توقعت مجلة الايكونوميست أن يكون أكبر تأثير لأزمة الرهونات العقارية الأميركية ـ بما أنها أميركية ـ داخل أميركا ذاتها وعلى اقتصادها بالدرجة الأولى. وقالت المجلة من النظرة الأولى نلاحظ أن الاقتصاد الأميركي واجه أزمة أغسطس برد فعل بسيط. وكان نمو الناتج خلال الربع الثاني من العام قوياً، ويبدو الإنفاق من المشاريع والشركات جيداً، وكان نمو الأجور قوياً، وتراجع الارتفاع في أسعار الوقود «الذي أدى إلى تراجع الإنفاق الاستهلاكي».

غير أنه مع ذلك هناك أمور كثيرة يجب القلق بشأنها، وأهمها تأثير هذه الأزمة على الاقتصاد العالمي. وبالنظر بشكل أعمق نجد أن الصورة ليست براقة إلى هذا الحد. فقد زاد الناتج الأميركي في الربع الثاني بفعل أسباب منها إعادة بناء مخزون الشركات، وتراجع الإنفاق الاستهلاكي بشكل كبير خلال الفترة ذاتها وظلت بعض مجالات الإنفاق الاستهلاكي تعاني حتى الصيف. مثلاً تراجعت مبيعات السيارات في يوليو إلى رقم قياسي لم يحدث من 9 سنوات.

والأهم من ذلك أن الحلقة الأضعف في الاقتصاد الأميركي، وهي سوق المنازل والعقارات. كانت في أسوأ حال لها مما يعتقد البعض. وتراجع معدل إنشاء المنازل الجديدة في يوليو وارتفع مخزون المنازل التي لم تباع إلى رقم قياسي لم يحدث من 16 سنة. وظلت أسعار المنازل تهبط، ويشير مؤشر ستاندارد آندبورز إن مؤشر الأسعار في عشر مدن أميركية هبط بنسبة 1 . 4% خلال العام المنتهي في يونيو.

وتسبب ذلك في أن يكون الاقتصاد معرضاً للخطر قبل أزمة أغسطس في الرهونات العقارية، وأدى هذا الانهيار إلى توقعات بأن يسوء الوضع بشكل أكبر في سوق المنازل، والسبب أن أدوات الرهن العقاري غابت أو أصبحت أكثر تكلفة بمقدار النصف مقارنة بالرهونات العقارية في العام الماضي. ولا عجب أن الخبراء والمراقبين في «وول ستريت» خفضوا توقعاتهم لأسعار الإنشاءات والمنازل.

مثلاً يتوقع الخبراء في جي بي مورجان أن يتراجع معدل بناء المنازل بنسبة 30%، وأن يهبط متوسط أسعار المنازل بنسبة 5. 7% ـ 15% بحلول نهاية 2008، وتوقع خبراء في جولدمان ساكس أن أسعار المنازل يمكن أن تهبط بين 15 و30% خلال السنوات القليلة الماضية. وسوف يستمر التراجع في إنشاء المنازل الجديدة إلى أقل من نمو الناتج، والسؤال الأكبر هو ما هو تأثير هذا التراجع على البلاد التي ارتفعت فيها الديون الاستهلاكية على خلفية وجود ثروة تتمثل في المنازل.

يقول المتفائلون إن هناك مرونة لدى المستهلك لكن هذا قد يكون خطأ. مثلاً 60% من الذين تتعدى أسعار قروضهم العقارية في العام المقبل لديهم أقل من 15% من الملكية في منازلهم، بما يعني أن انخفاض أسعار المنازل بنسبة أكبر من 10% سوف يشكل ضغطاً مالياً أكبر عليهم وهناك مشكلات أخرى في القروض الاستهلاكية ويحتمل أن تشدد البنوك المقرضة شروط الإقراض، وسوف يتراجع الإنفاق الاستهلاكي لأن أصحاب المنازل يشعرون أنهم أكثر فقراً خاصة إذا استمرت أسواق الأسهم في التراجع.

ويرى خبراء من بنك يو بي إس أن هناك مخاطر ويعتقدون أن تكاتف صدمة القروض العقارية مع انخفاض نسبة 10% في الأسهم وأسعار المنازل سوف يدفع الناتج الأميركي إلى الانخفاض بنسبة 6. 2% العام المقبل، أي يدفع الاقتصاد نمو الكساد.

