فيما كان الأميركيون يرتعدون خوفاً من عواقب الأزمة التي عصفت بالرهن العقاري، كان البريطانيون يعيشون المأساة عينها فاحتباسات الرهونات في بريطانيا واصلت ارتفاعها للعام الثامن على التوالي، كما استعاد المقرضون هذا العام قرابة 14 ألف عقار أكثر بثلاثين في المئة عن عام سابق، وفقاً لمجلس مقرضي الرهن، فضلاً عن وجود 125 ألف مقترض عجزوا عن سداد قيمة رهوناتهم العقارية.

وسجلت حالات الإفلاس الشخصية رقماً قياسياً غير مسبوق، مدفوعة بشكل أساسي بزيادات تقصم الظهور من الديون الرهينة. ويحذر بعض المحللين من احتمال تعرض بريطانيا لأزمة رهن عقاري، نظراً لأن المستهلكين من أصحاب الماضي الأسود، وجدوا أن المقرضين ذوي الرهن العالي المخاطر هم الوحيدون الذين يقبلون التعامل معهم.

وقال «ستيف جربل» العضو المنتدب في «جروسيفنور ترست أند سيفتغز» الاستشاري المالي المستقل في لندن، «من هنا تبدأ المشكلة، وستشهد بسهولة أن ما حدث في الولايات المتحدة سينشر إلى هنا» ولقد ازداد الوضع قتامة، وان التهديد المترتب على ترتيبات، تتغذى على لهف أصحاب المنازل، عظيم بحيث إن الحكومة تسعى لتغيير أسس النظام الرهني.

ومسألة قدرتها على ذلك موضع تساؤل خصوصاً في ضوء نظرة البريطانيين لملكية المنازل، والرهونات معدلة الفائدة، والدين الشخصي. ومن جانب آخر فإن البرامج التلفزيونية المخصصة لاستشارات العقارات والدين، هي الأكثر شعبية في البلاد. وان المواطنين البريطانيين هم الأكثر استدانة بين مجموعة الدول السبع ويقول فرانسيس ووكر، من خدمة الاستشارات الائتمانية للمستهلكين، استشارية الدين في لندن، في هذا الصدد، «إننا نعيش في مجتمع نشجع الناس فيه على الاستدانة وهناك ضغوط كبيرة لصعود سلم الإسكان، الذي أثبت كونه استثماراً مثمراً بالنسبة للبعض».

أما بالنسبة للبعض، فإنه مصدر بؤس، فهناك 5 في المئة فقط من مشتري البيوت البريطانيين يأخذون رهونات بفوائد ثابتة، وأسعار الفوائد ارتفعت بصورة كبيرة، في ظل رفع بانك اوف انجلتد، البنك المركزي البريطاني لأسعار الفائدة، خمس مرات خلال الـ 12 شهراً الماضية إلى 72. 5 في المئة.

وهو أعلى معدل لها منذ عام 2001. وكان من الممكن أن تزداد الأمور سوءاً، فلقد لوح البنك المركزي بزيادة أخرى في سعر الفائدة مرة أخرى على الأقل هذا العام ولو أضفنا أسعار السلع الضرورية المتزايدة، كالمواد الغذائية، والمرافق العامة، فإن الخناق سيطبق على أصحاب المنازل البريطانيين. ويقول خبراء العقارات هناك، إن هذا هو السبب الذي دفع الكثيرين من أصحاب المنازل، للجوء إلى بيع عقاراتهم واستئجارها من جديد.

ولقد أصاب تهالك السوق غير المنظمة المراقبين والمشرعين بالقلق من أن أصحاب المنازل يتخلون عن منازلهم مقابل أقل من 75 في المئة من قيمتها. دون الحصول على ضمانات للسماح لهم بالبقاء في عقاراتهم السابقة، بعد ستة أشهر، وهو اتفاق التأجير الأدنى هناك، ولقد راح المشرعون الآن، يسعون لابتكار طريقة تشجع المزيد من أصحاب المنازل على أخذ قروض بفوائد ثابتة غير أن ذلك لن يساعد أولئك الذين يواجهون الآن حجز رهوناتهم، أو تجنيبهم مخاطر الإقراض الفتاكة.

وان كان من نعمة بالنسبة لبريطانيا، فهي أنها على العكس من الولايات المتحدة، مازالت تحافظ على ارتفاع أسعار المساكن بعد ارتفاعها ثلاث أصناف منذ 1997، غير أن الزيادة الأخيرة في أسعار الفائدة ستعكس ذلك الاتجاه. والواقع أن اتحاد الإسكان الوطني، توقع مؤخراً بأن أسعار المنازل سترتفع 40 في المئة إضافية خلال السنوات الخمس القادمة ولتأخذ معدل سعر المسكن، والذي يكلف حالياً أكثر من أحد عشر ضعف المعاش الانجليزي الوسطي لتصل إلى 400. 302 أو 200. 602 ألف دولار.

