وجه الكثير من اللاعبين الرئيسيين في قطاع الطاقة بالدولة بوصلتهم الاستثمارية إلي أسواق الطاقة في الهند والصين الزاخرة بالفرص الاستثمارية السخية سواء في مجال أنشطة الاستخراج والاستكشاف أو في مجال التكرير والتوزيع، ويحلو للمراقبين توصيف هذه الأسواق بأنها الأكثر تعطشا لموارد الطاقة بحكم عدم قدرة إنتاجها المحلي على مجاراة النمو المحموم لاقتصادياتها.
وينبيء هذا النمط الجديد من التفاعلات بتجاوز التعاون بين الإمارات وكل من الهند والصين دائرة «إمداد النفط» بالمعني الحرفي للكلمة إلى دائرة أخرى أكثر اتساعا وتعقيدا وهي «الاستثمار في الطاقة» أي الدخول في صناعات الطاقة الهندية والصينية بأبعادها ومجالاتها المتنوعة، بحيث تصبح هذه المشروعات جزءا من المحفظة الاستثمارية لشركات الطاقة الوطنية.
فيما وراء البحار، وبحيث تصبح علاقات المشاركة ترتكز أولا وأخيرا على «لغة البزنيس» بحساباته ومفرداته الخاصة، ويبشر هذا النمط من التعاون بتوسع دائرة المشاركين بإتاحته الفرصة لمشاركة لاعبين من القطاع الخاص، بحيث لا تكون شركات الطاقة المملوكة للدولة هي اللاعب الوحيد في تسيير علاقات التعاون النفطي مع الدول الآسيوية.
فرص أعمال ضخمة
ويرتكز التوجه نحو الاستثمار في صناعات الطاقة بالهند والصين على أرضية قوية، تتمثل في وجود فرص ضخمة تحفل بها هذه الصناعات، وتأتي هذه الفرص من حقيقة أن هاتين الدولتين تعتبران أكثر الدول تعطشا لموارد الطاقة نتيجة لعدم قدرة إنتاجها المحلي على مجاراة نموها الاقتصادي الصاروخي.
من جانب، أدى النمو الاقتصادي المتواصل خلال العقد الماضي إلى صعود حاد في احتياجات الهند من الطاقة، وصارت بالفعل الآن سادس أكبر مستورد للنفط، بالنظر إلى أنها تستورد 70 % من احتياجاتها النفطية، ومن المقدر وبحلول عام 2010 أن تحل الهند محل كوريا الجنوبية كرابع أكبر مستورد للنفط بعد الولايات المتحدة واليابان والصين.
وتشير التقديرات الرسمية الهندية إلى أن متوسط الطلب الهندي على النفط سينمو بنسبة تتراوح بين 4 و5. 4 % سنويا خلال الفترة بين عامي 2002 و2007، وتزيد هذه النسبة عن التقديرات الأولية التي كانت تتوقع بأن يبلغ متوسط نمو الطلب خلال الفترة المذكورة 7. 3 %.
وبالتالي تسعى إستراتيجية الطاقة الهندية إلي تحقيق ثلاثة أهداف تتمثل في ضمان الاستقرار في مواصلة إمداد الهند بالطاقة، نظرا لتزايد اعتمادها على النفط المستورد من المستوى الحالي البالغ نسبته 70% إلى ما يزيد على 85% بحلول عام 2020، وإقامة شبكة إقليمية للطاقة تضم كلاً من الهند وماينمار وبنجلاديش وباكستان ونيبال وسريلانكا لضمان تدفق الطاقة الكهربائية والنفط والغاز الطبيعي.
وتشجيع شركات النفط العامة على امتلاك حصص في حقول النفط بالخارج، وكنتيجة لذلك تستثمر الحكومة الهندية بكثافة لتأمين إمدادات النفط من الخارج، وتتراوح قيمة استثماراتها بين 5 و10 مليارات دولار سنويا، حيث لم تعد تلك الاستثمارات قاصرة على روسيا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط، بل صارت الشركات الهندية تتطلع إلى الدول الإفريقية كتشاد وغانا والكونغو بهدف الاستثمار في النفط والغاز.
الطلب الهندي
وواكب ازدياد طلب الهند على موارد الطاقة كالغاز والنفط خلال السنوات الأخيرة، تزايد اهتمامها بالاستثمار في مشاريع لإنتاج الطاقة، كالنفط والغاز، فهناك مفاوضات جارية بين الهند ودول مجلس التعاون الخليجي للاستثمار في مشاريع مصافي لتكرير النفط، كما أن الهند تتطلع كالصين للاستثمار في مشاريع الغاز والنفط.
حيث تتطلع الهند لاستثمار5. 3 مليارات دولار في تلك المشاريع، أيضا هناك مشاريع استثمارية هندية في هذا القطاع في السودان، كما تتفاوض الهند في الوقت الحالي مع كل من إيران وتركمانستان على نقل الغاز عن طريق خطي أنابيب أحدهما يمتد من إيران للهند مرورا بباكستان، والآخر يمتد من تركمانستان للهند عن طريق أفغانستان وباكستان.