إذن لماذا يعتقد محللون في «وول ستريت» أن الضرر سوف يكون بسيطاً؟ السبب الرئيسي في ذلك إنهم يتوقعون أن يتدخل البنك المركزي بخفض أسعار الفائدة، وتفيد الأسعار المستقبلية بأن المستثمرين يتوقعون أن تخفض البنوك المركزية أسعار الفائدة إلى 5. 4% بحلول نهاية العام الجاري.

لكن خبراء بنك يو بي إس يعتقدون أن خفض سعر الفائدة لن يقلل من الضرر، ويرى هذا السيناريو أنه حتى مع انخفاض سعر الفائدة سوف يتراجع معدل النمو في أميركا بنسبة أكبر من 1% العام المقبل. فإذا واجهت أميركا تراجعاً في النمو في أسعار المنازل بنسبة أكبر من 10% سوف يفت ذلك في عضد الاقتصاد مهما كان من تخفيف قيود السياسة المالية.

بقية أجزاء العالم

قد يكون تأثير صدمة الرهونات العقارية في أميركا أيضاً شديداً على العالم. ويتوقع كثيرون أن يكون الاقتصاد العالمي قويا بدرجة كافية لتحمل ضعف الاقتصاد الأميركي. وفي كل الأحوال كان الناتج الأميركي ضعيفاً منذ أكثر من عام، لكن الاقتصاد العالمي ظل قوياً.

هذا التفاؤل قد يقلل من قيمة القنوات المحتملة التي يمكن أن تتسرب منها تأثيرات الأزمة العقارية إلى البلدان الأخرى. فالخسائر تمتد من كندا إلى الصين. والانتشار الواسع للخسائر يجعل هذه الدول أقوى على الاستيعاب لكن مخاطر التوترات المالية أيضاً تزداد. هذا التوتر قد يؤثر في ضحايا غير متوقعين.

فقد عانت الأسواق الصاعدة في الأزمات المالية الماضية بشكل أكبر من غيرها لكن هذه المرة قد تعاني الدول الغنية خاصة في أوروبا حيث بعض البنوك تعاني بعض الفوضى بسبب الوضع في أميركا. لكن كثيراً من الدول النامية في موقف جيد بحيث تستطيع استيعاب هروب المستثمرين بفعل الاحتياطيات الأجنبية الكبيرة المتراكمة لديها.

لكن الدول الغنية الأوروبية على عكس ذلك قد تضطر الخسائر الكبيرة وتوترات المستثمرين البنوك إلى تشديد السياسات المالية وتسبب أسوأ تراجع في النمو في الإنفاق الداخلي. مثلاً تراجع مؤشر ايفو الألماني فأثر بمشاعر رجال الأعمال للشهر الثالث على التوالي في أغسطس، كما انخفضت ثقة المستهلكين، ويبدو أن البنك المركزي الأوروبي في انتظار ما سيحدث، حيث شدد محافظه جون كلود تريشيه على أن البنك ليس ملتزماً مسبقاً برفع سعر الفائدة.

وحتى إذا احتوت هذه الدول التأثير المالي الفعلي فإن التأثير العصبي لن يزول، خاصة عند تقدير أسعار المنازل ورغم أن تأثير الإقراض المبالغ فيه من بنوك لا تهاب المخاطر، كان أكبر في أميركا من أي مكان آخر، فإن تضخم أسعار المنازل كان متطرفاً في أماكن أخرى، وهناك دول مثل بريطانيا واسبانيا تعرضت لانخفاض في أسعار المنازل.

ولا يمكن المبالغة في قدرة مرونة الاقتصاد العالمي بالنسبة لضعف الاقتصاد الأميركي وأثره عليها، ورغم أن هناك تراجعاً في عجز الحساب الجاري في أميركا، فهو لا يزال يشكل 6% من إجمالي الناتج المحلي. ولا يزال الأميركيون مصدراً كبيراً للطلب من بقية أجزاء العالم لأنهم ينفقون بقيمة أكبر من إنتاجهم، والانخفاض الشديد في هذا الإنفاق سوف يصيب العالم بأضرار أيضاً ولا تتضح وعورة الطريق عند بدايته، وكذلك الآثار الاقتصادية لصدمة الرهن العقاري سوف تتضح مع مرور الزمن وليس من البداية.

ترجمة: أشرف رفيق