تعليم وتدريب السكان المحليين على تقييم الألماس الخام، ومساعدة الدول المنتجة للألماس في زيادة كفاءة تجارة الألماس، ومساعدة الدول المنتجة للألماس على الاستفادة من عوائد الموارد الطبيعية لتطوير البنية التحتية الاقتصادية.
كما تجلى نهج الاستعانة بآليات السوق في تبني البورصة مجموعة من المبادرات لإشاعة ثقافة «عملية كيمبيرلي» بين الفاعلين في تجارة الألماس، فمن جانب، قامت بورصة دبي للألماس بتنظيم دورات تدريبية تتعلق بتجارة الألماس تدور حول محوري التعريف بآخر التكنولوجيات المتعلقة بتجارة الألماس وتنظيم برامج تدريبية لأعضاء البورصة بشأن تقييم الألماس.
وتهدف هذه البرامج تطوير تجارة نشطة للألماس في المنطقة عن طريق زيادة الوعي بأحدث التطورات والقضايا التي تواجه التجارة، وعن طريق اطلاع الأعضاء والتجار بالأدوات الفنية لتقييم الألماس.
صرامة النظام المالي
وتكمن العقبة الثانية التي تعترض تحقيق الهند لتطلعاتها في إتباعها نظام مالي على درجة عالية من التشدد والصرامة، وعلى الرغم من بذل السلطات هناك جهودا لمعالجة هذه القضية، إلا أن بعض المراقبين يرون أن نطاق الإصلاحات مازال محدودا، وذلك عندما يجرى النظر الى اتساع نطاق الإصلاحات التنظيمية المطلوب تطبيقها في الهند.
وتتمتع دبي في هذا المجال بميزة تفتقدها الكثير من مراكز تجارة الألماس في العالم بما في ذلك مومباي، وهي توافر بيئة استثمار مواتية للأعمال، حيث قاد وضع لوائح تنظيمية تتسم بالتحرر وأنظمة جمركية صديقة للأعمال الى تعزيز مكانة دبي كمقصد جاذب للمستثمرين وأصحاب الأعمال، وبالتالي توفر حكومة دبي أطرا ومناخ أعمال غير متوافر حتى في الدول الأكثر ليبرالية وتحررا في العالم.
وقد أقر مركز دبي للسلع المتعددة خطة شاملة تهدف إلى تطوير اقتصاد الخدمات من خلال دعم تجارة الألماس.وترمي الخطة إلى تطبيق إستراتيجية ثلاثية المحاور لتطوير الأعمال ودعم التجارة وإنشاء منصة لتنظيم علاقات وتفاعلات السوق في قطاع الألماس بدبي،
ويدرس المركز مجموعة متنوعة من الخيارات من أجل تحقيق هذا الهدف، وتزويد قطاع تجارة الألماس بخدمات داعمة.وهذا الأمر يتضمن تطوير علاقات مع مزودي خدمات مرموقين، ومشاريع استثمارية رائدة، إضافة إلى تشجيع لاعبين جدد على تأسيس مقرات لهم في دبي.
وسيتم تطبيق الخطة الشاملة تحت إشراف بيتر ميوس، الذي تم تعيينه مؤخراً مديراً تنفيذياً للألماس والأحجار الكريمة في مركز دبي للسلع المتعددة، ويحظى ميوس بمساعدة يوري ستفيرلينك، المدير التنفيذي لبورصة دبي للألماس، وبموجب الخطة الشاملة، سيعمل مركز دبي للسلع المتعددة على تطوير حلول خاصة لمنتجي الألماس الخام من أجل تسويق منتجاتهم عبر دبي.
كما سيطلق المركز مبادرات لتوفير أدوات تمويل إضافية لتجارة الألماس.ويخطط المركز أيضاً لتأسيس معرض إقليمي للتبادل التجاري بين الشركات يوفر خدماته لمجتمع الألماس العالمي، بما سيعزز مكانة دبي كمركز عالمي لهذا القطاع المتنامي.
وتشمل الخدمات المتصلة بقطاع الألماس التي يعمل مركز دبي للسلع المتعددة على تطويرها، إنشاء مختبر خاص به لتصنيف الألماس، وأكاديمية للألماس ترتبط بعلاقات مع مؤسسات مرموقة لتوفير مجموعة كاملة من البرامج التدريبية تغطي مختلف مجالات ومراحل الإنتاج في هذا قطاع الألماس، بما في ذلك المطابقة والتصنيف والتصنيع.ومن المتوقع أن تساهم هذه المبادرات بشكل كبير في تطوير اقتصاد خدمات متخصص بهذه التجارة.