وستكون تكلفة هذا المشروع الضخم مليارات الدولارات، كما يوجد في الهند مصاف لتكرير النفط تتطلع بعض دول مجلس التعاون الخليجي للاستثمار فيها، فهناك على سبيل المثال شركة إماراتية ـ ترانزآسيا ـ أبدت رغبة كبيرة في بناء مشروع أنبوب الغاز في باكستان.
وقد أشار تقرير لبنك «اتش اس بي سي» إلى أن علاقة الهند الاقتصادية مع الشرق الأوسط تشهد تغييرات جديدة وعميقة، وتفتح دول الخليج العربية حالياً أبوابها على نحو غير مسبوق أمام الاستثمارات الأجنبية والهجرة والسياحة الدولية، وتعتبر الهند الشريك الطبيعي لهذه الدول في هذا الصدد. وفي الوقت ذاته يتحول اقتصاد الهند إلى واحد من أسرع الاقتصاد نمواً في العالم.
وتعتبر الهند مجرد مثال على تعطش منطقة جنوب آسيا لموارد الطاقة، حيث تمتلك هذه المنطقة احتياطات نفطية يبلغ حجمها 7. 5 مليارات برميل من النفط أي ما يمثل 5. 0 % من الاحتياطيات العالمية، وفي عام 2002 استهلكت منطقة جنوب آسيا حوالي 72. 2 مليون برميل يوميا وأنتجت حوالي 70. 0 مليون برميل يوميا وبالتالي بلغ صافي الواردات حوالي 2 مليون برميل يوميا.
ومن المتوقع أن تتضاعف واردات دول جنوب آسيا من النفط بحلول عام 2020. ومن المتوقع أن يظل الشرق الأوسط المصدر الرئيسي لإمدادات النفط للدول في جنوب آسيا، وفي يناير 2004 قدرت احتياطيات الغاز الطبيعي المؤكد في جنوب آسيا بحوالي 5. 67 تريليون قدم مكعب أي ما يمثل 1% من إجمالي احتياطيات الغاز الطبيعي على مستوى العالم.
كذلك أصبحت الصين مستوردا صافيا للنفط منذ عام 2003، وهي تعتبر ثاني اكبر مستهلك للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة، كما إنها مسؤولة عن المساهمة بنسبة 40 % من الزيادة في الطلب العالمي على النفط منذ عام 2000.
وتقف الاحتياطيات المؤكدة الصينية عند مستوى 18 تريليون برميل وتغطي الواردات النفطية حوالي ثلث استهلاكها من النفط الخام، ولهذا، يمثل النفط عنصرا حيويا في معادلة النمو الاقتصادي الصيني فهو حيوي لدعم النشاط الصناعي وتوليد الطاقة وتشييد مشروعات البنية التحتية وتوفير الوقود للسيارات التي تتزايد أعدادها، وتقدر بعض التقديرات أن اعتماد الصين على واردات الطاقة سوف يتزايد إلى معدل 70% بحلول عام 2020.
الاستثمار في صناعات الطاقة
وعلى أرضية تعطش الدولتين لموارد الطاقة، ورصدهما مليارات الدولارات للاستثمار في صناعات الطاقة بمختلف مجالاتها، تنشط شركات الطاقة المحلية في ضخ الاستثمارات إلى هذه الأسواق. من جانب، عملت شركة «ايبيك» على توسيع محفظتها الاستثمارية في قطاع المصب (التكرير والتوزيع) من الصناعة النفطية في الشرق الأقصى وتنويع أنشطتها بدخول قطاع مرافق الخدمات العامة.
وأبدت استعدادها لشراء مصاف وأظهرت اهتمامها بمرافق الخدمات العامة وشركات الغاز لأهمية تنويع محفظة الاستثمارات، وقد منحت شركة تيبودين في 22 يوليو 2006 عقد دراسة جدوى مشروع بناء خط أنابيب يتفادى مضيق هرمز، بطول يبلغ حوالي 360 كيلومتراً وقطر48 بوصة ويتسع لنقل 5. 1 مليون برميل من النفط الخام لشركة تيبودين.
ووقعت في يناير الماضي على اتفاقية تمهيدية مع المؤسسة البترولية الصينية للهندسة والبناء تتعلق بتنفيذ وإنشاء المشروع، وجاء اختيارها للشركة الصينية نظرا لما تملكه من خبرة واسعة وطويلة في هذا المجال والتي تمتد على مدي 50 عاما، أنجزت خلالها مشاريع في قطاع النفط والغاز والبتروكيماويات في أنحاء متعددة في العالم مثل شمال أفريقيا وآسيا الوسطى وجنوب آسيا وأميركا الجنوبية والشرق الأوسط.
وفي أسواق جنوب شرق آسيا، برزت شركة آبار للاستثمار البترولي من خلال استحواذها على الأسهم المتداولة لشركة بيرل إنيرجي، المحدودة التي تعد من أبرز الشركات في قطاع استكشاف وإنتاج النفط والغاز.