ومادامت أسعار المنازل تواصل ارتفاعها فإن أسعار العقارات المحبطين، يمكنهم بيع منازلهم والحصول على مبلغ كافٍ لسداد دين الرهن، من الناحية النظرية على الأقل. أما في دنيا الواقع، فإن بيع عقار هناك، قد يستغرق شهوراً عدة، وما أن يسلط سيف حجز الرهن على رقابهم فإنهم لا يملكون في الغالب مثل ذلك الوقت وفيما قد تدفع الأسعار المرتفعة لبعض المستثمرين المحتملين خارج السوق.

فإن آخرين سيقررون أنهم بحاجة لقروض رهن أعلى خصوصاً في بريطانيا فامتلاك منزل متأصل في العقلية البريطانية، بحيث إن معظم المستهلكين سيفضلون الحصول على دين رهن إضافي بدل الاستئجار حتى ولو لم يكن في طاقتهم، وكان بعض استشاريي القروض، حذروا من أن احتياجات القروض العالية، قد تؤدي إلى ممارسات إقراض متراخية، وتغرق الكثيرين في أتون الإفلاس الذي بدوره سيلحق الضرر بالإنفاق الاستهلاكي، وإبطاء النمو الاقتصادي، وإدراكاً منها لذلك الاحتمال.

فإن الحكومة خرجت بمبادرات من شأنها أن تضمن أن الطفرة الإسكانية البريطانية لا تصل إلى حد الانفجار، وهي تخطط لبناء 240 ألف منزل سنوياً بحلول 2016، لتوفير مساكن في متناول الجميع كما يسعى المقرضون لبيع رهونات بسعر فائدة ثابت لمدة 25 عاماً في سوق يسود فيه نظام رهن بسعر فائدة ثابتة لمدة عامين، يجري تعويمه فيما بعد. ويقدر خبراء الرهن العقاري تعديل أكثر من مليوني قرض رهني عقاري إلى سعر فائدة أعلى خلال الشهور الثمانية عشرة القادمة، بعد انقضاء مدة سعر الفائدة الثانية قصير الأجل.

ومن جهة أخرى فإن الرهن العقاري طويل الأجل والمسعر بفائدة ثابتة من شأنه حصر مخاطر زيادات معدل سعر الفائدة غير أن التفكير قصير الأجل السائد بين البريطانيين، وغياب الرهن العقاري المغطى بالسندات حالا دون انتشار الرهن العقاري الذي يمتاز بسعر فائدته الثابت.

طابع تجزيئي في إنجلترا

وكانت أزمة الولايات المتحدة في 1938 أدت إلى نشوء «فاني ماي» و«فريدي ماك» وخلق سوق رهن عقاري، تمولها سوق الرساميل، غير أن بريطانيا ظلت أبداً سوقاً عقارياً ذات طابع تجزيئي تمولها ودائع المدخرات البنكية دون تمويل أو مشاكل خدمات دينية.

وقد أزال تحرير سوق الرهن العقاري البريطاني في ثمانينات القرن الماضي، بعض قيود الائتمان، مضيفاً مقرضين جدداً للسوق، التي وفرت رهونات عقارية بأسعار فائدة ثابتة تنافسية قصيرة الأجل، جرى تعديلها فيما بعد. وأصبحت الرهونات الفائدة الثانية، الأطول أجلاً أقل شعبية في تسعينات القرن الماضي، عندما ارتفعت أسعار الفائدة بمعدل 15 في المئة.

وفي شهر مارس أصبحت «نيشن وايد» ثالث أكبر مقرض رهني عقاري في بريطانيا بعد «اتش بي أو اس» و«آ بي» أول مقرض كبير يقدم عروض رهن عقاري طويل الأجل بسعر فائدة ثابتة في أعقاب ضغوطات حكومية، وتطور إيجابي في مسيرة الإيرادات ومع ذلك، فإن بعض المحللين ظلوا على شكوكهم.

وقال «جيمس كوتون» استشاري الرهن العقاري في «لندن اند كنتري مورجيجز» إن الناس لا يشعرون بالارتياح لربط أنفسهم تلك المدة الطويلة، ثم تنال منهم غرامات السداد المبكر. حيث إن رسوم السداد المبكر تصل إلى 300 ألف جنيه في بريطانيا.

ترجمة: وائل الخطيب