مواطن قوة دبي
وتكمن مواطن قوة دبي كمركز لتجارة الألماس في كونها بوابة لأسواق الاستهلاك المتنامية في منطقة الشرق الأوسط، وما وراءها، حيث تتم حوالي ثلث مبيعات مجوهرات الألماس في منافذ البيع بالشرق الأوسط وآسيا، وقد تضاعفت الحصة السوقية لهذه الأسواق ثلاث مرات خلال العقدين الماضيين، وهي آخذة في التزايد على نحو مطرد.
وفيما ترتقي دبي سلم الصعود نحو التحول الى مركز توزيع للمجوهرات على مستوى الشرق الأوسط، فهي تتطور كذلك كمركز تجاري رئيسي للألماس الخام والمصقول والأحجار الملونة، وبالتالي، واصلت حصة دبي من سوق مجوهرات الألماس العالمي في التزايد المطرد، وأعطي تأسيس بورصة دبي للألماس قوة زخم إضافية في تمكين الإمارة الفتية والطموحة من الانضمام الى مراكز تجارة الألماس الرئيسية والرائدة في العالم.
وتتضمن رؤية دبي الإستراتيجية التطلع نحو إرساء مكانتها كمركز إقليمي لصناعة وتجارة الألماس، والقيام بدور «البوابة» لأسواق الاستهلاك المزدهرة في منطقة الشرق الأوسط، وفوق كل ذلك، تحقيق نجاحات مؤثرة من خلال تقديم مجموعة واسعة من الخدمات مثل إدارة مناقصات الألماس بين الشركات،
وتوفير بيئة تداول آمنة وتسهيلات عالمية المستوى للتحكيم، وتهدف هذه المبادرات الى وضع دبي في مصاف المراكز العالمية لتجارة الماس لتشكل إضافة نوعية عالمية إلى جانب مراكز تجارة الألماس الأخرى.
ومع شغل منطقة الخليج مكانة ثالث أكبر سوق استهلاكي لمجوهرات الألماس، استحوذت دبي على حصة تتراوح نسبتها بين 15 الى 20% من تجارة الألماس بأسلوب التجزئة، وتنمو هذه الحصة بشكل مطرد، حيث أفادت الأرقام المعلنة من جانب بورصة دبي للألماس في يوليو الماضي أن إجمالي حجم تجارة الألماس الخام في دبي ارتفع بنسبة 17 بالمئة ليصل إلى 24. 2 مليار دولار أميركي خلال النصف الأول من عام 2007 مقارنة بـ 91. 1 مليار دولار خلال الفترة نفسها من عام 2006.
كما ارتفعت واردات الألماس إلى دبي في الفترة بين يناير ويونيو من العام الحالي بنسبة 26 بالمئة لتصل إلى 937 مليون دولار أميركي في حين تجاوزت الصادرات 3. 1 مليار دولار أميركي مسجلة زيادة قدرها 12% وبذلك يكون إجمالي الألماس الخام الذي تم تداوله خلال النصف الأول من عام 2007 في دبي 6. 43 مليون قيراط مقارنة بـ 8. 39 مليون قيراط خلال الفترة نفسها من عام 2006.
وتؤشر هذه الأرقام في رأي أحمد بن سليّم المدير التنفيذي للعمليات في مركز دبي للسلع المتعددة الى تحقيق السوق المحلي للألماس نموا متواصلا بمعدلات عالية، وتؤشر أيضا على النمو الكبير في الواردات من الدول الرئيسية المنتجة للألماس مثل روسيا وأنجولا، الأمر الذي يشير بوضوح إلى الصعود السريع لدبي كمركز عالمي لتجارة الألماس الخام.
وبالتالي، تمكنت دبي من شغل موقعا على خريطة صناعة الألماس على مستوى العالم غير ممكن شغله من جانب أي من اللاعبين المنافسين، وتمكنت من حجز دورا لها غير ممكن الإضلاع به من قبل مراكز الألماس الأخرى، ويعود السر في ذلك - وعلى حد قول أحمد بن سليم - الى وقوعها عند ملتقى الطرق بين أفريقيا وروسيا وشبه القارة الآسيوية، يتيح لها تسويق الألماس الخام بطريقة سريعة وبتكلفة فعالة بين هذه البلدان التي تلعب دوراً أساسياً في قطاع إنتاج وتصنيع الألماس
دبي ـ مجدي عبيد