وشكلت عملية الاستحواذ إضافة نوعية لأنشطة وعمليات الشركة، إذ إنها مثلت بداية العمل بالنسبة لها في مجال الاستكشاف والإنتاج للنفط والغاز والذي حدده مجلس إدارة الشركة لكي يكون في صلب استراتيجياتها، وهو ما يعزز مكانة آبار كشركة منتجة للنفط والغاز، وبالتالي، تماثل هذه الاتفاقة في أهميتها عملية استحواذها لشركة «دلما إنجري» في يوليو 2005 والتي أسست بداية عمل شركة «آبار» في قطاع الحفر.
وقد وضعت مجموعة الطاقة الدولية إستراتيجية استثمارية تستهدف توسيع تواجدها في الأسواق الأفريقية والعربية فضلا عن استهدافها للسوق الهندي، حيث نجحت في تطوير أعمالها بالأسواق الأخرى بإطلاقها مؤخرا أول سيارة تعمل بالغاز الطبيعي ومحطة تزود بالغاز في مدينة «دار السلام» عاصمة تنزانيا وبذلك دشنت المجموعة مرحلة جديدة لاستخدام الغاز الطبيعي في تنزانيا.
وتعتبر مصانع الرويس للسماد ـ فرتيلFERTIL إحدى شركات أدنوك وتنتج نشادر (ammonia) حوالي 1300 طن متري ـ يوم واليوريا (urea) حوالي 1800 طن متري ـ يوم. يتم تسويق 15% من الإنتاج السنوي للسماد داخل الإمارات العربية المتحدة في حين يتم تصدير 85% منه إلى شبه القارة الهندية والشرق الأقصى والشرق الأوسط وإفريقيا والولايات المتحدة، وقامت الشركة بتطوير عملياتها الإنتاجية مما أدى إلى زيادة الإنتاج بمقدار 25% من الطاقة الأصلية.
ومنذ إنشاء مصنعها في الرويس خلال العام 2001، أصبحت شركة «بروج» إحدى أبرز موفري الحلول والمنتجات البلاستيكية عالية القيمة المخصصة لإنتاج تطبيقات حديثة في قطاعات أنابيب نقل المياه والغاز وكابلات الطاقة والاتصالات والتغليف المتطور والمعدات الطبية وقطع السيارات، ونجحت الشركة في ترسيخ مكانتها كلاعب بارز في الأسواق العالمية عموماً وفي منطقتي الشرق الأوسط والمحيط الهاديء بشكل خاص، وهي تقف الآن على أعتاب إحداث توسعات جديدة وإطلاق منتجات أكثر ودخول أسواق أوسع.
وهكذا، أعلنت شركة «بروج» عن مشروع توسعة لمصنعها في الرويس أطلقت عليه مشروع (بروج 2) وتوقعت أن يتم الانتهاء منه خلال منتصف العام 2010. ويعتبر مشروع ( بروج 2) خطوة هامة للشركة، إذ إنه أحد أكبر المشاريع وسيتيح زيادة الطاقة الإنتاجية بمعدل ثلاثة أضعاف. وهو ما سيسهم في توسيع قاعدة نشاط الشركة ويساعد على تلبية مختلف احتياجات الأسواق المتنامية في الشرق الأوسط وآسيا.
وقد فازت شركة «المهندسون الهندية المحدودة» بعقد إدارة أعمال توسعة مجمع الرويس للبتروكيماويات في أبوظبي والذي تبلغ تكلفته الإجمالية 5 مليارات دولار، وينص العقد على أن تقوم الشركة بتوسيع المجمع الذي تملكه شركة أبوظبي للبلمرة (بروج) وهو مشروع مشترك بين أبوظبي الوطنية للبترول وشركة بورياليس في فيينا، وفق ما ذكره مسؤول من الشركة الهندية لخدمة داو جونز للأنباء.
وهكذا، تقوم معادلة التعاون الجديدة على الجمع بين حاجتين متقابلتين، فهناك حاجة ضرورية وماسة لدى الهند والصين لتعزيز الاستثمارات في مجال الطاقة لكي تؤمنا حصولهما على هذه الموارد بما يجنبهما التعرض لأزمات نقص المعروض في حالات الطوارئ، خاصة في ظل حالة عدم اليقين التي تسود أسواق النفط العالمية.
كما أن هناك حاجة لدى الدولة لأن تحافظ على وجودها المتميز في الأسواق الأكثر حاجة لموارد الطاقة، وتبرز هنا الأسواق الأسيوية التي تتجه إليها بورصة المستثمرين من مختلف دول العالم، وبالتالي تصبح معادلة «المشاركة في تأمين موارد الطاقة» العنوان الرئيسي للتعاون بين الدول المستهلكة والمنتجة للطاقة، وهو ما ينسحب أيضا على علاقات التعاون بين الإمارات والدول الآسيوية التي ارتقت من مجرد توفير الإمدادات النفطية إلى الاستثمار المشترك في مشروعات الطاقة الآسيوية.
دبي ـ مجدي عبيد
